;
ترجمات

‏الصلة بين مأساتين: هيروشيما ونورمبرغ‏

‏ريتشارد فولك* – (كاونتربنش) 12/8/2022‏
ترجمة: علاء الدين أبو زينة‏

77 عامًا على قصف هيروشيما وناغازاكي

في يومي 6 و9 آب (أغسطس) من العام ‏1945، فجرت الولايات المتحدة ‏‏قنبلتين ذريتين‏‏ فوق مدينتي ‏‏هيروشيما‏‏ ‏‏وناغازاكي‏‏ اليابانيتين على التوالي.

وأسفر التفجيران عن مقتل ما بين 129 ألفا و226 ألف شخص، معظمهم من المدنيين، وما تزال هاتان القنبلتان تشكلان الاستخدام الوحيد للأسلحة النووية في النزاعات المسلحة.

في العام الأخير من ‏‏الحرب العالمية الثانية‏‏، كان “‏‏الحلفاء” يتهيأون‏‏ ‏‏لغزو مكلف للبر الرئيسي الياباني‏‏.

وقد سبقت هذا المشروع ‏‏حملة عسكرية تقليدية وقصف بالقنابل الحارقة، أسفرت عن تدمير‏‏ 64 مدينة يابانية. وكانت ‏‏الحرب في المسرح الأوروبي‏‏ قد انتهت عندما ‏‏استسلمت‏‏ ألمانيا في 8 أيار (مايو) 1945، وبذلك حول الحلفاء اهتمامهم الكامل إلى ‏‏حرب المحيط الهادئ‏‏.

وبحلول تموز (يوليو) 1945، أنتج ‏‏مشروع مانهاتن‏‏ التابع للحلفاء نوعين من القنابل الذرية: “الرجل البدين”، وهو سلاح نووي من نوع البلوتونيوم؛‏‏ و”الولد الصغير”، وهو ‏‏سلاح انشطاري من نوع ‏‏اليورانيوم المخصب‏‏.

وتم تدريب ‏‏المجموعة المركبة 509‏‏ ‏‏من القوات الجوية لجيش الولايات المتحدة‏‏ وتزيدها بنسخة “‏‏سيلفربليت”‏‏ المتخصصة من طائرات ‏‏بوينغ B-29 Superfortress‏‏، وتم نشرها في ‏‏تينيان‏‏ في ‏‏جزر ماريانا‏‏.

دعا الحلفاء إلى الاستسلام غير المشروط ‏‏للقوات المسلحة الإمبراطورية اليابانية‏‏ في “‏‏إعلان بوتسدام” الصادر‏‏ في 26 تموز (يوليو) 1945، وكان البديل هو “التدمير الفوري والتام” لليابان.

وقد اختارت الحكومة اليابانية تجاهل الإنذار النهائي.

في العاشر والحادي عشر من شهر أيار (مايو) من العام 1945، رشحت لجنة تحديد الهدف في لوس ألاموس، بقيادة روبرت أوبنهايمر، كلاً من مدن كيوتو، وهيروشيما، ويوكوهاما، وكوكورا كأهداف محتملة.

واعتمد اختيار الهدف على المعايير الآتية: يجب أن يكون قطر الهدف أكثر من ثلاثة أميال وهدفاً مهماً في منطقة حضرية كبيرة؛ يجب أن يؤدي الانفجار إلى إحداث أضرار فعلية كبيرة؛ ويجب أن يقع أي هدف عسكري صغير ودقيق في منطقة كبيرة لزيادة الأضرار الناجمة عن الانفجار، ولتجنب مخاطر إهدار الأسلحة النووية بلا داع وفقدها نتيجة إلقاء القنبلة في المكان الخاطئ.

لم تتأثر هذه المدن المذكورة بالغارات الليلية وهجمات الجيش، ووافق سلاح الطيران على حذفها من القائمة المستهدفة كي يتم تقييم السلاح بدقة.

وكانت هيروشيما توصف بأنها “مستودع عسكري مهم وميناء وسط منطقة صناعية حضرية. كما أنها هدف راداري مهم، وحجمها كبير بحيث سيتعرض جزء كبير من المدينة لأضرار جسيمة.

وستؤدي التلال المجاورة إلى إحداث تأثير تركيزي للانفجار مما يزيد من أضراره”.

تم الحصول على موافقة المملكة المتحدة على التفجير، كما كان مطلوبًا بموجب “‏‏اتفاق كيبيك”‏‏، وأصدر ‏‏الجنرال‏‏ ‏‏توماس هاندي‏‏، ‏‏القائم بأعمال رئيس أركان جيش الولايات المتحدة‏‏، أوامره في 25 تموز (يوليو) باستخدام قنابل ذرية ضد هيروشيما ‏‏وكوكورا‏‏ ‏‏ونيغاتا‏‏ وناغازاكي.

منطق “السلام” و”الاستسلام” في هيروشيما وناغازاكي..!

وقد اختيرت هذه الأهداف لأنها كانت مناطق حضرية كبيرة تضم أيضًا مرافق عسكرية مهمة. وفي 6 آب (أغسطس)، تم إسقاط قنبلة “الفتى الصغير” على هيروشيما، حيث كرر ‏‏رئيس الوزراء سوزوكي‏‏ التزام الحكومة اليابانية بتجاهل مطالب الحلفاء ومواصلة القتال.

وبعد ثلاثة أيام، تم إسقاط قنبلة “الرجل البدين” على مدينة ناغازاكي.

وعلى مدى الشهرين أو الأشهر الأربعة التالية، قتلت ‏‏آثار القصف الذري‏‏ ما بين 90.000 و146.000 شخص في هيروشيما، و39.000 و80.000 شخص في ناغازاكي؛ حدث نصفها تقريبًا في اليوم الأول للقصف.

ولأشهر عدة بعد ذلك، استمر العديد من الناس في الموت بسبب آثار الحروق ‏‏ومرض الإشعاع والإصابات التي تفاقمت بسبب سوء التغذية.

وعلى الرغم من أن هيروشيما كانت تحتوي على حامية عسكرية كبيرة، إلا أن معظم القتلى كانوا من المدنيين. ‏

‏استسلمت اليابان‏‏ للحلفاء في 15 آب (أغسطس) 1945، بعد ستة أيام ‏‏من إعلان الاتحاد السوفياتي الحرب‏‏ وقصف ناغازاكي.

ووقعت الحكومة اليابانية ‏‏صك الاستسلام‏‏ في 2 أيلول (سبتمبر)، ‏‏مما أنهى الحرب‏‏ فعليًا.

وقد درس العلماء على نطاق واسع آثار التفجيرات على الطابعين الاجتماعي والسياسي للتاريخ العالمي اللاحق ‏‏والثقافة الشعبية‏‏، وما يزال هناك ‏‏الكثير من الجدل حول‏‏ المبررات الأخلاقية والقانونية للتفجيرات.

ويعتقد المؤيدون أن القصف الذري كان ضروريًا لوضع حد سريع للحرب بأقل قدر من الخسائر؛ ويشكك النقاد في كيفية حمل الحكومة اليابانية على الاستسلام، ويسلطون الضوء على الآثار الأخلاقية والمعنوية للأسلحة النووية والوفيات التي لحقت بالمدنيين.‏

غالبًا ما يختار نشطاء السلام في جميع أنحاء العالم يومي‏‏ السادس والتاسع من آب (‏‏أغسطس) ‏‏من كل عام‏‏ للحزن من جديد على المعاناة الإنسانية والدمار اللذين أحدثهما إسقاط القنابل الذرية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين اللتين كانتا بلا دفاع، ومفتقرتين إلى الأهمية العسكرية.

ومن بين أمور أخرى، كانت هذه الهجمات الذرية “جرائم جيوسياسية” جسدت الإرهاب المطلق بمبررات قتالية ضئيلة، وكان المقصود منها في الأساس أن تكون تحذيراً للقادة السوفيات من تحدي الغرب في دبلوماسية السلام في نهاية الحرب العالمية الثانية.‏

يتم التعامل مع تواريخ آب (أغسطس) هذه التي أشرت على الدمار التام لهاتين المدينتين على أنها أحداث أدت إلى قدوم ما كان يعرف على نطاق واسع باسم “العصر النووي”.

ولا يمكن أبدا نسيان هذه البداية الرهيبة أو غفرانها، على الرغم من أنه منذ هذه الانفجارات في العام 1945، طغت على مهابة الاحتفال بهذه المناسبات خارج اليابان مخاوف واسعة النطاق من احتمال حدوث حرب نووية في مرحلة ما، وثمة غضب هادئ يستمر في التراكم في جميع أنحاء العالم من أن الدول النووية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، رفضت بعناد اتخاذ خطوات للوفاء بالتعهدات بالبحث عن مسار موثوق لنزع السلاح النووي بحسن نية.‏

أصبح هذا التعهد الأخلاقي والسياسي إلزاميًا قانونًا بموجب المادة السادسة من “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية” NPT للعام (1970)، وهو التزام أكدته بالإجماع فتوى أصدرتها محكمة العدل الدولية في العام 1996.

وقد أصبح واضحاً أنه بالنسبة للمؤسسات الأمنية التابعة لـ”الدول الثلاث الكبرى التابعة لحلف شمال الأطلسي” (الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة) لم يكن هذا الالتزام بنزع السلاح النووي أكثر من مجرد “قصة خيالية مفيدة” تخلق الشعور بأن الدول غير النووية تُعطى شيئا قيمًا ومتناسباً مع الاستعداد للتخلي عن خيارها الظرفي لدعم أمنها القومي من خلال الحصول على أسلحة نووية (مثل روسيا والصين، وكذلك إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية، على مر العقود). وليست الأطراف غير النووية في معاهدة عدم الانتشار ملزمة رسميًا بالتخلي عن خيارها المتمثل في حيازة أسلحة نووية من دون قيد أو شرط. وتمنح المادة 10 جميع الأطراف في معاهدة عدم الانتشار حق الانسحاب إذا عرَّضت “أحداث غير عادية” المصالح العليا لبلدها للخطر.

ومن الناحية العملية، وكما تكتشف إيران، فإن حق الانسحاب هذا يفسح المجال لاستبدال الأولويات الجيوسياسية لنظام الإنفاذ الذي ترأسه الولايات المتحدة.

ويلتزم ما يسمى بـ”إعلان القدس” الذي وقعه قادة الولايات المتحدة وإسرائيل في تموز (يوليو) باستخدام أي قوة عسكرية ضرورية لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.‏

مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي في الأمم المتحدة‏

في الوقت الحالي، ينعقد “مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”، الذي تم تأجيله منذ العام 2020 بسبب فيروس كورونا، في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك.

وقد سيطر تطوران متناقضان مهمان على المشهد. كان هذا أول اجتماع من نوعه يضم الأطراف المشاركة في “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية” منذ دخول “معاهدة حظر الأسلحة النووية” TPNW حيز التنفيذ في أوائل العام 2021.

وقد رسمت هذه المعاهدة، وهي مشروع قدمته حكومات من “الجنوب العالمي” في تحالف نشط مع المجتمع المدني العالمي، خطاً واضحاً بين آراء أغلبية شعوب العالم من جهة، والنخب الأمنية للدول التسع المالكة للأسلحة النووية.

وفي واقع الأمر، كان لدى الدول الثلاث المذكورة في حلف شمال الأطلسي الجرأة لإصدار بيان مشترك أعربت فيه عن معارضتها التامة للنهج الذي اتبعته ما تسمى بـ”معاهدة الحظر”.

وأعلنت أنها تعتزم مواصلة الاعتماد على الأسلحة النووية لتلبية احتياجاتها الأمنية في الأماكن البعيدة المحددة على نطاق واسع لتشمل الردع الجيوسياسي، أي أن استخدامات هذه الأسلحة لا تقتصر فقط على الدفاع عن الأوطان، بل تُستخدم أيضاً لمعالجة المخاوف الاستراتيجية الحيوية التي يمكن أن تنشأ في أي مكان على سطح الكوكب.

من مقال “قرار استخدام القنبلة الذرية” لهنري ستيمسون

في الوقت الحاضر، يتجلى هذا الالتزام بالنزعة النووية من خلال موقف الولايات المتحدة في ردها على الحرب الأوكرانية ومستقبل تايوان، فضلاً عن إعلان رفضها الواضح حتى لقبول إطار ضبط النفس “عدم البدء باستخدام الأسلحة النووية”.

ويرقى هذا المأزق بين من يملكون السلاح النووي ومن لا يملكونه إلى تأكيد وجودي على “الفصل العنصري النووي” ليكون الأساس غير المستقر والقائم على خدمة الذات للأمن العالمي، ما لم -وإلى أن- يستجمع المدافعون عن معاهدة حظر الأسلحة النووية ما يكفي من القوة والإرادة لإعلان تحد حقيقي لمثل هذا التركيز المنطوي على الهيمنة والمهدِّد لسلطة غير خاضعة للمساءلة ومعتمِدة على السلطة التقديرية.‏

أنماط جديدة من التنافس الجيوسياسي تزيد من مخاطر نشوب حرب نووية

أضفى التطور الملحوظ الثاني في “مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار” شعورًا بالفورية والإلحاح على ما أصبح، بعد 77 عاما من قصف هيروشيما، مصدر قلق غامضا بطريقة ما، هو الحرب الأوكرانية، وتأثيرها الجيوسياسي المتدفق والمتمدد المتمثل في زيادة المخاطر المتصورة لاستخدام الأسلحة النووية -وحتى خطر نشوب حرب نووية.

وقرّرت الولايات المتحدة أنه من المفيد تحدي هجوم روسيا على أوكرانيا بما يكفي لدعم منطقها الاستراتيجي القائل إنه منذ نهاية الحرب الباردة أصبح لدى العالم متسع سياسي لدولة “‏‏واحدة” ‏‏تتمتع بالحصانة خارج حدودها الإقليمية، والتي أصبحت المورد الوحيد للحوكمة “‏‏العالمية” ‏‏عندما يتعلق الأمر بأجندة الأمن الدولي.

ومن بين أمور أخرى، كانت الأحادية القطبية تعني أن الاحترام المتبادل لمناطق النفوذ الإقليمية على حدود القوى العظمى الذي كان يُراعى في حقبة الحرب الباردة لم يعد ركيزة للتعايش الجيوسياسي المستقر.

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1992، تصرفت الولايات المتحدة كما لو أنه يحق لها تطبيق “مبدأ مونرو” على العالم جميعاً.

ولجعل هذا القدر السياسي للهيمنة العظيمة ذا مصداقية، تحملت الأعباء الاقتصادية والاستراتيجية الهائلة التي تصاحب هذا الدور، وحافظت على نشر المئات من قواعدها العسكرية الخارجية في مختلف أنحاء الكوكب، والأساطيل البحرية في كل محيط.‏
‏ك

ان إصرار حلف شمال الأطلسي في وقت مبكر من الحرب الأوكرانية على جعل روسيا تدفع ثمن غزوها من خلال اختزالها مرة أخرى إلى مجرد الحالة الطبيعية للسيادة الإقليمية يهدف بلا شك إلى أن يكون درساً كبيراً لروسيا، وللصين خاصة، في الجغرافيا السياسية لعالم ما بعد الحرب الباردة. كما وفرت الحرب فرصة لإرسال رسالة إلى الصين، التي تشكل حاليًا ا

أدت الدبلوماسية الأميركية تجاه الصين إلى مفاقمة سياق تحريضي ملتهب مسبقاً من خلال بعض السلوكات الاستفزازية التي لا يمكن تفسيرها في الأشهر الأخيرة.

أولاً جاء تصريح علني غير مبرر أدلى به الرئيس جو بايدن في أيار (مايو) الماضي أثناء وجوده في آسيا عن التزام بلاده بتقديم أي مساعدة عسكرية تعد ضرورية لحماية تايوان إذا تعرضت لهجوم من الصين.

وثانيًا، ثمة زيارة مزعزعة للاستقرار تماماً قامت بها في آب (أغسطس) نانسي بيلوسي إلى تايوان في وقت يشهد تصاعداً للتوترات مسبقاً.

وقد انتهكت هذه الاستفزازات روح “بيان شنغهاي” الذي كانت قد أصدرته الصين والولايات المتحدة في العام 1972.

وكانت هذه الوثيقة التي جاءت نتيجة لاختراق دبلوماسي حدث قبل نصف قرن، قد حافظت على وضع قائم مستقر إلى حد معقول بين هذين الخصمَين الجيوسياسيين الرئيسيين، استنادًا إلى ما أشاد به هنري كيسنجر ووصفه بـ”الغموض الاستراتيجي”.

وتبدو حيل بايدن/ بيلوسي الجديدة تعبيرًا آخر عن الهِواياتية الأميركية عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية خلال فترة رئاسة بايدن، أو ما هو أسوأ من -أنها جهود متعمدة لاستفزاز شي جين بينغ ودفعه إلى اتخاذ إجراء يبرر رداً عقابياً أميركياً.

ويُتهم هذا الرجل الذي يفترض أنه مستبد طموح على المستوى الوطني مسبقاً في الصين بأنه ضعيف، ويتم تصويره في بلده على أنه يتراجع عن متابعة هدف السياسة الرئيسي المتمثل في إعادة توحيد الصين وتايوان.

أما إذا كانت هذه الأزمة تعكس عدم كفاءة أو نوعاً من المكر، فمسألة خاضعة للتقدير.

ويبقى أي من تصريح بايدن وزيارة بيلوسي مفتقراً إلى الحكمة بشكل غير مقبول عندما يتعلق الأمر بالمخاطر النووية التي تعود ثانية إلى السطح، فيما يشكل النقيض الكامل لممارسة “‏‏فن الحكم المسؤول” ‏‏المتوقع من قوة عظمى بالنظر إلى المخاطر التي ينطوي عليها العصر النووي.

في الحقيقة، يطغى على تذكر هيروشيما وناغازاكي في العام 2022 هذا الواقع المزدوج الموسوم بـ”الحروب الجيوسياسية” المستمرة.

وهو أيضاً تذكير بأنه تم تجنب الحرب النووية بصعوبة في أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962 من خلال ما أسماه مارتن شيروين، وهو خبير موثوق في المخاطر النووية، “الحظ الغبي”، في (المقامرة ب‏هرمجيدون (2020)؛ والعمل الآخر ذو الصلة أيضا لدانيال إلسبرغ، “‏‏آلة يوم القيامة” ‏‏(2017)).

وقد تكون هذه أيضًا هي اللحظة التي تستيقظ فيها حركة سلام ناشئة في الشمال العالمي وتدفع باتجاه اعتماد نهج معاهدة حظر الأسلحة النووية باعتباره هدفا سياسيًا حاسمًا للجنوب العالمي.‏

الخدر الأخلاقي الجيوسياسي في العام 1945‏

حسب روبرت جاكسون، كبير المدعين العامين الأميركيين في نورمبرغ، فإنه ‏”إذا كانت بعض الأفعال التي تنتهك المعاهدات جرائم حرب، فإنها جرائم، سواء ارتكبتها الولايات المتحدة أو ألمانيا، ونحن لسنا مستعدين لوضع قاعدة للسلوك الإجرامي ضد الآخرين لا نكون مستعدين لاستحضارها والاستشهاد بها ضدنا”.‏

لقد صدمت مؤخرًا عندما أدركت أن توقيع “اتفاقية لندن” في العام 1945 التي شاركت فيها الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، وفرنسا والمملكة المتحدة، والتي رتبت لإنشاء محكمة في نورمبرغ مكلفة بمحاكمة كبار مجرمي الحرب النازيين، تم ‏‏في 8 آب (أغسطس) ‏‏1945؛ أي أنها حُشرت بين الأيام التي تم فيها إسقاط القنابل الذرية الأميركية على هيروشيما وناغازاكي.

وقد أُنشئت محكمة موازية في طوكيو لمحاكمة جرائم الحرب اليابانية بعد بضعة أشهر.

وكثيرًا ما لاحظ المعلقون المستقلون، ولا سيما في الأعوام الأخيرة، أن هذه المبادرات كانت أحادية الجانب جداً إلى الحد الذي وسع معنى القانون الجنائي بطريقة جعلته عصياً على التمييز. لطالما كانت العلامة الأكثر دلالة على وجود عملية قانونية مشروعة هي المعاملة المتساوية لنظراء.

ومع ذلك، ميز عدم المساواة عمل هذه المحاكم التي تعتقد بصلاحها الذاتي، من اختيار القضاة إلى إفلات المذنبين بارتكاب جرائم حرب من الجانب الفائز من العقاب.

على الرغم من أوجه عدم المساواة الأساسية هذه، يبقى من الصحيح أن الأدلة المقدمة في نورمبرغ وطوكيو وثقت بوضوح عرض الأشكال البغيضة من الإجرام بعناية على أنها من عمل المتهمين الألمان واليابانيين.

وكان أكثر ما أثار الجدل في تلك المحاكمات هو فشلها في التحقيق في انتهاكات القانون الجنائي الدولي التي ارتكبها الجانب الفائز، وهذا هو السبب في أن هذه المحاكم، مهما كان عملها ضميريًا، كانت موضوعاً للازدراء على مر السنين باعتبارها أمثلة صارخة على عدالة “المنتصرين”.‏
لكن اهتمامي بالصلات بين هيروشيما ونورمبرغ مختلف بعض الشيء.

إن الافتقار إلى الحساسية الذي ينطوي عليه توقيع قوى بارزة على الاتفاق الذي أُبرم في 8 آب (أغسطس) لإنشاء محكمة نورمبرغ هو أمر مروع.‏‏

لقد حدث ذلك خلال أيام القصف الذري نفسها، ويمكن القول إن ذلك كان أسوأ جريمة في الحرب العالمية الثانية على الأقل، مثلها مثل الهولوكوست.

بل إن الأمر يتجاوز مجرد الافتقار التام إلى الحساسية؛ إنه خدر أخلاقي، من النوع يهيّئ الجهات الفاعلة السياسية، سواء كانت دولاً أو إمبراطوريات أو قادة، لاحتضان جرائم الماضي وارتكاب الجرائم في المستقبل.

وهو يؤدي مباشرة إلى ذلك النوع من النظام العالمي كحق جيوسياسي لبعض الدول للتمتع باستثناء في الأمم المتحدة عن طريق امتلاك حق النقض والإفلات من العقاب عندما يتعلق الأمر بإجراءات المساءلة.

وفي الواقع، تم تصميم الأمم المتحدة -حرفيًا- لمنح ضمانات بأن الدول الأكثر خطورة ستظل، اعتبارا من العام 1945، محمية فقهياً إلى الأبد من أي قرار سلبي لمجلس الأمن يتعلق بأعمالها الإجرامية‏‏، ‏‏على الأقل داخل منظومة الأمم المتحدة.‏

ما هذه السمة المقنَّعة بعض الشيء التي ينبغي أن تخلق إيحاء بالشرعية لمراقب فضولي؟

إن القانون والمساءلة لهما صلة بالدعاية وتفعيل العقاب ضد خصوم القوى العظمى، وضمان أن تبقى أخطاء المنتصرين في الحروب الكبرى محصنة من التمحيص، بينما يجب الحكم على أخطاء المهزومين والضعفاء من خلال ما يرقى إلى “محاكمات صورية” بسبب هذا الفشل الأساسي في معاملة النظراء على قدم المساواة.‏

وثمة شيء آخر ينبغي تأمله. ‏‏لو كان‏‏ يوم 8 آب (أغسطس) يوما مختلفًا مكللاً بالعار لأن مدينة إنجليزية أو أميركية استُهدفت بقنبلة ذرية ألمانية، بينما خسرت ألمانيا الحرب مع ذلك، لكان قد تم تجريم الفعل والسلاح في نورمبرغ وفي أي إجراءات دولية لاحقة.

وربما لم نكن لنعيش الآن مع هذه الأسلحة لو كان مرتكبو تلك الأحداث المروعة في‏‏ 6 و9‏‏ آب (أغسطس) هم الخاسرون في الحرب‏‏ العالمية الثانية، وهو يجعل هزيمة الفاشية المحتفى بها عن حق بشكل عام انتصارًا للبشرية مشكوكاً فيه بطريقة ما على المدى الطويل.‏

الآن، بعد مرور 77 عامًا، يبدو من المفيد التفكير في السماح لهذه العلاقة المكبوتة منذ فترة طويلة بين هيروشيما ونورمبرغ بالظهور، في سياق التصاعد غير المسؤول مؤخرًا للتوترات الجيوسياسية مع روسيا والصين.‏

*‏ريتشارد فولك Richard Falk:‏‏ الأستاذ الفخري للقانون الدولي في جامعة برينستون، ورئيس قسم القانون العالمي في جامعة كوين ماري في لندن، وباحث مشارك في مركز أورفاليا للدراسات العالمية، UCSB.‏

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Connecting Toxic Memories: Hiroshima and Nuremberg

 اقرا أيضا في ترجمات:

روجر ووترز: تأثير مقاطعة الفنانين لإسرائيل والحاجة إلى المعرفة‏ (1 – 2)

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock