أفكار ومواقف

الصناعات التعدينية: إحدى بوابات المستقبل الواعدة

خالد دلال

هي كذلك. فما حققته شركة البوتاس العربية خلال العام 2021 من أرباح صافية، بمقدار 217 مليون دينار، وهي الأعلى منذ عشر سنوات، وشركة مناجم الفوسفات الأردنية، وهي أكثر من 335 مليون دينار، بأعلى كميات إنتاج للفوسفات منذ تأسيس الشركة، هي أمثلة واضحة وصريحة على أن إحدى بوابات مستقبل الأردن الاقتصادية الواعدة والصاعدة تكمن في الاستثمار في قطاع التعدين، وذلك طبعا بوجود إدارات وطنية حصيفة وقادرة، وفق أفضل الممارسات العالمية، على وضع الاستراتيجيات والخطط التنفيذية لتحقيق الإنجاز تلو الآخر.

ولعل هذا يقودنا إلى ضرورة فتح قطاع الثروات التعدينية، سواء كانت استخراجية أو تحويلية، على مصراعيها أمام الاستثمار، وما سيولده من آلاف فرص العمل، وبالتالي محاربة فعلية لمشكلة البطالة في المملكة، التي تعد الهم الأكبر لنا جميعا، خصوصا بين صفوف الشباب، والتي تقدرها العديد من المصادر بنحو 50 بالمائة.

الوطن يزخر بخيراته التعدينية، والأمر لا يقف عند البوتاس والفوسفات، مع الإقرار بأنهما الأهم، فلدينا النحاس والمنغنيز والذهب والسيلكا واليورانيوم مثلا وغيرها الكثير، علما أن مساهمة قطاع التعدين كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ نحو 8 بالمائة. وهو الرقم الذي يمكن انطلاقه صعودا خلال السنوات المقبلة.

الأمر يتطلب اعتماد خريطة طريق قابلة للتطبيق والقياس للأعوام العشرة المقبلة تستند إلى عاملين: أولهما الإعلان، بكل شمولية ووفق بيانات علمية مدروسة ونتائج مؤكدة أو تقريبية على أقل تقدير، عن الفرص الاستثمارية في قطاع التعدين، وثانيا عقد مؤتمر وطني يستضيفه الأردن يتم دعوة كبار المستثمرين والشركات المحلية والعربية والعالمية في قطاع التعدين لحضوره والاطلاع على هذه الفرص.

ولعل تشكيل ائتلافات محلية عربية دولية قد يلعب دورا كبيرا في إطلاق العنان لاستغلال خامات الأردن الطبيعية، هذا مع الإقرار بوجود دراسات جدوى أولية للعديد من الخامات في المملكة معدة وبدقة من شركات استشارية عالمية. وهنا قد تلعب أيضا السفارات الأردنية دورا في الترويج للفرص الاستثمارية في قطاع المعادن في المملكة. فالدور السياسي للسفارات مهم، لكن الاقتصادي لا يقل أهمية.

وعند الحديث عن كل ما تقدم، فلا بد من إيلاء موضوع الصناعات المشتقة، والسير قدما في تعزيز منحنى القيمة المضافة عن طريق التوسع أكثر في الاستثمار في الصناعات المتخصصة في الخامات الطبيعية، الأهمية التي تستحق، وأثر ذلك في تعظيم الصادرات وتعزيز مؤشرات الميزان التجاري وقيمة العملات الأجنبية الواردة، وصولا إلى ارتفاع ملموس على نسب النمو. وهذا هو الأساس لتحريك الأداء الاقتصادي للدولة بالمجمل، من خلال البناء على الميزات التنافسية التي يتمتع بها الأردن.

كما أن تحقيق أرباح أكبر لشركات التعدين، كما في حالتي البوتاس والفوسفات خلال العام المنصرم، سيسهم في توفر السيولة المالية التي ستعمل على تعزيز قدرة هذه الشركات على الاستثمار بثقة أكبر في مشاريع مستقبلية توسعية، وانعكاسات ذلك على زيادة الأرباح مرة أخرى. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار اتباع سياسات اقتصادية حكيمة تعزز من نمو قطاع التعدين، بما فيها عدم رفع الضرائب لتمكين هذا القطاع من الاستمرار في النمو وتعزيز قدرته على الاستثمار، ما يولد إيرادات أكبر للخزينة.

ومن اللافت في تجربة شركتي البوتاس والفوسفات، خلال السنوات الماضية القريبة، ومنها سنوات كورونا العجاف، أن وجود إدارات وطنية ذات علم وخبرة وحنكة يلعب دورا في اكتمال حلقة النجاح، (هذا مع أخذ ارتفاع الأسعار العالمية في الحسبان). وهو النموذج الذي يجب أن يعمم في مختلف الشركات الكبرى، خصوصا مع كل الجهود الوطنية، وعلى أعلى المستويات، لتحقيق الإصلاح على مختلف مساراته: السياسية والاقتصادية والإدارية.

ليكن التفاؤل نبراسنا أن المستقبل حتما أفضل رغم عظيم التحديات، ولنعزز جميعا الأمل والعمل لذلك. وهذا في النهاية واجبنا تجاه أنفسنا، والأهم وطننا وأجيال المستقبل. “وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ”.

المقال السابق للكاتب

لنتعلم من مأساة الطفل ريان

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock