أفكار ومواقف

الصياغة إسرائيلية والإخراج أميركي!!

لا يغيب مطلقا الشعور عند قراءة تفاصيل الصفقة العتيدة التي خرج دخانها الأبيض مساء الثلاثاء 28/1/2020، بأن من صاغها بأدق تفاصيلها هو نتنياهو وفريق اليمين المتطرف في إسرائيل وترك للرئيس ترامب أن يعلنها في طابع احتفالي طغى عليه إغداق نتنياهو بالثناء والإشادة واصفا ترامب بتعابير وحركات مدروسة ومن على منصة البيت الأبيض بأنه أهم وأعظم صديق لإسرائيل في البيت الأبيض وهو يدرك جيدا حاجته لذلك أمام الناخب اليهودي في الانتخابات الرئيسية بعد أشهر، ويريد أن يُحيد الأنظار عن متاعبه مع الكونغرس بالإضافة لمعرفته بنرجسيته المفرطة كرئيس أميركي مختلف في تعاطيه مع كل الأزمات وقادر على صنع الصفقات وتنفيذها.
ليس مصادفة إذا أن يتأخر إشهار الصفقة ثلاث سنوات فكل شيء مدروس بدقة منذ توجه الرئيس دونالد ترامب لإنجاز تسوية وصفها بأنها ستكون تاريخية للصراع العربي الإسرائيلي بعيد انتخابه العام 2016. منذ ذلك التاريخ عكف الفريق اليميني الذي يحيط به في الإدارة وعلى رأسهم صهره جاريد كوشنر ومبعوثه السابق جيسون غرينبلات والسفير ديفيد فريدمان والمجموعة الصهيومسيحية الداعمون للاستيطان في الضفة الغربية على إعدادها بتفاصيل دقيقة غابت عن كل المشاريع التي طرحتها الإدارات السابقة من حيث عناصر الإثارة والتشويق والترغيب والتهديد، ومهدت لذلك بإعلان الشق الاقتصادي في حزيران الماضي في المنامة.
الرئيس ترامب المولع بالصفقات إذ يصف نفسه بأنه سيدها يعرف أهمية اختيار اللحظة التي تخدم صديقه نتنياهو ليصرف عنه أنظار الناخبين وهو الذي سيواجه بعد خمسة أسابيع انتخابات للمرة الثالثة غارقا بملفات الفساد والرشوة والمحاكمة، لعل ذلك يرفع من حظوظ عودته، بينما تجنب غانتس أن يكون جزءا مباشرا من لعبة المصالح بين ترامب ونتنياهو، فسارع لشكر الرئيس وبارك الصفقة مقدما حتى لا تخصم من رصيده انتخابيا واشترك معه في الشكر والاشادة حليفه يائير لبيد زعيم حزب «يوجد مستقبل» لأنهم يدركون أنها لعبة انتخابية وفخ لهم.
الصفقة التي طرحت من حيث الشكل والمضمون تعطي انطباعا أننا أمام اتفاق سياسي بين ترامب ونتنياهو لخدمة حملتيهما الانتخابية، ترامب يسعى للفوز بأصوات اللوبي اليهودي، ونتنياهو يريد أصوات اليمين المتطرف، ولكن الثمن هو من حقوق الشعب الفلسطيني وعلى حساب مصيره.
إسرائيليا؛ من الصعب الحكم على قبولها على الأقل قبل نتائج الانتخابات في الثاني من آذار المقبل وتشكيل حكومة إسرائيلية ولكن هذا لا يضيف أي قيمة، فمخرجات الصفقة قائمة على أرض الواقع من ناحية خروج القدس من أي تسوية والاعتراف بالمستوطنات قانونياً ويهودية الدولة وضم غور الأردن وإسقاط عودة اللاجئين وتعويضهم ونزع السلاح والسيادة في كيان أشبه بالأرخبيل المعزول لا يملك لا حدودا ولا موانئ ولا مطارات ويحرم من التوقيع أو الانضمام لأي منظمة دولية إلا من خلال الاحتلال وبشكل لا يرقى حتى لأدنى مستويات الحكم الذاتي وأقل من كل المشاريع التي طرحت سابقا حتى من الإسرائيليين أنفسهم.
الصفقة العتيدة تضع كل قرارات الشرعية الدولية خلفها وكأنها لم تكن بل أنها تتنصل من كل ما نصت عليه الاتفاقيات التي كانت إسرائيل جزءا منها وقيل يومها بأنها تاريخية ولكنها أصبحت من التاريخ.
يبقى الرهان اليوم على الإرادة الفلسطينية أولا بافشال المسعى الأميركي لأن أحدا لن يستطيع أن يكون بديلاً عنها. وعلينا أن نتذكر أن مشاريع التسوية كانت حاضرة دائما منذ نشوء الاحتلال ولكنها صارت من الماضي لأنها لم تجد شريكا فلسطينيا يقبل بالتنازل عن حقوق شعبه.
هي بالتأكيد لحظة تاريخية فارقة عنوانها العجز العربي والارتهان لمشروع تصفية القضية الفلسطينية الذي صاغته إسرائيل وأعلنه الرئيس ترامب؛ ولكنها حتما ليست نهاية التاريخ.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock