أفكار ومواقف

الضرب بالقانون هو الحل

محمود الخطاطبة

انشغل الرأي العام الأردني، خلال الأيام الماضية، بتقرير ديوان المُحاسبة للعام 2021، والذي كشف عن وجود فساد ومُخالفات وتجاوزات، أكانت مالية أم إدارية، ضربت مُعظم أجهزة ودوائر الدولة، إلى درجة أنه لم يسلم منها حتى ذلك الذي ينم عن حس إنساني وتكافُل اجتماعي، تمثل بـ”التطاول” على إحدى عمليات جمع التبرعات، في وزارة أهم أهدافها تحقيق هذه الغاية.. تلك التبرعات التي تذهب إلى أُناس هم في أمس الحاجة إلى كُل دينار.

الفساد وصل كذلك إلى حد ضرب التعليم العالي في مقتل، إذ تضمن ذلك التقرير، مُخالفات بتعيينات ورواتب وعلاوات ومُكافآت أعضاء هيئة تدريس وإداريين في جامعات رسمية، فضلًا عن أن الفساد، لم يسلم من شره النقص الذي حصل بمادتي القمح والشعير، وكذلك الأراضي الحرجية لم تكن ببعيدة عن ذلك، حيث تعرضت لتجاوزات!، ما يدل على وجود مُشكلة كبيرة جدًا.

الفساد، بما يتضمن من هضم حقوق، وعدم عدالة، وتجاوزات مالية وأُخرى إدارية، يحصل في أي دولة، ومنذ أزمان بعيدة، حتى أنه حصل في زمن الأنبياء والرُسل، الذين يُعتبرون أفضل الخلق، وجاؤوا بمُعجزات كثيرة، ومع ذلك كان هُناك من الشعوب من يرتكب أخطاء وآثام، من زنا وسرقة وقتل، وغير ذلك من أمور تلفظها الفطرة التي جُبل عليها الإنسان.

لا أدعو إلى ارتكاب الفساد، أيًا كان نوعه، ولا أُجمل صوره، أو أبطاله وعرابيه، لكن أقول أنه موجود منذ بدء الخليقة.. لكن ما يدعو إلى الاستغراب والتعجب هو خروج الحُكومة، من خلال وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء إبراهيم الجازي، الذي أكد، مُنتشيًا، “أن الغالبية العُظمى من المُخالفات التي رُصدت بـ”المحاسبة 2021”، تم تصويبها سابقًا”.

أيُعقل أن يتم الاكتفاء بمثل ذلك، أي “التصويب” فقط، بلا أي عقوبة، أكانت قضائية أم إدارية.. إن ذلك الأمر يوحي وكأننا أمام “قوننة”، أو “تبسيط”، أو “تخفيف”، ما يُطلق عليه بـ”الفساد”، وأنه أمر عادي، لا بل أقل من ذلك.

الخشية من أن يُصبح تجاوز القانون والنظام، أمرًا عاديًا، فالأصل أن يكون التأديب رادع لعدم ارتكاب التجاوزات أو المُخالفات، وإلا فإن “الفوضى” ستُصبح هي السمة الأساس في المُجتمع.. وعلينا أن نتذكر جيدًا تلك المقولة التي زُرعت في أذهاننا منذ نُعومة أظافرنا “من أمن العقوبة، أساء الأدب”.

تقرير “المُحاسبة 2021”، يؤكد بشكل لا مجال للشك فيه بأن الفساد وصل إلى منطقة “الحلقوم”.. والخوف الآن يتمثل بعدم الاستطاعة أو القُدرة على وقفه، أو التخفيف من حدته وآثاره السلبية، على الأقل، وبالتالي نصل إلى مرحلة تكون هُناك نسبة كبيرة من الشعب “مُخالفة”، تتصرف على هواها ومزاجها، ويُصبح بعدها “التمادي” شكلًا من الأشكال الاعتيادية في المُجتمع، وصفة مُلازمة للكثير!.

تصويب المُخالفات أو التجاوزات، أمر جد رائع، لكن يتوجب ربطه وبشكل وثيق بالقانون، الذي يجب أن يأخذ مجراه، وبالتالي مُعاقبة من كُل من تسول له نفسه الإقدام على مثل تلك الخُطوات.. الحل الأصح هو الحزم والضرب بيد من حديد، لكن من خلال القضاء، الذي ما يزال نسبة كبيرة من أبناء الشعب الأردني تثق فيه وبنزاهته.

المقال السابق للكاتب

“الاتصال الحكومي”.. هواجس قائمة وتكلفة إضافية

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock