أخبار محليةاقتصادتحليل إقتصادي

الضريبة بين المستهدف والمتحقق

سلامة الدرعاوي

عمان– تلقت الخزينة العامة ضربة موجعة في إيراداتها الضريبية التي تراجعت بمقدار 700 مليون دينار، ناتجة عن عوامل عدة من أبرزها: هبوط تحصيلات الدولة من عوائد الدخان بقيمة 150 مليون دينار، في الوقت الذي كانت تعوّل الحكومة أن تزداد هذه العوائد بقيمة تتراوح بين 300 و450 مليون دينار، خاصة بعد القبض على أطراف عدة فيما عرف بقضية دخان مطيع، إلا أن الواقع خالف التقديرات في هذا البند بالميزانية العامة لسنة 2019.
ما حصل في العام الماضي جعل الحكومة تدق ناقوس الخطر، وتدرك أن الوضع الحالي المتبع في دائرة ضريبة الدخل والمبيعات لمواجهة المتهربين ضريبياً قاصر ولم يعد قادرا على التصدي لظاهرة التهرب الضريبي التي قدرت مؤسسات دولية ومنها البنك الدولي قبل 6 أعوام أنها تتراوح بين 600 و800 مليون دولار في المملكة.
أمام هذا الواقع الصعب وفي ظل فرضيات موازنة 2020 والتي قدرت نمو الإيرادات المحلية بحوالي (733) مليون دينار أو ما نسبته (10.4 بالمائة) بالمقارنة مع العام 2019 (إعادة التقدير)، بدأت وزارة المالية بإعادة تقييم شاملة لكل هيكل الإجراءات الضريبية في محاولة لوضع خطة تمكن أجهزة الضريبة من تعزيز قبضتها على المتهربين ضريبياً.
فعلا، شهد الثلث الأخير من هذا العام البدء بحزمة إجراءات نوعية أثمرت مع نهاية العام الماضي بضبط أحد أكبر “الهوامير”، المتهربين ضريبياً وعدد آخر من الذين تم حصرهم جميعاً بمبلغ إجمالي ناهز الـ195 مليون دينار، هي أموال ضريبة استحقت جراء عمليات ضبط فعلي وقانوني لحالات من التهرب الضريبي بشكل مباشر.
أحد “هوامير” التهرب الضريبي اليوم بات في سلطة الضريبة التي أحكمت قبضتها على عملياته وأنشطته الإنتاجية في إحدى المناطق الخاصة؛ حيث حظيت أعماله بشبهات عديدة، تم تداول الأساطير حول حلفائه وشركاه، لكن القانون فوق الجميع، فتسللت أيدي الضريبة إلى شركاته ومنشآته لتخضع للتدقيق الضريبي والجمركي في آن واحد، ليتبين أن غالبية أعماله وأنشطته الصناعية فيها من الشبهات الكبيرة كحول حقيقة القيمة العادلة للضريبة المستحقة عليه، وكانت المفاجأة، أن أعمال التدقيق التي أنهت أعمالها خلصت بمفاجأة من العيار الثقيل، وهي أن إحدى الشركات الصناعية لهذا “الهامور” تجاوزت عمليات التهرب الضريبي ما قيمته 134 مليون دينار وحده فقط، مما دفعه لتشكيل لوبي داخلي وخارجي للضغط على الحكومة تحت أشكال مختلفة لثنيها، جميعها باءت بالفشل، وتحولت القضية إلى المحكمة الضريبية التي من المتوقع أن تصدر قرارها النهائي نهاية هذا العام.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فيد الضريبة الآن أحكمت قبضتها على القطاعات التي دائماً ما تتهم من قبل البعض والشارع بأنها لا تدفع الضريبة التي تتناسب مع أحجام أنشطتها المختلفة، ووضع خطة محكمة في تتبع الأعمال كافة التي تقوم بها بعض القطاعات بشكل مؤسسي غير قابل للاختراق كما هو حاصل الآن مع المستشفيات على سبيل المثال لا الحصر.
دائرة ضريبة الدخل أعدت منظومة متكاملة من الإجراءات التي من شأنها معالجة الثغور في هيكل المتابعة الضريبية وتفعيل إجراءات مكافحة التهرب الضريبي باعتماد معين، المخاطرة بدلا من الشكوى، مستندين على نتائج إجراءات المسح الميداني لتسجيل المكلفين حد التسجيل، وحصر المكلفين غير الملتزمين من خلال مؤسسة الضمان الاجتماعي ودائرة مراقبة الشركات.
الملاحظ اليوم في علاقة المكلفين بالضريبة هو التراجع الكبير في عدد القضايا التي ترفع أمام المحاكم والذي وصلت نسبته الى أكثر من 35 بالمائة، نتيجة التسويات التي تتم في إطار دائرة ضريبة الدخل قبل اللجوء للتقاضي؛ حيث تم تفعيل فصل هيئات الاعتراض عن التدقيق، مع إعادة النظر في إجراءات الحجز وتنفيذه.
إجراءات الضريبة الإصلاحية لمعالجة التشوهات ليست فقط في مكافحة التهرب، وإنما بناشئة علاقة حضارية مع المكلفين، من خلال تعزيز الخدمات وتبسيط الإجراءات، من خلال توسيع مهام وصلاحيات المراكز الضريبية في المحافظات، واعتماد مدونة سلوك حضارية لموضوع الدائرة تحد من الممارسات التي تشي لهم بعد الخروج من المهنة، كما تم اعتماد التدقيق وفق مبدأ فرق التدقيق على القطاعات، وإعادة النظر بدراسة تصنيف كبار المكلفين، وتصنيفات القطاع التجاري لرفع كفاءة التدقيق، بالتزامن مع تطبيق فعلي وسريع لبرنامج الفوترة الذي تعول الضريبة عليه في تحقيق العدالة بين المستهلك ومقدم الخدمة، وفق أصول مؤسسية تحفظ الحقوق للجانبين، وتسهيل كل ذلك من خلال أيضا تفعيل الدفع الإلكتروني.
2020 عام مهم للغاية للضريبة، فخلاله ستثبت الحكومة قدرتها على الوصول الى الفرضيات الأساسية في قانون الموازنة الخاص بالإيرادات، فالخطة الضريبية اليوم والإجراءات الإصلاحية التي بدأ تنفيذها يجب أن تؤتي أكلها هذا العام، وفي حال لم يتكرر ما حصل في العام 2019، فإن ذلك سبب وجيه لإعادة النظر من جديد في كل المنظومة الإدارية الضريبية.

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1850.27 0.17%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock