أفكار ومواقفرأي اقتصادي

الضمان الاجتماعي بين الحماية والاستدامة

بين فترة وأخرى تخرج إلى العلن معلومات تتحدث عن قدرة الضمان الاجتماعي على الإيفاء بالتزاماته تجاه مشتركيه، وخاصة دفع الرواتب التقاعدية في المستقبل، وعادة ما يتم التعامل معها باعتبارها مقدمات لإجراء تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي.
وهذا ما حدث الأسبوع الماضي، عندما تم مناقشة نتائج دراسة تم اعدادها من قبل إحدى خبيرات البنك الدولي خلال جلسة حوارية نظمها منتدى الاستراتيجيات الأردني بالتعاون مع البنك الدولي، كشفت فيها عن العديد من التحديات التي تواجهها منظومة الضمان الاجتماعي في الأردن.
وكان المستغرب من معدة الدراسة أنها أعطت أهمية كبيرة لنتائج تطبيق أحد السيناريوهات غير الواقعية على مسار ومستقبل صندوق الضمان الاجتماعي واستدامته، ووضعتها في مقدمة العرض البحثي، بالرغم من أن الدراسة تضمنت العديد من النتائج المهمة جدا.
إذ توصلت الباحثة الى أنه في حال توقف مشتركي الضمان الاجتماعي والمؤسسات العاملين فيها عن دفع اشتراكاتهم بالكامل، فإن صندوق الضمان الاجتماعي لن يكون لديه القدرة على دفع الرواتب التقاعدية بعد عشر سنوات من الآن، ويمكن أن يستمر بالدفع لما يقارب عشر سنوات أخرى، إذا اخذ بالاعتبار عوائد استثمارات صندوق أموال الضمان الاجتماعي.
نقول إن هذا الاستنتاج غير واقعي وغير علمي، لأنه يقوم على فرضية تتمثل في وقف دفع الاشتراكات، وكأن الاقتصاد سيتوقف. مع أن الأرقام الإحصائية تشير إلى أن صندوق الضمان الاجتماعي يحقق فوائض تأمينية كبيرة سنويا، بلغت 535 مليون دينار خلال العام 2019، تراجعت الى 419 مليون دينار خلال العام 2020 بسبب جائحة كورونا.
من شأن الدفع بنتيجة من هذا النوع الى المقدمة، الاضرار بمسار اصلاح منظومة الضمان الاجتماعي – رغم الملاحظات العديدة التي لدينا عليها – ولكن، نحن بحاجة الى تشجيع منشآت الاعمال وخاصة الصغيرة والمتوسطة الى اشراك كافة العاملين والعاملات لديها في الضمان الاجتماعي، ومن شأن هكذا معلومات، أن توسع من نطاق التهرب التأميني، على اعتبار أن مستقبل الضمان الاجتماعي في خطر.
هنالك فجوات عديدة تعاني منظومة الضمان الاجتماعي، كتبنا عنها منذ سنوات وما زلنا، وأكدت عليها الدراسة المذكورة، أهمها ضعف شموله لجميع العاملين والعاملات في الأردن، حيث تغطي ما يقارب 52 بالمائة من العاملين في الأردن، سواء أكانوا عاملين بأجر أو عاملين لحسابهم الخاص أو العاملين باليومية.
لمواجهة هذا التحدي، نتوقع أن تقوم المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي بتطوير أدوات حمائية جديدة بكلف معقولة تمكن العاملين والعاملات غير المنظمين من الاشتراك في الضمان الاجتماعي والانتفاع بالحمايات التي يوفرها.
والمعلومات المتوفرة لدينا تشير الى أن المؤسسة انتهت من تصميم أدوات حمائية بكلف معقولة ومدعومة لشمول فئات من العاملين والعاملات غير المنظمين، نأمل أن تكون هذه الأدوات فعالة، وسنخضعها للنقاش حال الإعلان عنها.
هنالك تحديات أخرى تواجهها منظومة الضمان الاجتماعي تتمثل في التوسع الكبير في استخدام المنتفعين للتقاعد المبكر، وهو ما يستنزف صندوق الضمان الاجتماعي، وحل هذه المشكلة لا يتحقق من خلال اجراء تعديلات على قانون الضمان باتجاه زيادة سن التقاعد المبكر، بل يحتاج لمراجعة شاملة لسياسات الأجور باتجاه زيادتها.
نقول ذلك لأن الدافع الأساسي للتقاعد المبكر ناجم عن انخفاض اجور المشتركين الذي لا يكفي لتغطية احتياجات اسرهم المعيشية، ويرغبون بالدخول مرة أخرى الى سوق العمل بهدف الحصول على دخل إضافي الى جانب رواتبهم التقاعدية. ويكفي أن نعرف أن ثلثي مشتركي ومشتركات الضمان الاجتماعي يحصلون على أجور شهرية توازي خط الفقر المطلق للأسرة المعيارية لتفهم ذلك.
وكذلك الحال بالنسبة للمعادلة التي تستخدم لحساب الراتب التقاعدي، وزيادة عدد الرواتب التي تدخل في حسبته، الى جانب زيادة سن التقاعد الوجوبي لأكثر من ستين عاما، فجميعها بحاجة الى معالجات اقتصادية واجتماعية موازية، باتجاه شمولية الحمايات الاجتماعية التي تقدمها الدولة لمواطنيها، سواء بالرعاية الصحية ذات الجودة العالية والتعليم بمختلف مراحله، ومنظومة نقل فعالة، وعندها فقط يمكن الحديث عن تعديلات على هذه المؤشرات.
عندما تقدم الدولة هذه الحمايات، يمكن الحديث عن هكذا اصلاحات، والى حين ذلك تتركز الأولوية الملحة في الوقت الراهن على زيادة أعداد مشتركي الضمان الاجتماعي، وزيادة المشاركة الاقتصادية، فهي الطريق الوحيدة تضمن تعزيز الحمايات الاجتماعية من جهة، وتوفر لصندوق الضمان الاجتماعي الموارد المالية الكافية لتغطية التزاماته الحمائية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock