أفكار ومواقف

“الضمان” تحت سيادة صندوق النقد الدولي

بإرسال مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2019، إلى مجلس الأمة الثامن عشر، حيث من المزمع أن يقره خلال دورة استثنائية تلتئم في الحادي والعشرين من الشهر الحالي، تكون الحكومة، ممثلة بالمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، قد انصاعت، وإن اختلفت الطرق، لشروط صندوق النقد الدولي مرة جديدة، وأكيد لن تكون الأخيرة.
ولقد كتبنا مقالًا في هذه الزاوية، أوائل شهر شباط من العام الحالي، حول اجتماع عقدته بعثة صندوق “الشؤم الدولي” مع رئيس وأعضاء جمعية رجال الأعمال الأردنيين، طرحت خلاله قضية التقاعد المبكر، زاعمة وقتها بأنه أصبح “عبئًا على المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي أولًا، وعلى خزينة الدولة ثانيًا”، وأوصت بإلغائه أو تأجيله إلى أعوام.
إن قانونا بأهمية وحساسية قانون الضمان الاجتماعي، يمس حياة ومستقبل الغالبية العظمى من المواطنين، من الضرورة أن يحظى قبل إرساله إلى مجلس الأمة، بحوار وطني شامل، تشارك فيه شرائح واسعة من المجتمع وممثليه، والاستماع إلى رأي، على الأقل، أغلبية المتأثرين به.
مؤسسة الضمان، وللأسف، أمعنت في الإسراف بالتعامل من غير اهتمام، مع هذا الملف، ضاربة بعرض الحائط تخوفات وآراء وملاحظات مواطنين حوله، فهي لم تعرضه على مجلس إدارتها، كما يوجب القانون، ولم تقم بنشره على موقع ديوان التشريع والرأي، حتى تتسنى فرصة لاطلاع المواطنين أو أصحاب الاختصاص عليه.
التعديلات على مشروع القانون المقترح، تُشكل تعديًا على الحقوق العمالية المكتسبة والمتعلقة بالتأمينات الاجتماعية، كما أنها تُشكل أيضًا تجاوزًا إضافيًا للقانون وأحكام الدستور.
من التعديلات المهمة على هذا المشروع، هو إيقاف التقاعد المبكر على المشتركين الجُدد.. ورغم أن هذا التقاعد غير موجود في كثير من الدول، فضلًا عن وجود فئة تفهمه بشكل خاطئ، إلا أنه يبقى حقا لجميع المشتركين، وخصوصًا في المرحلة الحالية، التي تكثر فيها حالات الفصل التعسفي لعاملين ولعاملات، بالإضافة إلى نقطة رئيسة مفادها أن الكثير من الأجور متدنية، لا بل متدنية جدًا، لا تتجاوز حدود أو درجات خط الفقر، التي تقر الجهات الرسمية بأنه يصل لنحو أربعمائة دينار للأسرة التي يبلغ عدد أفرادها خمسة، بينما تؤكد مؤسسات مستقلة بأنه يصل إلى سبعمائة دينار.
مؤسسة الضمان، اكتفت على لسان ناطقها الرسمي موسى الصبيحي، بتبريرات، لم تحترم عقول الأردنيين، تمحورت حول أن “التقاعد المبكر” سيمنح المشتركين الجُدد رواتب تقاعدية مجزية، ويحميهم ويدعم استقرارهم في سوق العمل.
ولا أحد يعلم أو يعرف، كيف سيحصل المتقاعد بعد حوالي ثلاثة عقود من الآن على رواتب مجزية، إذا كان راتبه الشهري لن يتعدى بالمتوسط الحسابي الـ500 أو 600 دينار.. وللقارئ أن يتصور كيف سيكون وضع ذلك الشخص الذي يتقاضى هذا المبلغ بعد تلك الأعوام، وبالأخص مع تآكل الأجور والتضخم وفقدان الدينار لقيمته داخليًا. كما أن الناطق الرسمي لـ”الضمان” لم يشرح لنا كيف من خلال إلغاء هذا “الحق” سيتمكن ومؤسسته من حماية ودعم استقرار العاملين؟.
الناطق الرسمي للمؤسسة، تطرق أيضًا وبصوت عال إلى أن عدد متقاعدي المبكر، يشكلون ما نسبته 48 % من إجمالي متقاعدي الضمان البالغ عددهم 233 ألفا.. لكنه لم يجرؤ على ذكر أن 52 ألف متقاعد من الضمان يتقاضون رواتب شهرية تقل عن 200 دينار، و110 آلاف متقاعد يتقاضون رواتب شهرية تقل عن 300 دينار.
ألا تعلم مؤسسة الضمان أن التقاعد المبكر يمثل أحد أشكال الحماية الاجتماعية، يلجأ إليها العامل في حالة الفصل التعسفي، وخاصة في حالات ارتفاع نسبة البطالة.. كان الأولى بهذه المؤسسة، إذا كان همها العامل كما تدعي، أن تعمل على إعادة النظر في رواتب متقاعديها، والحسبة التقاعدية، وبالأخص لأصحاب الرواتب المتدنية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock