أفكار ومواقف

“الضمان” على حساب الفقراء

الأصل في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي العمل على تطوير الأموال العمالية، التي هي أصل أموال الضمان الاجتماعي، لتشمل تأمينات اجتماعية جديدة، كالشمول بالتأمين الصحي، والتأمين ضد البطالة، إلى غير ذلك من تأمينات تتعلق بالحمايات الاجتماعية.
المُلاحظ، أن مؤسسة الضمان تتغنى ليل نهار بأنها أقرت أو أوجدت تأمين التعطل عن العمل، وتصدح أصوات مسؤوليها بأن المؤسسة تصرف بدل التعطل عن العمل لمدة ستة أشهر.. وهذا فيه من المبالغة الشيء الكثير الكثير، فهنالك العديد من الحالات لم يتم صرف رواتب لها كبدل تعطل إلا فقط لمدة ثلاثة أشهر، لا كما تدعي المؤسسة ستة أشهر، فضلًا عن الشروط التي يجب أن تكون متوفرة بمن يستحق ذلك، ناهيك عن أن قيمة التعطل عن العمل مدفوعة مسبقا من قبل العامل نفسه وصاحب العمل.
أموال الضمان الاجتماعي هي أموال عمالية بامتياز، من الواجب المحافظة عليها وتطويرها بطرق شتى.. إلا أن ما يلوح بالأفق جراء مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2019 يؤشر إلى غير ذلك، لا بل يعمل على “ذبح” المواطن من جديد وبطريقة مختلفة هذه المرة، خصوصًا أن دائرة الإحصاءات العامة تقر بأن 37.6 بالمائة من الأردنيين تحت خط الفقر، والذي حددته بـ650 دينارا للأسرة.. والكل متيقن بأن النسبة أعلى من ذلك بكثير، فمعدل الرواتب سواء أكانت حكومية أم خاصة تتراوح ما بين 220 و500 دينار.
مؤسسة الضمان، التي تدعي في كل مناسبة بأن همها الأول والأخير المواطن، ومن خلال التعديلات التي تمت على مشروع القانون ذلك، تتراجع عن المعايير الدنيا الواردة في الاتفاقية الدولية 102 المتعلقة بالحمايات الاجتماعية.
أليس كان من الأولى على الحكومة ومؤسسة الضمان، وكذلك مجلس الأمة، بشقيه الأعيان والنواب، قبل أن يقر التعديلات على “معدل الضمان”، والتي من أهمها رفع سن التقاعد المبكر للمشتركين الجُدد إلى 55 عامًا للذكور و52 عامًا للإناث، أن يعمل على إيجاد الأمن الوظيفي للعاملين.
في هذه الأيام التي وصل فيها معدل الفقر لنحو 15.7 بالمائة حسب الأرقام الرسمية وإلى 30 بالمائة وفق إحصاءات مؤسسات مستقلة، فإن المواطن بالكاد يحصل على وظيفة أو عمل يعتاش منه وأفراد عائلته.. والأصعب من ذلك هو المحافظة على تلك الوظيفة أو العمل، في ظل محدودية فرص العمل في المملكة.
العديد من المؤسسات والشركات الخاصة تقوم بالوقت الحالي بتقليص أعمالها وأعداد موظفيها جراء الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ما يصعب ذلك من عملية بحث المواطن الأردني عن مصدر رزق، وإن حصل عليه فإنه يعيش الأمرين جراء أوضاع العمل الصعبة، بالإضافة إلى قلة المردود المالي الذي يتقاضاه من عمله.
لا يظنن أحد بأن المواطن عندما يلجأ إلى “التقاعد المبكر”، فإن ذلك يكون أول خياراته وأسهلها، بل العكس يلجأ الأردنيون إلى ذلك بعد أن يكونوا قد أنهكوا طول أعوام في عمل، لا يؤمن لهم حقوقا عمالية ومادية، معقولة، فضلًا عن قلته (الراتب) مقارنة بما تتحصل عليه مؤسسة الضمان من اقتطاعات من العامل وصاحب العمل، في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل الرواتب والتضخم الاقتصادي.
الأصل أن يكون هناك حماية للعاملين من الفصل التعسفي، قبل الإقدام على رفع سن التقاعد المبكر، خصوصًا في الظروف الاقتصادية الصعبة، والتي تتسم بارتفاعات متوالية في نسب الفقر، والبطالة التي قاربت الـ20 بالمائة، جراء السياسة الاقتصادية المادية، التي ميزتها الأساسية “التخبط”.
ثم ان تعديل المادة المتعلقة بإعفاء المؤسسات الناشئة حديثًا من شمول عامليها بالضمان، يمثل تراجعًا عن حقوق عمالية مكتسبة، ما ينعكس في المستقل على الرواتب التقاعدية، إضافة لما يشكله ذلك من مخالفة دستورية بالتعدي على هذه الحقوق، الأمر الذي يُعتبر سابقة باستخدام أموال الضمان الاجتماعي لغير الأهداف التأمينية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock