أفكار ومواقف

الضم من جديد

نشأ الأردن في الحقبة بين انتهاء الاستعمار العسكري الأوروبي الأميركي للمنطقة العربية، وبدء استعمارهم السياسي والاقتصادي لها، وشكل الأردن قيادة وشعبا حالة نهوض مدني علماني ضد الاستغلال العثماني للدين، الذي ترك المنطقة ترزح تحت نير الفقر والعوَز والتخلف قرونا عدة، وقد انتُزع الأردن من بين أنياب الاستعمار، وخطت حدوده فيزياء القوى السياسية المسيطرة آنذاك، ليقيم وبنضال سياسي لقيادته وشعبه، وبروح وفكر وحدوي، وعلى قاعدة عداء شعبي أردني للمشروع الصهيوني، وطنا في منطقة جغرافية ذات إرث، حيث قامت في ثناياها حضارة الأنباط العريقة التي كانت تربط بين مناطق سورية الكبرى، وفلسطين والعراق.
وقد كرس الآباء المؤسسون مدنية الدولة الأردنية في دستور العام 1952، وهو دستور أُبرم بين الشعب والقيادة بموجب «عقد» شكل ثمرة نضال شعبي للأردنيين، تطور عن دستورين سابقين حاول المستعمر أن يعزز وجوده فيهما، إلا أن الشعب أصر على الدستور المدني الحضاري لعام 1952، الذي أعلن الأردن – كما جاء في مواد الدستور الأولى – دولة عربية مستقلة ذات سيادة، مُلكها لا يتجزأ، ولا يتنازل عن شيء منه، وشعبها جزء من الأمة العربية، دينها الإسلام والعربية لغتها الرسمية، ونظام الحكم فيها نيابي ملكي وراثي، وبهذا احتفى الدستور برؤية مدنية حضارية متنوعة، وبإرثه الحضاري والعربي الإسلامي كيف لا وقيادته من الأحفاد المباشرين للرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
هذا الدستور حقق مرتكزات مدنية أهمها أن «الشعب مصدر السلطات»، وهو أيضا مصدر التشريع، وله أن يختار التشريع ومصدره حيث يرى مصلحته، وله في هذا المجال ان يختار ما يناسبه من تشريعات بغض النظر عن أصلها التاريخي، ولهذا فتشريعات الأردن متنوعة المصادر؛ قانون العقوبات ذو أصول أوروبية، والقانون المدني ذو أصول إسلامية، وطبعا نصوص الأحوال الشخصية ذات أصول دينية، وقد قام الدستور على حقوق الأردنيين وحرياتهم، كأعلى منارة في الدستور، تلك المنارة التي أُطفئت شعلتها فترة طويلة من الزمن، مُنعت فيها الحياة السياسية، وما تزال الآثار السلبية لتلك الفترة ماثلة في الحياة السياسية الأردنية حتى الآن.
بِدء مشروع ضم الضفة الغربية قد يكون أخطر تهديد للأردن، وهو ليس تحولا في المشروع الصهيوني بخصوص الأردن، بقدر ما هو انكشاف لسوء تقديرنا بأن الأردن مستثنى من الأطماع الصهيونية، ذلك التقدير الذي قادنا لتوقيع اتفاقية وادي عربة، وعيّشنا بوهم السلام مع العدو الصهيوني، لفترة طويلة تركنا فيها أنفسنا ضحية لطمأنة الأصدقاء الأعداء الأميركان.
في مثل الظروف التي نمر بها فإن الحفاظ على الجبهة الداخلية، وحماية الدستور هي مسألة أمن وطني ومصلحة وطنية عليا، وإن تأجيل جميع النزاعات الداخلية واجب وطني، وتضحية الجميع عمل وطني يليق بالأردنيين، وأيضا وفي مثل هذه الظروف التي نمر بها تنهض رؤى مرعوبة، تعتقد أن النكوص عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتضييق على الحريات هي الطريق للحفاظ على الأوطان، ونقول لهم لنلتقط رسالة جلالة الملك في إرادته الملكية بإعلان قانون الدفاع، حيث عبر فيها عن تمسكه بالحفاظ على الحريات والحقوق وممتلكات الأردنيين ومتطلبات الدستور في أحلك الظروف، وهذه مرحلة مفصلية في العمل السياسي الأردني، يحب أن تصبح رؤية للدولة والحكومة.
وأيضا نقول للقوى التي يمكن أن ترى في الظرف الاقتصادي والسياسي للأردن فرصة للانقضاض على الدستور، أن من يسعى لذلك يقف في صف الأعداء، وسيكون له الشعب قبل الدولة خصماً لدوداً. ولنتذكر جميعا أيضا بأن الحفاظ على الدستور والدولة يأتي من نزاهة الحكم، التي تتأتى من تداول السلطة، أي تداول الحكومات البرامجية من خلال عمل ديمقراطي حقيقي يحقق قوى متوازنة على الأرض، لا يترك لفريق أن يتزعم الشارع لا عددا ولا عدة، ولن يتحقق ذلك إلا بتمكين العمل الحزبي الجدي من قبل جميع القوى على الأرض، وإن إشاعة وتشجيع العمل الحزبي البرامجي الأردني الهوى والهوية، أهم استراتيجية ضرورية لمواجهة مشروع إسرائيل التوسعي على حساب الأردن، وهكذا نترجم على الأرض “اللاءات الملكية”؛ كلا للتوطين.. كلا للوطن البديل.. وكلا للتفريط بالقدس، فاهمين علي جنابكم؟

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock