أفكار ومواقف

الطائفية المقيتة.. والضرورية!

لم يعد حديثاً نظرياً ذاك المتعلق بمخاطر الطائفية علينا. فالعالم العربي صار نموذجاً يصلح للدراسة والتدريس عالمياً على هذا الصعيد. لكن الأخطر، والأكثر وضوحاً في آن، هو أن وباء الطائفية الذي يجتاح بلدانا عربية عديدة، لا يحصد -غالباً- إلا أرواح الشعوب، ويُجهز -دائماً- على أي فرصة لتنميتها ورفاهها، فيما يُعزز في الوقت ذاته مواقع أعداء هذه الشعوب وسطوتهم؛ وهم أنظمة الاستبداد العربية تحديداً، مضافاً إليهم إيران، وإسرائيل حتماً.
ولعل المفارقة، أو ما يبدو كذلك للوهلة الأولى، هي أن الدخول في هذه الحلقة المفرغة من التدمير والإفناء الذاتيين، لم يكن سببه إلا تغييب المسألة الطائفية والحديث عنها في العالم العربي بشكل شبه كامل، وطبعاً لأسباب غير سليمة، إن لم تكن فاسدة صراحة. وليس من دليل أوضح على ذلك من العراق، لاسيما أن جميع الفرقاء العرب -القائلين بنظرية “المؤامرة” في تفسير “الربيع العربي” أو الرافضين لذلك تماماً- يتفقون على أن الغزو الأميركي لهذا البلد كان المسؤول عن تشريع الأبواب واسعة للحروب الطائفية العربية.
فجذر المشكلة العراقية الحالية، كما اعترف الجميع مع ظهور تنظيم “داعش”، هو الصمت على الأزمة أو المأساة الطائفية هناك. ففيما كانت إيران تمارس علناً سياسة تقوم على التهميش والإقصاء، إن لم يكن ممكناً الاستئصال والتهجير للسُنّة العراقيين، كان العالم العربي عموماً، رسميين ونخباً، يمارس الصمت الذي يظنه تحضراً، كونه يترفع عن الطائفية، وفق التفسير الأفضل. والسؤال هنا: هل كان لإيران أن تمعن في سياستها تلك، لو رفع العرب صوتهم “طائفياً” لأجل سُنّة العراق، في وجه سياسات طهران الطائفية؟ بكثير من الثقة، يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالنفي.
وحتى لو قبلنا بأنه من الواجب قبول التضحية بالعراق وسُنّته (كما بسورية ولبنان واليمن وغيرها) لأجل إيران “المقاومة والممانعة!”، تظل الحقيقة أنه في مقابل الصمت العربي، الرسمي والنخبوي ذاك، إن لم يكن الإنكار والتنكر، كان يتصاعد صوت الجماعات المتطرفة والإرهابية في الحديث عن المسألة الطائفية في العراق واستغلالها. وهو ما منح “داعش” وأشباهه، وكما يُقر الجميع أيضاً، الشرعية والتعاطف اللذين ما كانوا لينالوهما لولا ذلك. والغريب أن البعض ما يزال مصراً على دعم “داعش”، حين يجعل -بصمته على الأقل إن لم يكن تأييده العلني- قتل العرب السُنّة؛ في العراق وسورية واليمن ولبنان… تجسيداً للوحدة الوطنية وتأكيداً على “العلمانية، فيما قتل من سواهم، من شيعة وغيرهم، سياسة طائفية إرهابية سُنّية!
طبعاً، يمكن العودة إلى ما قبل غزو العراق، وإلى خارج حدوده اليوم وسابقاً، لكن لننتهي إلى النتيجة ذاتها؛ وهي أن إنكار المسألة الطائفية، كما التباينات العرقية والثقافية، في العالم العربي، بالقمع تحت مسميات شتى (قومية الأنظمة المستبدة، وبالتالي خيانة الرافضين لحكمها، ومثلهم الأقليات التي تُصور دوماً حصان طروادة الإمبريالي…)، هو ما يحوّل هذا التنوع إلى قنابل موقوتة، يتم إشعال فتيلها من الداخل والخارج، وفق ما تتيحه الظروف.
بالنتيجة، فإن فائض الطائفية العربية اليوم ليس إلا ردة الفعل المساوية تماماً لفعل الإجهاز على الدولة الوطنية العربية التي يُفترض أن تكون لكل مواطنيها، كما لفعل دعم أنظمة على حساب مواطنيها بدعوى الأولويات القومية والأممية! وليس لنا إلا أن نختار: إما كثيرا من المواطنة، أو كثيرا من الطائفية.. والموت والدمار.

تعليق واحد

  1. الطائفية والعنصرية
    لا احد ينكر ان الطائفية موجودة في العالم العربي مند سنين طويلة أي ما قبل البلاوي الدي تحصل اليوم في البلاد العربية ولكن بمقدار لا يلاحظه الانسان وكانت متنوعة اما دينية او جنسية او حزبية وكانت تظهر في أوقات معينة حسب الحال ، ومن هنا استغل الأعداء هده الظاهرة واشتغلوا على أساسها لأنهم وجدوها تصلح لخلاف شامل في هدا الوطن فليس امامهم الا الدين الإسلامي بعد تحطيم الشيوعية الدي يجمع شمل هده الامة وقرأوا جوانب هدا التخطيط من خلال الجهل الدي يسود أوساط المجتمعات لدينا وسهولة تقسيمها وتأليبها على بعض فكان لهم ما أرادوا وكأنهم استغلوا مقولة " بأسهم بينهم " .
    ولا شك اننا كنا نلاحظ في كثير من البلاد العربية حكايات التمييز بين العرق والجنسية والدين وهدا لا يختلف عليه اثنان وكان واضحا تماما جليا في بعض البلاد العربية ولا زال حتى الآن !

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock