أفكار ومواقف

الطبقات المهمشة والحق في التعليم

حتى نهاية العام الماضي، كانت الدراسات والمسوحات المحلية والدولية تتحدث عن أن الطبقات المهمشة من الأردنيين واللاجئين، ما يزالون يعانون مشاكل تتعلق بمستوى المعيشة اللائق والتعليم والصحة.
ورقة معلومات صدرت عن منتدى الأردن للمنظمات غير الحكومية، بينت أن نسبة التحاق الأطفال السوريين دون سن 11 و15، بلغت 99 %، لكنها أشارت بوضوح إلى أن التحدي الأهم هو أن الالتحاق بالمدرسة والحضور يتناقصان مع تقدم الأعمار، وأن نسبة المواظبة للسوريين تقل بعشر نقاط عن أقرانهم من الأردنيين في التعليم الابتدائي، و47 نقطة مئوية أقل في التعليم الثانوي، فيما أشارت إلى قلة عدد الشباب السوري الذين يتلقون التعليم العالي.
ويرصد التقرير أسباب الخروج من المدرسة، بما فيها من مصاعب اقتصادية وعمالة الأطفال، وزواج الأطفال (القاصرات)، والمسافة إلى المدرسة، إضافة الى أن صعوبات النقل، ونقص المساحات المتاحة في المدارس العامة.
في السياق نفسه، فإن التقرير العالمي لرصد التعليم (GEM) التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، ورغم تأكيده الخطوات الإيجابية التي اتخذها الأردن لتعليم اللاجئين إلا أنه يقر بأن هناك 36 % من الأطفال السوريين في الأردن، ما يزالون غير ملتحقين بالتعليم.
وإذا كانت مثل هذه التحديات قائمة ما قبل جائحة كورونا، فإن الجائحة وما أفرزته من تحديات اقتصادية واجتماعية، لا شك عملت على زيادة التأثر سلبيا في تعليم اللاجئين، ومن المرجح أنها كانت سببا في زيادة تركهم مقاعد الدراسة.
الهشاشة المجتمعية لا تتحدد بمجتمعات اللاجئين فحسب، بل بالبيئات الأقل رعاية من المواطنين، وهذه المجتمعات لا شك أن جائحة كورونا عملت على رفع وتيرة التحديات لديها، ومن الممكن أن ذلك أدى، أو سيؤدي، إلى تهديد مباشر لتعليم أبناء تلك المجتمعات.
أحدث التقارير الصادرة عن المرصد العمالي الأردني، نهاية الأسبوع الماضي، حذر من أن الظروف التي أحدثتها الجائحة يمكن أن تؤدي إلى زيادة عمالة الأطفال في الأردن.
بالتأكيد، عمالة الأطفال ظاهرة موجودة منذ عقود، اسهمت فيها تراكمات عديدة من السياسات الاقتصادية المحلية، التي لم تستطع بناء منظومة حماية اجتماعية حقيقية، ما أدى إلى زيادة نسب الفقر، وبالتالي التقليل من قدرة كثير من الأسر الفقيرة على تدريس أبنائها، وإخراجهم من المدارس والزج بهم في سوق العمل، رغم ما يمثله ذلك من خطورة كبيرة على سلامتهم وحياتهم ومستقبلهم.
تطوير التشريعات التي تحمي من التسرب المدرسي سوف تعمل على الحد من الظاهرة، كونها ستسهم مباشرة في تقليل نسبة المتسربين من المدارس. لكن هذا الأمر يعالج ناحية واحدة فقط من المشكلة المركبة، فكثير من الأسر غير قادرة اليوم على توفير الدراسة لأبنائها، حتى الحكومية منها، وتعد مساهمة الأبناء في تعزيز دخل الأسرة أكثر أهمية من الدراسة. هذا هو الجانب الاقتصادي والمعيشي للمشكلة، وهو في حاجة إلى برامج حماية مجتمعية حقيقية لكي يتم تجاوزه، وإقناع الأسر المهمشة بجدوى دراسة أبنائها.
كما قلنا سابقا، فإن المشكلة مركبة، وربما تكشف عن ذلك الأرقام التي نشرتها جمعية معهد تضامن النساء الأردني «تضامن» قبل أيام، بمناسبة اليوم الدولي للاعنف، والتي عدت «الفقر أسوأ أشكال العنف».
أرقام دائرة الإحصاءات العامة، تكشف عن أن نسبة الفقر في الأردن 15.7 % خلال العام 2017، وهي أرقام قديمة نسبيا، ويمكن لعملية إحصاء أو تعداد جديدة أن ترفعها بنسبة لا بأس بها، خصوصا مع سياسات حكومية اقتصادية صارمة منذ العام 2018، ومع جائحة كورونا منذ مطلع العام الحالي، وما رافقها من إقرار قانون دفاع صدرت بموجبه أوامر عديدة، اعتبر كثير منها ليس في مصلحة المواطن، خصوصا إقرار اقتطاعات بنسب مختلفة من العاملين في المؤسسات والشركات.
أخطر ما أفرزه وضع مربك كهذا، هو تراجع أولوية التعليم لدى الطبقات المهمشة التي تعاني تحديات حقيقية يشترك فيها المواطن واللاجئ. معالجة الأمر تبدأ من تصحيح مسار برامج الحماية المجتمعية وفق استراتيجيات تهدف إلى القضاء على الجوع والفقر، وتسهم في تعزيز صمود تلك الفئة، وأيضا بتكريس الحق في التعليم شعارا حقيقيا، وليس من أجل التسويق الخارجي لاستقدام المنح.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock