أفكار ومواقف

الطبقة العاملة إلى أين؟

بعد أن تراجعنا في التعليم، بشقيه الأساسي أو الثانوي والعالي، وكذلك الخدمات الطبية والصحية، بعد أن كنا روادا في تصدير الكفاءات التعليمية والأكاديمية والطبية والتمريضية إلى عدة دول من بينها أشقاء، ناهيك عن تهالك البُنى التحتية.. نقف اليوم أمام مشكلة أو ظاهرة جديدة، تتمحور حول عدم القدرة على المحافظة على الطبقة العاملة الأردنية.
فلا يكاد يمر أسبوع واحد، وإلا وتطالعنا وسائل إعلام، سواء أكانت ورقية أم مرئية أم مسموعة أم إلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، بخبر مفاده فصل أو تسريح لعمال أو موظفين.
فتارة تقوم شركة معينة أو مؤسسة بإنهاء خدمات كوادر عمل لديها دون إبداء الأسباب، وأخرى تقوم بالاستغناء عن بعض موظفيها، وثالثة تُعيد هيكلتها.. والضحية هنا العامل لا غيره، ورابعة تُغري موظفيها بإعطائهم أجرة عدة أشهر مقابل ترك العمل، وخامسة تقوم بأسلوب ما يُعرف بـ”التطفيش” لدفع العمال إلى تقديم استقالاتهم، وسادسة تُقدم على تخفيض الرواتب إلى نسب قد تصل إلى النصف وأكثر من ذلك.
كل ذلك يتم بحجج واهية لا تنطوي على عقل طفل لا يتجاوز الـ15 من عمره، ناهيك عن أنها تخالف القوانين والأنظمة، فرأس المال دائمًا لـ”الحجة”، القديمة الجديدة، وهي أن الأوضاع الاقتصادية التي نُعايشها صعبة.. وكأنه كُتب على الطبقة العاملة في هذا الوطن أن تظل دومًا عرضة لمصيبة تلو الأخرى، بالإضافة إلى ما تُعانيه أصلًا من انتهاك لحقوقها وهضمها بطريقة أو أخرى، فلا أجر عادلا ولا ساعات عمل قانونية، وليس هناك أصلًا أمان وظيفي.
تعلمنا منذ الصغر، أن القطاع الخاص بمؤسساته وشركاته ومصانعه ومنشآته شريك أساسي للدولة في مساعدتها على توظيف أبنائها، ولكن وللأسف نلحظ أن ما يهم رأس المال هو نفسه فقط وزيادة أرباحه، ولا يقبل أبدًا أن تتناقص أرباحه، حتى ولو كان ذلك على حساب موظفين وعمال هم في الأساس من أقاموا تلك المؤسسة أو المنشأة بعرق جبينهم وجهود موصولة بعد أن أفنوا ريعان شبابهم في سبيل النهوض بذلك المصنع أو تلك الشركة.
قد يقول قائل، ليس هناك من يُجبر القطاع الخاص على الإبقاء على عمال وموظفين، في ظل ظروف اقتصادية صعبة.. نقول نعم إن ذلك كلام سليم ولا غبار عليه، لكن يجب ألا ننسى بأن هذا وطن، يجب على الجميع أن يُضحي من أجله ضمن المُستطاع.
ثم لماذا يكون أول تفكير لصاحب رأس المال هو الاستغناء عن العامل؟، فلا يجب أن ننسى أن ذلك العامل يقضي أعواما عديدة من عمره في خدمة مؤسسته، فلا يجوز أن يكون جزاؤه ذلك، عند أول منعطف. ولماذا أيضًا يُعتبر العامل دومًا هو الحلقة الأضعف، إذ إن الأصح والأسلم أن يتم إعادة النظر بإدارة الشركة أو المؤسسة، والعمل على كيفية زيادة الانتاجية بشكل أفضل، يعود بالنفع على الطرفين.
أضف إلى ذلك أن عملية الاستغناء عن الموظفين أو تسريحهم أو ما إلى ذلك، يترتب عليها عواقب وخيمة، أقلها زيادة نسبة البطالة، في وقت نحن بحاجة إلى التقليل من نسبتها، واتساع ظاهرة الفقر، في ظل تآكل الأجور وقلة فرص العمل، مع ما يرافق ذلك من خوف من لجوء بعض فاقدي وظائفهم إلى العنف أو السرقة أو المخدرات تعاطيًا وتجارة.. والأنكى من ذلك أن تتلقفهم وحوش المنظمات الإرهابية.
يبدو أن العمال أصبحوا أمام وضع جديد، عنوانه الفصل أو التسريح من العمل، لمجرد أنهم فقط يطالبون بحقوق لهم وبزيادة سنوية توقفت منذ أعوام.. فالظاهر أنه مكتوب على عمال الأردن أن يبقوا دائمًا يعيشون في خوف ورعب مما يُسمى “بُعبع” الفصل، رغم الغلاء المعيشي وارتفاع نسب التضخم، وزيادة الضرائب.
على الدولة ضرورة التنبه لهذه الظاهرة، إن صح تسميتها كذلك، فالطبقة العاملة هي إحدى صمامات الأمان لأي دولة إذا ما أرادت أن تكون في مصاف دول متقدمة تحترم وتقدر مواطنيها.
وعلينا الإقرار أيضًا، أن غياب نقابات عمالية قادرة على الدفاع عن حقوق أعضائها، سبب من أسباب تسلط شركات ومؤسسات ومصانع خاصة على عمالها والاستبداد بهم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock