أفكار ومواقف

الطبيعة تختبر كفاءة الأمم

المكانة التي حققها الإنسان على الأرض لم تأت من فراغ ولا وليدة الصدفة، فقد جاءت نتاجا طبيعيا لقرون من التفكير والعمل والتدبير التي قامت بها البشرية، ومكنتها من المعرفة والتنبؤ والاستكشاف والابتكار والبناء. التحديات التي واجهت الإنسان مستمرة ومتنوعة في مصادرها وطبيعتها وشدتها، وهي المحرك الأساسي للعمل والإنجاز اللذين أوجدا الحضارة كما نعرفها اليوم. بعض التحديات التي واجهت الجنس البشري جاءت من المحيط وولدتها التعيرات والظروف، والبعض الآخر تولد من التباين والخلافات والجشع والرغبة لدى البعض في إذلال وإخضاع الآخرين وحب السيطرة ونوازع العدوان.
في التاريخ الإنساني آلاف الإنجازات التي سطرها الأنبياء والعلماء والمخترعون والقادة والمصلحون، وهناك الويلات والمصائب التي تسبب بها الطغاة والمتجبرين والاختلالات والكوارث والأزمات. لفترات طويلة بقي الجوع والأوبئة والحروب في مقدمة الأخطار التي هددت الوجود الإنساني، وكان العلم والاختراعات والتكنولوجيا والتنمية الوسائل التي مكنت الإنسان من الحد من هذه الأخطار.
الأزمة التي يعايشها الكون هذه الأيام فريدة في طبيعتها وحدتها وآثارها. فمنذ أشهر وهي مصدر القلق الأول للعالم بعد أن أصبحت تسيطر على تفكير الساسة وتشغل بال الإعلام وتهيمن على الوجدان والعقل الإنساني. الأزمة الراهنة داهمت البشرية بمتوالية وانتشار غير مسبوقين فأظهرت هشاشة الإنسان وضعف إمكاناته وسوء تقديره للأخطار والتهديدات، كما بينت للجميع أهمية التنسيق وضرورة التعاون لدراسة وفهم ومجابهة الخطر الماثل.
على الصعد الوطنية، تشكل المحنة اختبارا لقدرة الأمم والشعوب على الاستجابة السريعة وكفاءة الإدارات الحكومية على إدارة الشؤون العامة والاستخدام للموارد ونشر البيانات وتنفيذ استراتيجيات وخطط وقاية وعلاج فعالة ومنتجة في مجابهة الخطر الماثل.
العالم اليوم، ومن ضمنه الأردن، يواجه عدوا غير مرئي وغير معروف ويحاول الجميع استخدام أقصى ما يملك من خبرة ومعرفة للحد من الانتشار والسيطرة على الوباء. حتى اليوم لا يبدو أن البشرية تملك نموذجا فعالا لمحاصرة الوباء ووقف تهديداته. لقد أصبحت الجائحة تطوف على العواصم والأمم التي احتلت مكانة مهمة في التاريخ الإنساني، فبعد أن أصاب الصين اجتاح أكثر من 140 دولة على امتداد الكرة الأرضية.
لقد أظهرت الأزمة أن الإنجازات التي حققتها الدول العظمى وكل الإمكانات التي تملكها للهيمنة لا قيمة أو أثر لها في التصدي لهذا العدو الجبار. معاقل الحضارتين الفارسية والرومانية اللتين تناوبتا على سيادة العالم والهيمنة عليه هما الأكثر معاناة من هذا الوباء، فقد أخفقت كل من إيران وإيطاليا في وضع حد لتفشي الوباء أو التقليل من أخطاره.
المجتمعات التي لم تفلح في سباق التكنولوجيا والاقتصاد تملك فرصة ذهبية لتقدم نموذجا جديدا في الإدارة والقيادة والتوجيه. فبإمكانها النظر الى عناصر القوة والتأثير والخصوصية الثقافية التي يمكن أن تحقق النجاح، في الوقت الذي تبحث فيه البشرية عن اختراق أو نافذة أمل تخفف من القلق المهيمن على الشعوب يعمل البعض على ابتداع آلياتهم ونماذجهم الخاصة في الحجر والعزل والعلاج يحدوهم الأمل في التخفيف من الآثار المحتملة لهذه الكارثة.
الأنظمة السياسية والإدارية والإعلامية تملك فرصة ذهبية لإثبات قدرتها على الإدارة والإنجاز في هذه الظروف الصعبة، والأيام المقبلة ستكشف للشعوب والعالم عن نجاحات وإخفاقات ستشكل التراث الذي سنتركه للأجيال والدارسين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock