أفكار ومواقف

الطب البديل أو “طب الشعوذة الأكاديمية”

أزاح الدكتور واستشاري أمراض القلب والشرايين القدير إياس نهاد الموسى، الضغوط عن صدري بمقاله الأدبي العلمي الرائع (“الرأي”، 30/ 5/ 2013)، عندما تحدى دعاة الطب البديل وممارسيه للإتيان بالبيانات العلمية الأصولية اللازمة لإثبات صوابه.
لقد هاجمت هذا الطب بمرارة في مقال سابق بعنوان “أوقفوا هذا الدجل الطبي” (“الرأي”، 1 / 1/ 2013) لادعائه ما يشبه المعجزات في الشفاء من أشد الأمراض. ودعوت الحكومة إلى فرض كفالة حسن تنفيذ على طب الأعشاب إذا لم تتطابق النتائج مع الادعاءات الكاذبة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون.
لقد قرأت أخيراً في إحدى أعظم المجلات العلمية المختصة بالدفاع عن العلم وتفنيد الخرافات والخزعبلات والبحوث المدعية للعلم “Skeptical Inquiry” نقداً علمياً للطب البديل، وأنه ليس ببديل على الإطلاق للطب المعروف، بل هو مجرد شعوذة أكاديمية أو علم زائف، وأن ما كان يوصف بالطب غير العلمي قبل أربعين سنة، صار يسمى الطب البديل في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أو الطب المُكمِّل في تسعينياته، أو الطب المتكامل الآن، والتي يمكن وصفها جميعاً بحاصل جمع العلم مع السحر.
ويحزن الأطباء العلميون الملتزمون لما آل إليه حال الطب عند كثير من الأطباء وكليات الطب، حتى في أشهر الجامعات الأميركية. فقد جرف التيار جامعة هارفارد، وصارت تدرسه في كلية الطب فيها، مدعية صدقه. وكذلك فعلت جامعة ميريلاند وجامعة جورج تاون، وعيادة كليفلاند، لما لهذا الطب المشعوذ من شعبية جارفة وعائدات زائدة. كما أضيف إليه طب جديد هو طب “الطاقة البيولوجية” الذي يسمح بتعليم مفاهيم غير علمية، مثل “القوة الحيوية” بحجة معالجة المريض ككل، مع أنه لا حاجة للشعوذة لمعالجة المريض ككل كما يفيد الأطباء العلميون الاستقصائيون. ومما يزيد المشكلة حدة عدم تصدي بقية الأطباء في العالم لهذه الشعوذة الطبية.
ويفسر أحد الأطباء في المجلة بأن ما يحدث في الجامعات وكليات الطب انعكاس لما يحدث في المجتمع، وأن “غوغل” يكفي؛ أي إن الجامعات صارت تُقاد ولا تقود. وتستشهد الطبيبة الاستقصائية هنرييت هول، بطبيب متقاعد خضع للعلاج بالإبر الصينية (التي لا يختلف أثرها عن أثر الدواء المهدئ أو الكاذب، كما أفادت البحوث الطبية العلمية بحسب المجلة)، وأنه اكتشف أن الطب البديل مفيد لكل علّة، مدعياً أن لا بحث ولا علم يفوق التجربة الشخصية في الصدق، على الرغم من وقوعه في أخطاء عدة في هذا الادعاء: الاتكاء على المصادر المتحيزة، وعدم الإدراك لتأثير الكاريزما في وجهات النظر، وانتقائية البيانات والمعلومات، وعدم فهم خسارة العلم بالاعتماد على الخبرة الشخصية أو خبرة الآخرين الشخصية، ومغالطة العلة والمعلول القديمة، بالإضافة إلى الاستخدام السيئ للغة، من قبيل إيراد مثل هذه الكلمات في ثناياها: بديل، وكلّي، وتكميلي، وتكاملي… وإصدار أحكام قيمية على البيانات والمعلومات.
وعليه، يجب أن لا تتم التضحية بالتفكير الصحيح لحساب تكلف الأدب؛ فلا ينبري الأطباء العلميون الاستقصائيون بالتصدي علمياً لزملائهم أطباء الطب البديل. إن هذه الممارسات “غير أخلاقية”.
يطالب أستاذ الأعصاب في جامعة “ييل” الأميركية ستيفن نوفيك، بإخضاع الأعشاب الطبية اللاصيدلانية أو الطب البديل، للشروط البحثية والعلمية الصارمة نفسها التي تخضع الأدوية الصيدلانية والممارسات الطبية العلمية لها للاعتراف بها. ويأخذ على الحكومة الأميركية ترك هذا الطب (البديل) خاضعاً لقوى السوق أو العرض والطلب، وكأنه مجرد سلعة عادية، لدرجة أن مبيعاته قدرت بـ5.3 مليار دولار في أميركا العام 2012.
ويضيف أن هذه الأعشاب هي صناعة طبية أخرى؛ أي صناعة من نوع آخر، بمعنى أنها ليست كصناعة الأدوية الصيدلانية. إلا أن الخداع فيها قيامها على المغالطة الطبيعية، بمعنى أن ما هو طبيعي (من الطبيعة) آمن وساحر وفعّال، مع أن الأعشاب ليست مقننة كالأدوية؛ فالشركات التي تصنعها وتتعامل بها تستطيع تسويقها من دون موافقة وكالة الدواء الأميركية، كما لا تُجبَر على تقديم إثباتات بالسلامة والفعالية، مما أدى إلى انفجار أو فيضان في سوق الأعشاب إلى جانب الادعاءات الزائفة بقوتها الطبية.

تعليق واحد

  1. ضرورة ايفاد لجان طبية متخصصة لبلد المنشأ قبل اصدار الأحكام
    خبرات الشعوب ولألاف السنين في مجال الطب يجب عدم اختزالها بهذه البساطة لمصلحة الاحتكارات الرأسمالية الغربية ودكاكين الطب فى الكثير من البلدان. هل ينكر أحد ان العسل مثلا"فيه شفاء للناس"وفاعلية البصل والثوم فى تقوية جهاز المناعة والشفاء ايضا ام ان الحجامة(الطب النبوي)ما زالت بحاجة للتثبت العلمى وكذلك مقولة الغذاء لا الدواء(ثلث للماء وثلث للهواء وثلث للطعام). لقد فوجئت منذ فترة بانه يوجد اكتشاف علمى حديث و فعال أمريكي لشوربة الدجاج فى علاج الانفلونزا لما قرأت ان صلاح الدين لما مرض ابنه أشار عليه طبيبه الخاص موسى بن ميمون(اليهودى) بالشوربة نفسها ولا بأس من اضافة كمية مناسبة من البهارات. كم من نظريات طبية غربية انقرضت في فترة وجيزة وثبت فشلها بعد ان فعلت فعلها في الانسان(الثاليدومايد). ماذا نقول لاخوتنا فى سوريا حيث لا طبيب ولا دواء وحتى لا ماء ولا غذاء. أستغرب كثيرا التشكيك فى قدرة العلاج بالابر االصينية الثابت علميا وعمليا ومنذ آلاف السنين على الشفاء من كثير من الامراض التى يظن البعض انها مستعصية. ان الذى خلق المرض لقادر على (واذا مرضت فهو يشفين)توفير العلاج و"لكل داء دواء علمه من علمه وجهله من جهله". أن الدجل والشعوذة والفساد ابتلاء كبير اصبح يعم الكثير من مناحى الحياة فى عالم اليوم واذا ما لم تجرى مكافحتها تسري كما النار فى الهشيم.

  2. لا يوجد في الطب الحديث والبديل فقط أبيض وأسود
    تعليقا على مقال الأستاذ حسني عياش حول الطب البديل، أعتقد أن المقال تجنى على أبعاد الطب البديل، وخاصة في عدد من الحالات التي لا يستطيع فيها الطب الحديث أن يقدم الكثير للمريض، سوى الموت الرحيم. وأريد أن أذكر استاذنا بأن حوالي نصف الأدوية الحديثة تعتمد على منتجات الأعشاب والنباتات الطبية. وثانيا، هناك ما يزيد عن نصف البشرية ممثلة في الصين والهند وغيرها من الشعوب التي لا تزال تعتمد التداوي بالأعشاب الطبية وبنجاح لا يقل عن الطب الحديث. وثالثا، يعرف كل من يعمل في مهنة الطب الحديث أن هناك حدود للنجاح في العلاج والشفاء، وليس دائما المعالجة تنتهي بشفاء المريض. فنسبة الشفاء الحقيقي لمعظم أمراض السرطان على سبيل المثال ، لا تزيد حسب الدراسات الموثقة عن خمسة في المائة ، ومعظم أدوية السرطان تسرع بتدمر أعضاء جسم المريض الحيوية، ومع ذلك تستخدم في العالم. وبأختصار لا يوجد في الطب العلاجي الحديث أوالبديل فقط أبيض وأسود، ولكن هناك عدة الوان ما بينهم. وهناك أمراض عضوية وفسيولوجية يمكن معالجتها بتغير أنماط المعيشة اليومية من طعام ونشاط رياضي واجتماعي يبحث الحيوية في الجسد . ويبقى أن يقرر كل شخص حرية التصرف وأختيار ما يناسبه من علاج، وقد ينفع الطب البديل في حالات ويفشل في حالات آخري تماما كما يحدث في الطب الحديث. وبالتأكيد يجب منع الشعوذة الطبية بجميع أشكالها، ومنها بالذات الأدعاء بسحرالأدوية الطبيعية التي تصنع خارج مصانع الأدوية أو مختبرات الأبحاث المعتمدة رسميا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock