السلايدر الرئيسيالغد الاردنيمقابلات

الطراونة: على الجميع التحمّل للخروج من الضائقة الاقتصادية (1 – 2)

رئيس الوزراء الأسبق يرى أن الاعتماد على المديونية الخارجية لدعم الاستهلاك هو ما فاقم الأزمة

د. محمد أبو بكر

عمان- منذ تخرجه في كلية الاقتصاد بالجامعة الأردنية؛ وهو في خضمّ العمل السياسي وقريب من دوائر صنع القرار، فبدأ أولى خطواته مساعدا لرئيس التشريفات الملكية بالديوان الملكي، وهو ابن العائلة السياسية العريقة؛ فوالده هو المرحوم أحمد الطراونة الذي تبوّأ رئاسة مجلس النواب ورئاسة المجلس الوطني الاستشاري، وهو من السياسيين الذين كان لهم دور مؤثر في الحياة السياسية والبرلمانية لسنوات عديدة.
والدكتور فايز الطراونة، ضيفنا في “الغد”؛ كان حتى وقت قريب رئيسا للديوان الملكي الهاشمي، وهو الذي كان رئيسا للحكومة مرتين؛ الأولى كانت الأخيرة في عهد الراحل الملك الحسين، والثانية في العام 2012، وكانت المشاركة الأولى له وزيرا في حكومة زيد الرفاعي عام 1988، عدا عن دوره البارز بمفاوضات السلام مع الجانب الإسرائيلي حين كان نائبا لرئيس الوفد الأردني وسفيرنا في واشنطن.
استقبلنا في مكتبه بترحاب كبير، فهو اليوم في موقع جديد لا يبتعد كثيرا عن السياسة، هو نائب سمو رئيس مجلس أمناء جائزة الملك عبدالله الثاني للتميز، كان لقاء اتّسم بالصراحة والوضوح، نبشنا وإيّاه العديد من القضايا، لم نترك شيئا مخفيا خلف حجاب، فأنت في حضرة واحد من السياسيين الذين كان لهم التأثير الواضح في أوقات مهمة من الحياة السياسية الأردنية.
وبما أن الدكتور فايز الطراونة متخصص في الاقتصاد؛ كان لا بدّ من الدخول في هذا الباب أولا، فالأردن يعيش اليوم ظرفا اقتصاديا استثنائيا وصعبا، وقد أسهب في الحديث حول ذلك، فعاد بنا إلى الوراء لأكثر من ثلاثين عاما وتفاصيل الأزمة الاقتصادية العام 1988، وصولا لتدخّل الراحل الملك الحسين الذي أمر بإلغاء الأحكام العرفية والبدء بصفحة جديدة في حياة الأردنيين.
الحوار مع رئيس الحكومة الأسبق، ورئيس الديوان الملكي لثلاث مرات، خاض موسعا في الشأن السياسي؛ ابتداء بفك الارتباط مع الضفة الغربية مرورا باتفاقيات السلام وأوسلو وما جرى في محيطنا العربي والإقليمي وتأثير ذلك على الأردن في العديد من النواحي، وقضايا أخرى مختلفة كان لها النصيب الوافر في هذا الحوار.
وفيما يلي نص الحوار..

• لنبدأ معكم وأنت المتخصص بالاقتصاد حول أزمتنا الاقتصادية وكيفية الخروج منها، وتعلم بأننا عشنا أزمة اقتصادية العام 1988؛ فتدخّل الملك حسين حينها، فأعاد الحياة الديمقراطية وألغى الأحكام العرفية، وهدّأ الناس، واليوم نعيش في ظروف قد تكون أسوأ من ذي قبل، كيف ترى ذلك؟

  • دائما؛ وفي مثل هذه الأزمات تقاس الأمور بالمناخات التي نعيش فيها، ففي العام 1988 جاءت الأزمة على خلفيات متعددة واختلالات اقتصادية عدا عن المحيط السياسي والأمني.
    تلك الأزمة حدثت في أعقاب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وكان الأردن في الخاصرة ، كان الوقوف إلى جانب العراق مبدئيا وثابتا للتصدي لدولة تحاول تصدير ثورتها وتحقيق الحلم الفارسي، كان دفاعا عراقيا عن البوابة الشرقية للأمة العربية في وجه هذا التهديد، وبالطبع امتدت الحرب لثماني سنوات؛ كان لها التأثير الكبير على الأردن، عدا عن الاستنفاد الهائل للموارد، فالأردن بلد صغير والعراق كبير، هذا أدّى لاستنزاف العملة الأجنبية، وتزامن هذا الأمر مع قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية، هذا القرار الذي أغضب إسرائيل كثيرا، وهو القرار الذي وضع منظمة التحرير الفلسطينية في وجه العملية السياسية، وضرورة الحوار معها باعتبارها الممثل للشعب الفلسطيني .
    القرار الأردني لم يرق للولايات المتحدة ولا لإسرائيل ، وعاش الأردن حالة من التوتر مع إدارة الرئيس رونالد ريغان ، كل ذلك أدّى للمضاربة على الدينار، وخاصة في الضفة الغربية ، وكان يمكن إيذاء الأردن اقتصاديا، لأنه لا يمكن اختراقنا اجتماعيا أو سياسيا أو أمنيا، وذلك لقوة واحتراف أجهزتنا الأمنية وجيشنا العربي، ولكن في الناحية الاقتصادية ممكن؛ فنحن دولة صغيرة بإمكانيات محدودة.
  • إذن؛ هناك ظروف عديدة تكالبت على الأردن ، وبات الهاجس الاقتصادي حينها هو الهمّ الأكبر .. وماذا بعد؟
  • بات هناك اختلالات في الاقتصاد .. لماذا؟ القمة العربية في الجزائر أقرّت دعما للأردن بقيمة 12 مليارا ونصف المليار دولار ومنها مساعدات للقوات المسلحة على مدى عشر سنوات، وهذا المبلغ لم يصلنا سوى نصفه، وكانت حينها الحكومات قد توسعت في العمل على أمل وصول كامل المبلغ ، فكانت النتيجة نفاد الاحتياطي من العملة الأجنبية، مما كان له التأثير على الدينار، فصار هاجس القيادة السياسية هو متانة الدينار والاحتياطي من العملة الأجنبية، لأن القيادة في الأردن لا تستسلم مهما كانت الظروف، ثم فجأة زاد عدد سكان الأردن بنسبة قاربت العشرة بالمائة، وهذا حدث بعد دخول العراق للكويت، والحصار الذي فرض علينا زاد من حالة الاختناق التي عانينا منها.
    ثم جاءت عملية السلام، وكانت هي المنقذ، فالأردن تبنّى مقررات مؤتمر مدريد للسلام ، وأعطى المظلة الأردنية للفلسطينيين للمشاركة في المفاوضات ، وهذا بالطبع أدّى لتخفيف الحصار عن الأردن من قبل بعض الأشقاء والحلفاء .
  • واليوم يا سيدي، نعيش ظروفا قد تكون هي الأسوأ من خلال ما جرى ويجري في محيطنا العربي والإقليمي، والتأثير الواضح على مختلف مفاصل الحياة الأردنية؟
  • في السابق ؛ الظروف الفلسطينية وقرار فك الارتباط ، وظروف الحرب العراقية الإيرانية ، وإستنزاف الموارد كان لها التأثير الأكبر، وخلال السنوات الأخيرة كانت الحرب في سورية وما زالت، والأوضاع في العراق ، ووجود ما يقارب المليون ونصف المليون لاجئ سوري على أرضنا، ورغم فتح الحدود والمعابر مع الدولتين ؛ إلا أن هذا التأثير مازال ضعيفا نظرا للأوضاع السياسية والأمنية فيهما .
    وحتى الوضع الفلسطيني لا يمكن إغفاله كذلك ، فعملية السلام توقفت في ظل وجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل ضربت بعرض الحائط كل قرارات الشرعية الدولية، وما تم الاتفاق عليه مع الفلسطينيين، إضافة للوضع الفلسطيني الداخلي الممزق ؛ سواء في منظمة التحرير أو المجلس التشريعي وكذلك الانقسام بين فتح وحماس، ولا نغفل انقلاب الأخيرة على الشرعية الفلسطينية؛ هذا التمزق أدّى بإسرائيل إلى الادّعاء بعدم وجود شريك فلسطيني لها، والراعي الأميركي بإدارة ترامب انحرف عن مساره ، فصار حديث حول ما يسمى صفقة القرن والقرارات الأحادية التي اتخذتها هذه الإدارة؛ كالاعتراف بالقدس ونقل السفارة إليها والتصريحات المتعلقة بأعداد اللاجئين ومباركة الاستيطان، وهذه كلها من القضايا المتفق عليها في مفاوضات الحل النهائي.
    لذلك ؛ ألا ينعكس كل هذا المحيط علينا سلبيا؟ الأزمة الاقتصادية التي نمرّ بها ليست من صنع أيدينا، ليس لنا مصلحة أبدا بالتأزيم، سواء في العراق أو سورية أو فلسطين ، وإذا أردنا الحديث في موضوع اليمن فله أيضا تأثير على الأردن، فالهيمنة الإيرانية هناك يتم التصدي لها ، وهذا يترتب عليه نفقات كبيرة ، عدا عن تذبذب أسعار النفط ، وانقطاع الغاز المصري، والاختلال في مجلس التعاون الخليجي، وعمليا توقّفت المساعدات المالية من هذه الدول للأردن ، ونحن بحاجة مثلا لإنفاق عسكري كبير لتغطية وتأمين حدودنا مع العراق وسورية التي تمتد لأكثر من 570 كم .
  • ما هو الخلل لدينا دولة الرئيس؟ صحيح أننا نستضيف ما يقارب المليون ونصف المليون لاجئ من سورية وتلقينا مساعدات، وما زلنا نتحدث عن عجز الموازنة والمديونية.. إلى متى؟
  • لقد تحمّلنا أكثر من ستين بالمائة من تكاليف اللجوء، ففي السنة الأولى فقط تلقينا تبرعات ، ثم بدأنا نعاني من تحمّل التكاليف الباهظة للجوء، فهل اللاجئ يحتاج فقط للسكن؟ هناك التعليم والصحة والبنية التحتية التي عانت من ضغط كبير، هذا عدا عن العمالة التي كان لها التأثير الأكبر على العمالة الأردنية، وهذا التراكم الذي حدث فجأة ترافق مع الخلل في اقتصادنا الوطني، وخاصة أنماط الاستهلاك، واعتمادنا على المديونية الخارجية لدعم السلع فقد كنّا نقوم بالاقتراض لأجل الاستهلاك ، وهذا أسوأ أنواع المديونية، ناهيك عن أن الدخل المتولد داخل المملكة لا يكفيها .
    وعلينا هنا ان لا نغفل جانبا مهما وهو الربيع العربي؛ حيث أدّى إلى زيادة المديونية بسبب التراجع في التبرعات الدولية .
  • إذن؛ ما هو العلاج؟
  • منذ عام 2010 وهاجس كل الحكومات هو متانة الدينار والاحتياطي من العملات الأجنبية، والحمد لله اليوم لدينا احتياطي يكفي لسبعة أشهر، وهذا نتيجة للأمن والاستقرار الذي يعيشه الأردن، ونحن نعلم أنه كلما زاد عجز الموازنة كلما أثر ذلك على ميزان المدفوعات، وبالتالي يتأثر الدينار، فالأولوية عند الحكومات هو الحد من عجز الموازنة، وهذه وصفة دولية ليس للأردن فقط، بل للعديد من الدول، فإذا أرادت أي دولة التعاون من أجل الاقتراض أو الاستثمار فعليها أولا الحد من عجز الموازنة، وهذا ما هو مطلوب منّا اليوم من صندوق النقد الدولي، فهو لا يفرض أي إملاءات أبدا .
    صندوق النقد يقول لك .. إذا أردت جدولة ديونك والاقتراض من أجل التنمية وليس للاستهلاك فعليك القيام بكذا وكذا، وهو يخبرنا ماذا يريد العالم في هذا الاتجاه، فاليابان مثلا وكذلك أوروبا يطلبان من الأردن الانتهاء من برنامجه الاقتصادي وإجراء الإصلاحات وبعد ذلك يتم الاقتراض.
    ومن هنا أود القول أنه لا يوجد رئيس حكومة لا يرغب بأن لا يصفق الناس له ليحظى بشعبية كبيرة، ولكن الناس في مجملها لا تدرك صعوبة المرحلة وطبيعتها التي فرضت علينا هذا الواقع.
  • هذا الحديث يوصلنا إلى القول بعدم وجود بدائل؟
  • خذ نظرة سريعة لموازنة الدولة؛ فالنفقات الجارية ثمانية ونصف المليار دينار؛ معظمها يذهب كرواتب وتقاعد وصندوق معونة وفوائد وخدمة الدين، لا يبقى سوى خمسمائة مليون دينار، كيف يمكن لدولة كالأردن أن تفعل بمثل هذا المبلغ طيلة عام كامل؟ فهل يقوم مثلا بالاستغناء عن مائة ألف موظف حكومي؟ هل تريد للأردن أن لا يقوم بدفع الفوائد وأقساط القروض؟ هل نصل لمرحلة الرهن لا سمح الله؟ المواطن اليوم يتحمل مسؤولية كبيرة وهذا يتمثّل في الموازنة بنمط استهلاكه لفترة معينة حتى نخرج من هذه الضائقة التي نعاني منها جميعا.

• في سياق الحديث السابق ذكرت موضوع فك الارتباط؛ ولا بأس من الإحاطة به من جديد، حيث قيل بأن منظمة التحرير هي من طلبت ذلك، وآخرون أرجعوا القرار إلى رغبة أردنية، ماذا تقول؟

  • علينا أن لا نأخذ الموضوع بمعزل عن قرار قمة الرباط عام 1974 الذي أدى لاعتراف الأردن بنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني، وقبل ذلك فتنة أيلول عام 1970 ومشروع المملكة العربية المتحدة 1972 ، ففي البداية أنا لا أبرّئ بعض الأنظمة العربية مما حدث في أيلول، وفيما يتعلق بمشروع المملكة المتحدة؛ فقد كان الملك حسين يرغب بالتفاوض واسترجاع الضفة الغربية ومن ثم يقرر الفلسطينيون مصيرهم بأنفسهم، وبالطبع رفضت المنظمة هذا المشروع ورفضته أيضا مصر وسورية والعراق ، وفوق ذلك قاموا بحشد قواتهم على حدودنا.
    ثم كانت قمة الرباط؛ واعترف الأردن بالمنظمة رغم عدم وجود سلطة لها في الضفة أبدا ، لأن كل الأمور كانت بيد الأردن ، فالضفة مازالت أرضا أردنية محتلة ، وكل ما يتعلق بحياة الفلسطينيين هناك مرتبط بالأردن ، والمنظمة تدّعي التمثيل ، وبقينا على هذا الوضع أربع عشرة سنة، وفي خضم ذلك كان الاجتياح الإسرائيلي للبنان وخروج المقاومة الفلسطينية منه، ثم تشتتها في العديد من الدول العربية، واستقرت قيادة المنظمة في تونس وبدأت تأخذ المنحى السياسي أكثر من العسكري.
    في العام 1988 بدأت حوارات أميركية مع المنظمة في تونس، وحديث عن عمليات سياسية ومفاوضات ، وبالتالي كان لا بد من غطاء قانوني للمنظمة ، وقبل فك اللرتباط عقد مؤتمر قمة عربي في الجزائر، وفي ذلك المؤتمر طالبت بعض الأصوات بإزالة الوصاية الأردنية عن الضفة، وفي الواقع لم نكن في الأردن نفكّر بفك الارتباط قبل ذلك.
    أجريت استفتاءات في الضفة الغربية؛ وتبيّن أن أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من الفلسطينيين يريدون المنظمة، فما كان من الملك الحسين إلا أعلن قرار فك الارتباط القانوني والإداري فقط وليس الاجتماعي، لأن الارتباط الاجتماعي لا يمكن فكه أبدا نظرا للعلاقة الاجتماعية والتاريخية بين الشعبين .
    بعد ذلك بخمسة أيام ؛ زارنا وفد من منظمة التحرير، كانوا لا يعرفون إلّا القليل عن الضفة الغربية، وقمنا بتوضيح كل المسائل لهم، وبقيت الأماكن المقدسة والأوقاف مع الأردن حتى لا يحصل فراغ ديني، ثم حملنا الفلسطينيين إلى مدريد من خلال المظلة الأردنية، ثم مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين وصولا إلى اتفاق أوسلو.
  • كيف لك أن تصف العلاقة بين الراحلين الملك حسين وياسر عرفات.. هل صحيح أنها كانت تفتقد إلى الثقة بينهما؟
  • الملك حسين تجاوز كل الأحداث السابقة؛ من عام 1970 وما تلا ذلك من أحداث وتطورات لقد سرنا مع الإخوة الفلسطينيين حتى النهاية، وبعد مدريد واستقلالية الوفد الفلسطيني في المفاوضات باتت العلاقة أفضل بينهما، والملك حسين لا يتعامل مع أي كان من باب الضغينة مهما كانت الظروف، ودائما كان- رحمه الله- يعطي المبررات للآخرين، حتى في موضوع أوسلو؛ الملك شعر بغضب شديد، والدكتور حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني كان في قمة غضبه وإحباطه، ولكن في النهاية الملك حسين قال إن هذا شأن فلسطيني وخيار الأشقاء، واتصل بياسر عرفات مهنئا.

• أرجو أن تطلعنا على قصة الزيارة الأولى لياسر عرفات إلى واشنطن للتوقيع على اتفاق أوسلو وهو لا يتمتع بالحصانة، والخوف من اعتقاله؟

  • توقيع الاتفاق كان في يوم الثالث عشر من الشهر، والمفروض أن يصل أبو عمار في يوم الثاني عشر، أي أنه لا يوجد أمامنا إلّا حوالي ثماني ساعات ويصل عرفات، فاتصل بي وزير الخارجية وارن كريستوفر قائلا إنّ الرجل لا يملك حصانة وبإمكان أي مواطن أميركي تحريك دعوى قضائية بحقه واعتقاله، فكان رأيه بإمكانية إصدار كتب رسمية أردنية لعرفات وفريقه الزائر واعتبارهم موظفين عاملين في السفارة الأردنية بواشنطن، ووضعهم على القائمة الدبلوماسية للسفارة من أجل التمتّع بالحصانة.
    قمت بالاتصال مع الملك حسين واطلعته على هذا الأمر المهم، فكان رد جلالته- رحمه الله- حرفيا: (هذا يوم فلسطيني مشهود، احفظوا كرامة الرجل، وافعلوا ما ترونه مناسبا)، فأبلغت كريستوفر بذلك فقال.. لا داعي لذلك، لن يحدث شيء، فالجميع يعلم بأنهم قادمون لتوقيع معاهدة سلام ولا يوجد أي توقّعات بلجوء أحدهم لرفع قضية ضد عرفات، وسارت الأمور بعد ذلك بخير وسلام.

• هناك من يطالب بإعادة مراجعة معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية؛ على اعتبار عدم تطبيقها بحذافيرها من قبل الجانب الإسرائيلي، أو أن هناك تحايلا والتفافا من قبل اليمين المتطرف هناك.. ماذا لديكم حول ذلك؟

  • جاء توقيع الاتفاقية بعد ثلاث سنوات ونصف من المفاوضات الشاقة والشرسة وعلى مختلف القضايا، وامتدت المعاهدة لتشمل حق الأردن في القدس والوصاية على المقدسات واللاجئين، والملك حسين وكذلك الملك عبد الله الثاني وظّفا المعاهدة من أجل تليين مواقف الجانب الإسرائيلي لما فيه مصلحة الفلسطينيين، ونحن مطالبنا واضحة؛ هناك أراض أردنية محتلة وخاصة وادي عربة، وقد استعدناها كاملة عدا الغمر، وبعد أربع وعشرين سنة قال الملك عبد الله الثاني كلمته وألغى العمل بملحقي الباقورة والغمر.
    اليوم في إسرائيل توجد حكومة يمينية متطرفة، تختلف هذه الحكومة في سياستها عن تلك السياسة التي اتبعها إسحق رابين، وتطبيق الاتفاقية مرهون بالظرف الذي نعيشه اليوم، والمهم أن أحفظ حقي بالأمن، والأردن استطاع أن يضع إسرائيل تحت التزاماتها الدولية.

• لنتحوّل إلى وضعنا الداخلي، ففي العام 1989 مرحلة جديدة في حياة الأردنيين، تم إلغاء الأحكام العرفية وعادت الديمقراطية، وما زال البعض يرى أننا نعيش على هامش الديمقراطية، وما زلنا تحت وطأة تجارب قوانين انتخاب.. ألا يستحق الشعب الأردني ما هو أفضل؟

  • منذ تأسيس الإمارة كانت هناك معارضة وطنية تقوم بالتنسيق مع أمير البلاد إلى أن حصل الاستقلال، ثم جاءت نكبة 1948 والانقلابات العربية وغير ذلك، فأصبحت العديد من الأحزاب مرتبطة مع أنظمة خارجية، أي أنها باتت أحزابا غير وطنية، فكان هناك البعثي والقومي والناصري والشيوعي.. الخ ، فتم تجميد الحياة الحزبية 1957 وفرضت الأحكام العرفية، وبقيت النقابات هي المتنفس الوحيد، حيث غلب الدور السياسي على دورها النقابي.
    ورأى الملك حسين بأنه آن الأوان لإعادة الحياة الحزبية، فعادت الأحزاب القديمة، وظهرت أحزاب وسطية كثيرة متشابهة في الأفكار والمبادئ، وقمنا بتشكيل لجنة السبعين التي ضمّت شخصيات أردنية في مختلف المجالات، ودعونا أحزاب الوسط للحوار من أجل العمل على إنشاء تيار وسطي، ووضعنا وثيقة (الاعتدال السياسي) وكان هناك تجاوب مع هذا التوجه، فنشأ ائتلاف من سبعة أحزاب وسطية، ولكن بقي همّهم يتركز في من دخل الحكومة أو من لم يدخل! ومن لم يحالفه الحظ بدخول الحكومة يقوم بالانسحاب، هذه مثلا واحدة من التجارب.

• ما هي المشكلة إذن دكتور فايز؟

  • المشكلة اليوم هي عدم وجود برامج حزبية واضحة، الجميع يخوضون الانتخابات على خلفية عشائرية، والأحزاب غير قادرة على إقناع الناس لعدم وجود مثل هذه البرامج، وكان هناك ضغط على الملك حسين والملك عبدالله الثاني بمنح الأحزاب كوتا بحجة تنميتها، فإذا كان كل أعضاء الأحزاب لا يتجاوز عددهم الخمسة آلاف فكيف يتم منحهم كوتا؟ من الممكن ان أمنح المرأة أو الأقليات، أما الأحزاب فعليها أن تثبت نفسها وتفرض وجودها وتعمل على خلق قواعد شعبية لها تستطيع إيصالها إلى البرلمان وعدم انتظار مثل هذه الكوتا.
    أما فيما يتعلق بقانون الانتخابات؛ حتى لو قمنا بتغييره؛ فسيبقى الوضع على ما هو عليه، حتى الحزب الوحيد الذي نعتبره حزبا سياسيا فهو في واقع الأمر حزب عقائدي، يعتمد المعارضة المطلقة ولم يصل بعد لمفهوم الحزب السياسي.
    الملك دائما يتمنى رؤية حكومة برلمانية حزبية، ولكن في ظلّ هذا الواقع الحزبي فأنا أستبعد ذلك، والكرة اليوم في ملعب الأحزاب.
  • عندما كنت رئيسا للديوان تم تكليفكم بإجراء مشاورات مع الكتل النيابية لتشكيل حكومة واختيار رئيس للوزراء، وهذه سابقة .. أليس كذلك دكتور؟
  • كلّفني جلالة الملك بإجراء هذه المشاورات مع الكتل النيابية لتقوم هي باختيار رئيس للوزراء، الملك كان يريد تشكيل حكومة برلمانية، ولكن ماذا حصل؟ كنت عندما ألتقي بإحدى الكتل ألاحظ الانقسام داخل الكتلة الواحدة، فلا رابط يجمعها سوى المصالح، ثم قمت بالاتصال بهم واحدا واحدا، وفي النهاية وقع الاختيار على الدكتور عبد الله النسور.
    لذلك؛ حتى لو تغيّر القانون وبقيت الأحزاب دون برامج فلن يتغير شيء أبدا، فالحزب ببرنامجه الذي يستطيع من خلاله إقناع الناس، وعلى الكتل النيابية أن ترتبط ببرنامج محدد تعمل على تنفيذه، لأن المصالح آنية وتتغير، وبالتالي لا تستمر هذه الكتل طويلا، وكثيرا ما نشهد استقالات وانسحابات منها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock