ترجمات

الطريقة الخاطئة لمحاربة قومية اللقاح

جوش روجين* – (الواشنطن بوست) 9/4/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لن يكون الأميركيون في مأمن من “كوفيد -19” حتى يصبح العالم كله آمنًا منه. وتُظهر هذه الحقيقة الأساسية السبب في أن قومية اللقاح ليست ممارسة غير أخلاقية فحسب، وإنما تأتي بنتائج عكسية أيضًا. لكن أبسط الحلول نادرًا ما تكون الحلول الصحيحة، وتستخدم بعض الدول هذه القضية لتعزيز مصالحها الإستراتيجية الخاصة. ويجب على إدارة بايدن رفض الجهود التي تبذلها بعض الدول لتحويل أزمتنا المشتركة إلى فرصة لها.
مع تزايد عدم المساواة في توزيع اللقاحات في جميع أنحاء العالم، تمارس مجموعة من أكثر من 50 دولة نامية، بقيادة الهند وجنوب إفريقيا، ضغطاً على منظمة التجارة العالمية لإلغاء جميع حمايات الملكية الفكرية الدولية للمنتجات المرتبطة بالوباء، والتي تشمل براءات اختراع أبحاث اللقاحات، وتصاميم التصنيع والمعرفة التكنولوجية ذات الصلة. وكانت إدارة ترامب قد رفضت اقتراحاً بتعليق “اتفاقية عناصر حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة” (TRIPS) في المسائل المتصلة بالوباء عندما تم تقديمه في تشرين الأول (أكتوبر).
والآن، تضغط مئات المنظمات غير الحكومية وعشرات المشرعين الديمقراطيين على إدارة بايدن لدعم الاقتراح. لكن الكثيرين يحذرون من أن هذه الخطوة ستؤدي إلى قيام الولايات المتحدة بتسليم جيل من الأبحاث المتقدمة -التي مول الكثير منها دافعو الضرائب الأميركيين- إلى أكبر المنافسين لبلدنا، وفي مقدمتهم الصين.
في الكونغرس، ثمة شعور مبرر بالإحباط من فشل الولايات المتحدة في الاستجابة لدبلوماسية اللقاحات القوية التي تمارسها الصين، والتي علَّقت فيها بكين تقديم اللقاحات للدول التي ضربها الوباء على شرط تجاهل مخاوفها الأمنية بشأن شركات الاتصالات الصينية أو التخلي عن الاعتراف الدبلوماسي بتايوان. وهناك أيضًا الكثير من الغضب من شركات الأدوية الكبيرة بين التقدميين بسبب جنيها الأرباح من الوباء.
وقال لي النائب جان شاكوسكي (ديمقراطي من إلينوي)، الذي يدعم جهود التنازل عن حقوق حماية الملكية الفكرية، في مقابلة: “نحن الآن في سباق مع الزمن، وللأسف تقف شركات الأدوية الكبيرة في طريق معالجة هذه المشكلة بسرعة. أعتقد أن المشكلة الأمنية الحقيقية هي أنه بينما تتعثر الولايات المتحدة في التأكد من أننا نساعد أنفسنا، فإن هؤلاء الخصوم سوف ينخرطون مباشرة في المسألة”.
وجادل شاكوسكي بأن الإجراءات البديلة لمساعدة الدول الفقيرة على تصنيع اللقاحات لا تتحرك ببساطة بالسرعة الكافية لإنقاذ الأرواح، وأن على الولايات المتحدة واجب الاستجابة. وقال شاكوسكي إن رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، (ديمقراطية من كاليفورنيا)، نقلت شخصيًا دعمها لتعليق اتفاقية عناصر حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة إلى الرئيس بايدن.
لكن شركات الأدوية الكبيرة هي مجرد قطعة واحدة فقط من الأحجية. هناك دول مثل الهند وجنوب إفريقيا تحاول إضعاف حماية حقوق الملكية الفكرية التي تعتمدها منظمة التجارة العالمية منذ عقود. وقد تلقت تقنية “مرسال الحمض النووي الريبوزي” التي تعتمد عليها لقاحات “فايزر” و”موديرنا” التمويل في البداية من “وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة” ولها تداعيات على الأمن القومي.
داخل إدارة بايدن، عقد مجلس الأمن القومي مسبقاً عدداً من الاجتماعات حول هذه القضية. ويلقى اقتراح تعليق اتفاقية الملكية الفكرية لمواجهة وباء “كوفيد” الدعم من العديد من مسؤولي الصحة العالمية في البيت الأبيض وفي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، الذين يعتقدون أن سمعة الولايات المتحدة الدولية تعاني بسبب إستراتيجية “أميركا أولاً” المتصورة بشأن اللقاحات.
يوم الأربعاء، تحدثت الممثلة التجارية الأميركية، كاثرين تاي، مع المدير العام لمنظمة التجارة العالمية، نغوزي أوكونجو إيويالا، حول قضية تعليق اتفاقية الحقوق. ويعقد مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة اجتماعاته المشتركة بين الوكالات حول هذه القضية، في ما يراه الكثيرون على أنه خطوة لإعادة تأكيد المكتب سلطته القضائية مسائل منظمة التجارة العالمية.
إذا، وعندما، تصل هذه القضية إلى مكتب بايدن، فسوف يستمع أيضًا إلى مسؤولي الأمن القومي الذين يعتقدون أن التنازل عن اتفاقية حقوق الملكية الفكرية سيؤدي إلى النقل القسري لتكنولوجيا حساسة للأمن القومي الأميركي إلى الصين، وهي دولة تسعى جاهدة للسيطرة على مجال التكنولوجيا الحيوية كجزء من استراتيجيتها المسماة “صنع في الصين 2025”. وبمجرد أن تمتلك دول مثل الصين هذه التكنولوجيا، فإنها ستطبق نماذجها الصناعية التجارية لضمان سيطرة شركاتها على هذه الصناعات المهمة استراتيجيًا، ما قد يؤدي إلى إلغاء آلاف الوظائف في الولايات المتحدة.
يقول مارك كوهين، الزميل الرفيع بكلية بيركلي للحقوق في جامعة كاليفورنيا: “سنقدم ميزة تنافسية للبلدان التي يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها خصومنا، على حساب دافعي الضرائب الأميركيين، عندما تكون هناك طرق أخرى للقيام بذلك”.
وأضاف كوهين أن النهج المفضل هو بناء المزيد من القدرة على تصنيع اللقاحات في الولايات المتحدة، وبعد ذلك إعطاء تلك اللقاحات للبلدان المحتاجة. وسوف تستفيد صناعة الأدوية الأميركية بالتأكيد، لكن هذا سيكون أفضل من أن نكون معتمدين على بلدان أخرى عندما يضرب الوباء التالي.
وقال أيضاً: “إذا كان هناك أي شيء علَّمنا إياه الوباء، فهو أننا بحاجة إلى سلسلة إمداد قوية، لأنفسنا وللعالم بشكل عام”.
وإضافة إلى ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان التنازل عن اتفاقية حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة سينجح في حل مشكلة اللقاحات المقام الأول. وقد جادل بيل غيتس وغيره من المشاركين في مخطط توزيع اللقاحات الحالي بأن ذلك لن يؤدي إلى توفر المزيد من اللقاحات، مشيرين إلى أن اتفاقيات منح الترخيص بالتصنيع تعمل مسبقاً على تسهيل التعاون بين صانعي اللقاحات الحاصلين على براءات الاختراع والمصنعين الأجانب. ويردُّ المنتقدون بأن مثل هذا التعاون ما يزال يفشل في تلبية الاحتياجات الملحة للقاحات في العالم النامي.
تطرح حقوق ملكية اللقاحات مشكلة حقيقية، لكن التنازل عن حقوق الملكية الفكرية ليس هو الحل. إذا كان النظام الحالي لا يوصل حقن اللقاح إلى أذرع الناس في البلدان الفقيرة، فيجب علينا أن نعالج هذا الأمر، من أجلهم ومن أجلنا. لكن للوباء واستجاباتنا له تداعيات جيوسياسية، سواء أحببنا ذلك أم لا. وهذا يعني مساعدة العالم والتفكير في مصالحنا الإستراتيجية في الوقت نفسه.

*Josh Rogin: صحفي أميركي وكاتب عمود للسياسة الخارجية في قسم الآراء العالمية في صحيفة “الواشنطن بوست”. يعمل كمحلل سياسي لشبكة (سي إن إن).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The wrong way to fight vaccine nationalism

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock