أفكار ومواقف

الطريق إلى بغداد

   رفض عدد كبير من العلماء والمفكرين الإسلاميين إعطاء المشروعية للشباب العربي بالذهاب إلى بغداد، وانتقدوا الفتاوى التي فتحت لهم الباب للسفر إلى هناك، لكن “أتت الرياح بما لا تشتهي السفن” وتغلبت العاطفة الدينية والقومية على صوت العقل والمنطق وانتقل عدد كبير من هؤلاء الشباب إلى بغداد، ومع أنّ أغلبهم لم يكن -في الأصل- على علاقة بالقاعدة أو جماعة الزرقاوي – والتي كانت قبيل احتلال بغداد تتكون من عدد قليل جدا من العرب- إلا أنه مع احتلال بغداد فإن أعدادا كبيرة من المتطوعين العرب الذين تفاجؤوا بانهيار الجيش العراقي والسقوط المريع لبغداد، لم يجدوا حاضنا لهم سوى جماعة الزرقاوي، فتمكنت من استقطاب أعداد كبيرة من العرب والعراقيين.


  المشكلة أنّ نشاط جماعة الزرقاوي يقوم على أسس غير صحيحة، يتمثل أبرزها بتفسير الدين وفق رؤية أيدلوجية متشددة مشوهة تقوم على إدراك متطرف خاطئ للإسلام ولفريضة الجهاد، كما أنها لم تُبن على أسس صحيحة موضوعية لمقارعة الاحتلال ونيل الاستقلال السياسي، وتتجاوز كل الاعتبارات العقلانية والسياسية وتتحرك بين الناس وتضم المتطوعين بتوظيف سلبي للعاطفة الدينية التي تتغلغل في البنية الاجتماعية في الدول العربية والإسلامية، فيتحول الشباب المتحمس إلى فريسة سهلة لأفكار متطرفة مع وجود استثمار ممتاز لحالة الاحتلال الأميركي وللحماقات التي يرتكبها القادة الأميركيون في العراق، ولغضب الطائفة السنية من سياسات الاحتلال، وكلها ظروف تساهم بدرجة كبيرة في تجنيد الأنصار والمؤيدين ضد على الاحتلال والأوضاع السيئة.


     لقد تحول موضوع “المتطوعين العرب” في العراق إلى أمر خطير نظرا لضبابية الدور الذي تقوم به جماعة الزرقاوي التي ينتمي لها هؤلاء المتطوعون؛ إذ أنّ كثيراً من العمليات التي تتبناها هذه الجماعة وتنسبها إلى المتطوعين العرب وتنشر صورهم على شبكة الإنترنت وتصفهم بالشهداء هي عمليات لا تخدم المقاومة العراقية الوطنية وتؤدي باتجاه حرب أهلية وفتنة طائفية، الأمر الذي لم يقبل به شيخ الزرقاوي والأب الروحي للجماعات المتشددة في الأردن “أبو محمد المقدسي” فأصدر مقالات ترفض هذه العمليات وما يترتب عليها من تداعيات ونتائج خطيرة.


     وتتمثل المأساة الخطيرة المترتبة على نشاط الزرقاوي وجماعته بتحريف مفهوم الجهاد و”العمليات الاستشهادية” لتصبح عملا عدميا يحصد أرواح مئات الأبرياء والضحايا، ويؤدي إلى تشويه الإسلام ومعانيه السامية من خلال فهم أعوج لا يؤيده نص محكم أو فتوى لعالم معتبر، ولم يتوان العلماء والمفكرين المعتبرين عن انتقاد هذه العمليات ورفض القبول بنسبتها لمفهوم الجهاد وربطها بقضية “الشهادة في سبيل الله”، وقد رأى الشيخ سلمان العودة أحد أبرز العلماء في السعودية في هذه العمليات المشوهة بأنها “اختطاف للجهاد”.


   واقع المعادلة العراقية معقد ومركب، يتطلب جهودا كبيرة من أهل العلم والفكر والسياسة من العراقيين أنفسهم  وهم أدرى بشؤونهم وقضاياهم، والأقدر على توظيف الإسلام بالاتجاه الصحيح الذي يخدم وطنهم وأمتهم ويساهم على المدى البعيد في خدمة مشروع التحرر والاستقرار، فلا يجوز لأحد أن يزايد على أهل البلد في انتمائهم ووطنيتهم وعاطفتهم الدينية، كما أن العراقيين الذين ينخرط آلاف منهم في المقاومة العراقية المسلحة ليسوا بحاجة إلى مئات من الشباب الوافدين، والذين أصبحوا موضع اتهام ومصدر تشويش على المقاومة العراقية، وبات شاغل واهتمام عدد كبير منهم الاختباء كي لا يقعوا بأيدي العراقيين فيسلموهم إلى القوات الاميركية أو الشرطة العراقية، نظرا للدعاية السياسية والإعلامية المتزايدة ضد “القادمين من الخارج” في ظل حالة من الاستقطاب الطائفي الداخلي، وهي الظاهرة التي تذكرنا تماما بما حدث مع المتطوعين العرب في أفغانستان والبوسنة وكوسوفا وكل المناطق التي دفعت العواطف الدينية المتطوعين العرب إليها، لكنهم تحولوا فيما بعد إلى “كبش الفداء” وتمت ملاحقتهم ومطاردتهم داخل تلك الدول، والغريب أن تلك الحالات لم يمر عليها سوى سنوات قليلة، فهل نُسي هذا الدرس، أم أنه لم يدرك بعد!!.


  لا شك، أن الجهاد أمر مشروع بل واجب شرعي ووطني وتاريخي، وهو حق للشعوب الخاضعة للاحتلال، لكن الجهاد والنضال والحق في التحرر شيء والعنف الأعمى والعمليات “غير الشرعية” شيء آخر مناقض ومسيء للجهاد، ولا يجوز أن يربط به بأي حال من الأحوال، كما أن أهل البلد هم الأقدر على تحديد استراتيجية الجهاد وأدواته الصحيحة التي تخدمهم وتصب في الاتجاهات الصحيحة.


من ناحية أخرى لا بد أن توجه وتوظف العاطفة الدينية والوطنية والمشاعر الصادقة والنوايا المخلصة في اتجاه صحيح بناء، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا تتفجر هذه العواطف التي يمتلكها الشباب العربي في بلدانهم في مشاريع التنمية والإعمار والخدمة الاجتماعية الوطنية، ما دام قبل الشاب العربي أن يقدم روحه رخيصة في سبيل دينه، فليقدم التضحيات في داخل وطنه.


 وهنا فالسؤال يبدو ملحا على علماء الشريعة وأهل الفكر والسياسة والفقه: لماذا تُصرف الطاقات الروحية والعواطف الدينية لآلاف الشباب العربي المسلم في اتجاهات سلبية وفي مسارات ضائعة؟! لماذا لا توظف في سياقات منتجه إيجابية أم سيُترك هؤلاء الشباب لقدرهم، تحت عباءة “جند الله في المعركة الغلط” !!!.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock