ترجمات

الطريق الضيق إلى الديمقراطية الليبرالية

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فريد زكريا* – (الواشنطن بوست) 30/7/2021
تأتي الأخبار هذا الأسبوع لتخبرنا بأن الديمقراطية تتعرض للمحنة في تونس -قصة النجاح الوحيدة للربيع العربي- بعد ثلاثة أسابيع فقط من سماعنا عن اغتيال رئيس هاييتي. وفي الأثناء، تبدو الحكومة في أفغانستان، غير قادرة على بسط سلطتها على جميع أنحاء البلاد. وقد جعلني ذلك أفكر في أحد الأسئلة الأساسية للسياسة: لماذا من الصعب جداً تطوير الديمقراطية الليبرالية والحفاظ عليها؟
يأتي أفضل عمل حديث حول هذا الموضوع من زوج رائع من الباحثين، دارون أسيموغلو، وجيمس أ. روبنسون. وقد أجابا في كتابهما الأخير، “المجاز الضيق” The Narrow Corridor، عن هذا السؤال ببصيرة نافذة. وكما لاحظا، فإن الخطوة الأولى لتحقيق الديمقراطية في كل مجتمع هي ببساطة تحقيق قدر من النظام والاستقرار. والتاريخ مليء بالأماكن التي تحكم فيها العصابات، وأمراء الحرب والقبائل، ولا تتمكن الدولة أبدًا من تعزيز سلطتها وحكمها بشكل فعال. كان هذا ماضي أفغانستان وربما يكون مستقبلها أيضاً.
إذا كان وجود النظام السياسي نادراً، فإن النظام السياسي الليبرالي أكثر ندرة. والديمقراطية الليبرالية هي الشكل المتعدل للحوكمة. وهي في حاجة إلى دولة قوية بما يكفي لتحكم بفعالية، لكنها ليست قوية لدرجة أن تسحق حريات وحقوق شعبها. ويسمي المؤلفان هذا الشكل من الحكومة “لوياثان المقيّد”. (استخدم توماس هوبز الوحش التوراتي لوياثان لوصف الدولة القوية). ويتطلب الوصول إلى الديمقراطية الليبرالية أن تنتقل المجتمعات عبر “مجاز ضيق”، يسمح للدولة ببناء السلطة بينما يسمح أيضاً بنمو مجتمع مدني يؤكد ذاته ويناضل من أجل الحقوق. ومعًا، يصنعان التوازن الدقيق بين الاستقرار والحرية. وقد نجحت بلدان في الغرب لأنها تمكنت من بناء دول قوية ومجتمعات قوية.
في أفغانستان، على الرغم من عقدين من الجهود التي بذلت لتحقيق ذلك، فشلت الدولة في السيطرة على جزء كبير من البلاد، صانعة ما يسميه المؤلفان “لوياثان الغائب”. والدولة في بعض الأماكن العربية قوية جداً بحيث عادت تلك البلدان سريعاً إلى الدكتاتورية إثر مغازلة وجيزة للديمقراطية بعد الربيع العربي. وتوجد في أجزاء أخرى من العالم “لوياثانات من ورق” -حكومات تمارس السلطة في الغالب لإثراء نخبة صغيرة في القمة. فكر في نيجيريا أو فنزويلا.
كيف حصل الغرب على السياسة المعتدلة؟ يستشهد المؤلفان بقوتين متعارضتين. أولاً، كان هناك إرث الإمبراطورية الرومانية، الذي وفر المؤسسات والقوانين والتقاليد التي جعلت من الممكن إنشاء النظام. ثانيًا، كان لدى قبائل أوروبا الشمالية، المتجذرة في التجمعات المتساوية، تقليد يتمثل في تحدي القادة الأقوياء. وكان هناك التنافس بين النبلاء والملوك -ولاحقاً، كما يمكن أن أضيف، بين الكنيسة والدولة، وبين مئات الدول والدوقيات والإمارات في أوروبا في العصور الوسطى -كل ذلك ساعد على نمو الحرية الفردية وازدهارها.
وليست المسألة مسألة تفوق ثقافي للغرب، وإنما تتعلق بالأحرى بتاريخه غير العادي. وقد تمكنت دول في أجزاء أخرى من العالم من تحقيق توازن مماثل -الهند وكوريا الجنوبية وكوستاريكا. لكن المجاز ضيق في الحقيقة، ويساعدنا فهم ذلك على إدراك هشاشة الديمقراطية الليبرالية. وهذا هو السبب في أنني في أواخر التسعينيات، حين كنا نهتف ونشجع بينما تُجري البلدان في جميع أنحاء العالم انتخابات، شخّصتُ ظاهرة “الديمقراطية غير الليبرالية”، وهي الأماكن التي كان فيها القادة المنتخبون يسيئون بشكل منهجي استغلال السلطة، ويحرمون الناس من حقوقهم ويفرغون الحكومة الدستورية الليبرالية من جوهرها. ومنذ ذلك الحين، للأسف، أصبحت تلك القائمة أطول بكثير، بما فيها دول غربية مثل المجر، وديمقراطيات راسخة مثل الهند، بينما تحولت البعض، مثل روسيا، ببساطة إلى ديكتاتوريات.
البلدان -بما فيها الولايات المتحدة- التي عبرت المجاز الضيق وحققت التوازن الصحيح بين الدولة والمجتمع، محظوظة. لكننا في عصر يعاني من خلل ديمقراطي وظيفي، حيث تهدد الحركات الشعبوية المؤسسات والأعراف السياسية التي لطالما اعتُبرت محايدة. ونحن نرى ذلك في أخطر أشكاله في جهود الحزب الجمهوري لتسييس فرز الأصوات في مختلف الولايات التي يسيطر عليها.
تبقى الولايات المتحدة ديمقراطية ليبرالية، لكن جلسة الاستماع التي أقيمت هذا الأسبوع حول تمرد 6 كانون الثاني (يناير) في مبنى الكابيتول سلطت الضوء على هشاشة المعايير الديمقراطية، حتى هنا. ومع أن مؤسساتنا السياسية تظل أقوى من مثيلاتها في معظم دول العالم، فإنها تعاني من التوتروالضغط بفعل مجتمع منقسم بشدة -لدرجة أنه حتى الحقائق الأساسية لما حدث في السادس من يناير (كانون الثاني) أصبحت محل نزاع شرس.
أظهر المشاغبون، الذين يتصرفون بدفع من سياسيين عديمي الضمير، مدى الضرر الذي يمكن أن تحدثه مجموعة من المواطنين العاديين بالنظام. ولكن يمكن لبقيتنا إصلاح الضرر من خلال الضغط من أجل وضع حواجز حماية ديمقراطية أقوى ومقاومة الجهود التي تريد تقويض إرادة الشعب.
الآن، ربما تكون قد سمعت هذه القصة. في العام 1787، سأل شخص ما بنجامين فرانكلين عن نوع الحكومة التي قررها المؤتمر الدستوري. وأجاب فرانكلين: “جمهورية، إذا كنتم تستطيعون أن تحافظوا عليها”. وكان بإمكان المندوبين تصميم أفضل نظام في العالم، لكن نجاحه في النهاية كان يعود إلى الناس.
ربما يبدو هذا تحذيرًا مشؤومًا، لكننا يمكن أن نختار الراحة والسلوى أيضًا -التحلي بالقوة للحفاظ على الديمقراطية التي بين أيدينا.

*صحفي ومؤلف أميركي من أصل هندي، يعمل مقدماً لبرنامج “فريد زكريا جي بي إس” الحواري الأسبوعي على قناة (سي إن إن). يكتب في صحيفة الواشنطن بوست ومجلة نيوزويك، وهو محرر طبعتها الدولية، ومحرر بارز في مجلة التايم. نشر أول كتاب له في العام 2003 وكان بعنوان “مستقبل الحرية: الديمقراطية اللاليبرالية في الوطن والخارج”، وكتب أيضاً “عالم ما بعد أميركا” (2008)، و”في الدفاع عن التعليم الليبرالي” (2015) وغيرهما.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The narrow path to liberal democracy

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock