منوعات

الطقوس الرمضانية تتوارى لصالح مهرجان “المسلسلات” و”كرنفالات” التسوق

ديما محبوبه


عمان– وتيرة التغيرات المجتمعية التي طالت معظم تفاصيل حياتنا لم يسلم منها حتى شهر رمضان نفسه، والسؤال هل طال التغيير، أيضا، الطقوس الدينية، وخصوصا في شهر العبادة والطاعة؟.


عموما، لو تتبعنا حياة الأسر الأردنية، في رمضان، سنجد أن معظمها، مغرق بترقب طبيعة المسلسلات التي ستعرض في هذا الشهر، وتكون في حيرة من أمرها حول الطريقة الفضلى التي تسمح لها بمتابعة جميع ما يعرض على الشاشة الصغيرة.


وهذا الأمر لا يتعلق فقط بالشاشة الصغيرة، بل بتحضير الطعام، أيضا، حيث ينصب همّ الأب والأم والأبناء على إعداد كل ما تشتهيه النفس خلال النهار، من طعام وشراب على مائدة الطعام في وجبة الإفطار.


أما الأمسيات والسهرات والخيم الرمضانية فتمثل اهتمام الشباب والأصدقاء وحتى الأسر التي تبحث عن التغيير والترفيه، ونجد أن شهر رمضان، الذي حدده الله تعالى بأنه شهر للعبادات، أصبح شهرا لاهتمامات أخرى بعيدة.


وكل تلك الوقائع التي تحدثنا حولها، نجدها بيننا، فالعشرينية رولا تؤكد أنها لم تعد تمارس العديد من العبادات في شهر رمضان، كما كانت تفعل في صغرها.


وتستذكر أنها كانت تجلس مع إخوانها الأصغر منها لتقرأ لهم القرآن الكريم، وكل منهم يتسابق متباهيا بأن صوته أجمل من الآخر، وأنه ملم بأساليب التجويد على نحو أفضل من غيره.


أما في أيامنا هذه، فتبين رولا أن اهتمامها بالعبادة في شهر رمضان أصبح أقل شأنا، وأنها من دون وعي، أصبحت تترقب جميع المسلسلات، وتحاول معرفة قصص مسلسلات أخرى لم تستطع أن تشاهدها؛ لأن أوقاتها تتضارب مع المسلسلات التي تتابعها.


أما أبو علاء فله اهتمامات أخرى في شهر رمضان، فعقب انتهاء دوامه، يذهب للتسوق على نحو يومي في سوق الخضار، ليأتي بالجرجير والبقدونس والعديد من الخضار الأخرى، فتفوم زوجته بصنع العديد من السلطات والمقبلات.


ولا يتوقف أبو علاء فقط عند المشتريات من سوق الخضار، بل يذهب للتسوق من المتاجر الأخرى وشراء القطايف، وهذا العمل يقوم به يوميا لأنه يود أن تكون مائدته ممتلئة بأصناف كثيرة، ما يجعله منهمكا قبل الإفطار بتحضير المائدة.


وبعد تناول الإفطار، فإن كل ما يفعله هو صلاة العشاء والتراويح والعودة لمتابعة المسلسلات.


ويبدو أن الرغبات غدت مسيطرة على الناس، ما يخلق أنماطا استهلاكية تستنزف الدخل، وتشغل الفرد عن هدف الصيام وفوائده.


ولأن الأهالي يهتمون بأن يتربى أطفالهم على العادات الدينية الصحيحة، ترى التربوية رولا أبو بكر بأن من المفترض اتباع الأهل بعض السلوكيات قبل حلول شهر رمضان المبارك، كأن يتحدثوا عن طقوسه الدينية والاجتماعية، وعن أركان الإسلام التي يجب تعلمها أمام الأطفال، والتذكير بأن شهر رمضان هو شهر العبادات والزهد بالدنيا، والشعور مع الآخرين، وخصوصا الفقراء منهم.


وتؤكد بأن هذا الأمر لا يعني بأن مشاهدة البرامج التلفزيونية يجب الابتعاد عنها، مشيرة إلى أنه لا ضير من متابعة الجميل منها والمفيد، وبحيث يكون ذلك مع العائلة بأجمعها، وبعد الانتهاء منه، تنصح بمناقشة إيجابيات وسلبيات ذلك البرنامج أو المسلسل.


كما يجب تربية الأطفال على زيارة الأقارب وصلة الرحم وفوائدها، ما يجعل هناك مجتمعا مترابطا مهتما بأقاربه وبطقوس دينه وتعاليمه.


أما عن الصيام فتبين أبو بكر أن على الأسر لفت انتباه الأبناء بأن هناك أناسا كثرا لا يستطيعون تناول الطعام دائما لشدة فقرهم، وأن رمضان وجد لإشعارنا بهموم غيرنا، ولا بأس أن نوجه الطفل، مثلا، إلى حمل طبق من الطعام، وإرساله إلى الجيران، وبذلك نزرع سلوكا قويما وتعاليم إنسانية ودينية في أعماقه.


ومن ضمن التغيرات التي طرأت على المجتمع وجعلته ينأى عن تعاليم الدين، وخصوصا في شهر العبادة والبركة، ما يبينه أستاذ علوم الشريعة في الجامعة الأردنية د. أحمد العوايشة، حيث يقول إنه بالإمكان العودة عن هذه السلوكيات وعن هذا البعد من خلال المواظبة على ذكر الله تعالى.


ويؤكد أن على المرء أن يعلم بأن العبادة ليست مستقرة فقط في شهر رمضان، بل تمتد على أيام السنة، وأن غض البصر هي عبادة، والكلمة الطيبة عبادة، ومساعدة الآخرين كذلك، وترك المنكرات.


أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية د. حسين الخزاعي يرى أن كل متابع لأشهر رمضان في السنوات الماضية يجد نفسه أمام “مهرجان” كبير، في جميع تفاصيله التي يتبعها الناس، إن كان على صعيد الطعام والشراب والزيارات والسهرات، أو حتى على صعيد متابعة المسلسلات التلفزيونية.


ويؤكد أن شهر رمضان، تحول، من خلال هذه التغيرات والسلوكيات، من شهر للبركة والعبادة والزهد بالدنيا، والتقرب من الله، وغرس العلاقات الاجتماعية الكريمة، والتفاعل الإيجابي، إلى شهر استهلاكي مادي ترفيهي.


ويضيف أن التطور التكنولوجي نجح بفرض إيقاعاته الجذابة على أكبر عدد من أفراد المجتمع، باتباع أساليب التسويق الجيد لها، باستثناء البرامج الدينية، التي لا تعطى إلا مساحات ضئيلة على الشاشة الصغيرة.


وتبين بعض الدراسات أن الإنفاق في شهر رمضان يتضاعف ثلاث مرات لدى الأسر الأردنية عن نظيره في الأشهر الأخرى.


وينصح الخزاعي بالعودة إلى الحكمة المطلوبة من شهر رمضان، وأن يلتفت الناس إليه بروية، مقارنين بين الأمس واليوم على الدوام.


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock