فكر وأديان

الظلم مرتعه وخيم

د. محمد المجالي

الظلم مظهر من مظاهر استعلاء الباطل حين يحكم ويتسلّط، وهو ليس مقتصرا على أمم دون غيرها، أو أن صبغته في أنظمة حكم أو قضاء، فقد يكون فرديا من خلال ممارسات نظنها عادية، فهناك أنواع كثيرة من الظلم يمارسها أفراد، وربما كانوا ملتزمين دينيا، وهي غير مسوَّغة أبدا، فالظلم وضع الشيء في غير مكانه، ويتفاوت حسب نوعه ومادته ومداه، فالشرك بالله ظلم، قال تعالى “إن الشرك لظلم عظيم”، والكفر بحد ذاته ظلم، قال تعالى: “والكافرون هم الظالمون”، وسلب حقوق المستضعفين ظلم، ووضع الشخص غير المناسب في مهمة ووظيفة ظلم، والغش ظلم، والحكم الجائر والشهادة الكاذبة ظلم، وهكذا، وربما أشد أنواعه على الإطلاق أن يظلم أحدنا نفسه، فيحرمها من الهداية والاستقامة واتباع الحق وطاعة الله تعالى، فيوردها جهنم والعياذ بالله، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه في الاتجاه الخطأ: “بل الإنسان على نفسه بصيرة”، وصدق الله: “وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم”.
ولئن ظن الظالم أنه ينجو بفعلته، فالله ليس بغافل عنه: “ولا تحسبن اللهَ غافلا عما يعمل الظالمون”، ودعوة المظلوم مستجابة، قال صلى الله عليه وسلم: “اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”، تصيب الظالم في عقر داره، وربما في الدنيا قبل الآخرة، ولله أن ينتقم كيفما يشاء، ووقت ما يشاء.
ما يمر بالبلاد الإسلامية، والعربية خصوصا، من تسلط الظالمين على رقاب الشعوب، وحرف البوصلة عن وجهتها الربانية إلى تلك الشيطانية الشهوانية التجهيلية الإلهائية لهو أمر خطير، وجدير بأهل الغيرة على الدين والأمة والإنسانية دفع هذا الظلم قبل أن يستفحل. ندرك قطعا أن الحق أبلج والباطل لجلج، ولكن لا بد للحق من أهل ينصرونه وينشرون مبادئه ويدافعون عنه، ولا أبالغ إن قلت إن انتشار الباطل هذا الزمان ليس لقوته، إنما لتخاذل أهل الحق وعدم دفعهم للباطل، فالحق قديم راسخ، والباطل طارئ لا قرار له.
الظلم يولد قهرا ورغبة بالانتقام، وهي حقيقة لا يدركها الظالم، ولا يحسب لها حسابها، وهي التي تجر المجتمعات إلى الكراهية والاضطراب والعنف، وبالتالي عدم الاستقرار والتراجع، وربما تدخل هذه المجتمعات في دوامة الدموية، وبالتالي فشلا عاما يشل أركانها ويقتل إنسانها ويخرّب بنيانها.
ليس عبثا أن يكون أول ما أمر به الله تعالى في توجيه البشرية إليه –بعد توحيده- هو العدل: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون”، والله يؤيد الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يؤيد الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة (وقطعا هو إسلام شكلي، وإلا فقيم الإسلام هي قيم العدل)، فالعدل أساس الحكم، ولئن عاش الظلم وتبختر مدة، فهو إلى زوال قطعا، لأن من حكمته تعالى ألا يدوم الظلم، وأن يبعث الله كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها.
مرت بنا أحداث كثيرة معاصرة، على مستوى أفراد وجماعات ودول، مورِس فيها الظلم في أبشع صوره، تعذيبا وقهرا وسجنا وقتلا، لا لشيء إلا أن يقولوا ربنا الله، أو لرفضهم الظلم، أو لأنهم يريدون مصالح بلدانهم وقوتها واستقلال قرارها، فهؤلاء في نظر الملهَمين من قادتهم خونة وخارجون على القانون وطاعة أولي الأمر، ويُشَرَّع تجريمُهم وتخوينهم، وربما إخراجهم من دائرة الإسلام.
تحتاج أمتنا إلى وعي شامل، من ضمنه الفهم الصحيح لهذا الدين، ونبذ التقليد الأعمى، فالله خلق لنا عقولا لنفكر بها، وأعينا لنبصر بها، وآذانا لنسمع بها، وقلوبا لنفقه بها، وما يسمى بـ (غسيل الأدمغة) لتسير وفق من يسيِّرها تماما كريموت كنترول لهو أمر مستَهجَن منبوذ مرفوض، وهنا ندرك كيف يمارَس الظلم بأيدي أناس ظاهرهم الصلاح والاستقامة، مقتنع بما يقوم به، بلا دليل عقلي أو منطقي، إنما هو ما تمت برمجته عليه حين لعبوا بعقله ووجهوه كما يريدون، وشوّهوا صورة (الآخَر) في نظره.
ألم يقولوا عن محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر وكاهن وكذاب ومجنون؟! وقيل ذلك في حق معظم الرسل عليهم السلام، وهنا نسأل: ألم تكن عند أولئك الأقوام عقول؟ الجواب نعم، ولكن هناك تقليدا أعمى، واتباع هوى، وتحقيق مصالح قد يفوتها عليهم اتباع هؤلاء الرسل، ولكن أين مصير هذا التعتيم والتكبر والاستهزاء؟ كله إلى زوال، ولو بعد حين.
آن للظالمين أن يعلموا –خاصة في زمن العلم والتكنولوجيا- أن الأمور مكشوفة، والناس أوعى من أن تنطلي عليهم أكاذيب وخداعات، صحيح أن غالبية الناس منشغلون بقوت يومهم، وربما بعضهم قد وقع في شباك الشهوات والشبهات والهوى، ولكن سرعان ما تنقلب الأمور رأسا على عقب، وربما يؤتى الظالمون من حيث لم يحتسبوا، فـ (على نفسها جنت براقش)، “ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله”، والظلم مرتعه وخيم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock