آخر الأخبار حياتناحياتنافنون

“العاصوف 3”.. ملحمة تستحق أن تروى وأن تشاهد

مع بداية عرض الجزء الثالث من مسلسل «العاصوف»، يبدو أن هذا العمل الطموح بأجزائه سيصبح واحداً من كلاسيكيات الدراما السعودية، وتوثيقاً درامياً لتاريخ مجتمع في حالة تحول مستمر على مدار نصف قرن.

المسلسل الذي أنتجته استوديوهات mbc هو عمل ضخم انتاجياً، حيث تدور الأحداث في حقب زمنية مختلفة، ويتناول مصائر عدد كبير من الشخصيات، هذا النوع يحتاج إلى ميزانية كبيرة وبحث وتنفيذ متقن، ولكن بشكل عام، وحسب الحلقات الخمس الأولى من الموسم الثالث، ينجح إنتاج العمل ومخرجه في تقديم صورة واقعية ومقنعة بأقل التكاليف الممكنة.

كان الجزء الأول والثاني اللذان صدرا في 2018 و 2019 يدوران خلال فترة سبعينيات القرن الماضي، ويتناول حياة خالد الطيان (ناصر القصبي) وأسرته، ويركز على الصراعات داخل العائلة والغيرة بين الأخوة، كما يرصد التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها البلاد وتأثير هذه التحولات العامة على أفراد عائلة الطيان. وقد انتهى الجزء الثاني بعدد من الحلقات القوية المثيرة التي تناولت حادث اقتحام الحرم المكي في أواخر 1979، وهو الحادث الذي ترك تأثيراً هائلاً في المجتمع السعودي والعربي خلال ثمانينيات القرن الماضي، وإلى اليوم.

صعود المتشددين

يبدأ الجزء الثالث برصد بعض هذه التأثيرات، وعلى رأسها صعود المتشددين الإسلاميين من جماعة «الإخوان المسلمين» من ناحية، و«الجهاديين» من ناحية ثانية، وسيادة ثقافة التحريم والمنع وتأسيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتهديد المفكرين والصحفيين، وتنظيمات حشد الرجال للجهاد وجمع الأموال للحرب في أفغانستان، كما يرصد الوضع الاقتصادي الذي شهد صعوداً كبيراً وانتشاراً للشركات والمصانع وبناء الأراضي، وزيادة الدخول وارتفاع الأسعار..إلى آخره.

ليس معنى ذلك أن «العاصوف» في موسمه الثالث قد تحول إلى عمل تاريخي أو وثائقي، أو أن الخلفية التاريخية تطغى فيه على الدراما. على العكس، فإن أهم ما ينجح فيه العمل هو تضفير هذه الأحداث السياسية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية مع الأحداث الدرامية للأفراد من عائلة الطيان والمحيطين بهم.

الشخصية المحورية

في الموسم الجديد يواصل ناصر القصبي (بطل الموسمين الأول والثاني والعقل المفكر وراء إنتاج العمل وشكله النهائي) لعب دور الشخصية المحورية للأخ الأكبر خالد، الذي يعاني من عصبية زوجته جهير (ريم عبدالله) ومن تصرفات أخوته، ومن عيبه الشخصي الأساسي وهو حب النساء، بينما يواصل عبدالإله السناني لعب دور محسن، الأخ الغيور الذي يتحول هنا إلى موظف فاسد لا يبالي سوى بجمع المال بأية وسيلة. ويواصل حبيب الحبيب لعب دور حمود، شقيق جهير، الذي يتورط هنا في جريمة قتل بدافع الغيرة على زوجته.

تتشابك الأحداث ومصائر الشخصيات في «العاصوف 3»، دون أن يفقد السيناريو بؤرة تركيزه على الشخصية الرئيسية، خالد، ثم أفراد العائلة الأساسيين، ثم بقية الشخصيات المحيطة بهم، والخلفية العامة للمشهد، بحسابات درامية دقيقة، تشير إلى جهد كبير في كتابة السيناريو. وينجح المخرج المخضرم المثنى صبح في إدارة المشاهد والممثلين بإحكام وتمكن، يحافظ على قوة الدراما وتصاعد الأحداث والصراع، دون السقوط في فخ المبالغة أو الإفراط في استخدام أي من عناصره الفنية.

ينجح المثنى صبح وفريق عمله في نقل أجواء الثمانينيات (ويفترض أن الأحداث سوف تستمر حتى بداية التسعينيات أيضاً)، وذلك من خلال بعض التفاصيل الصغيرة في أنماط الحياة وشكل البيوت والمكاتب والشوارع والسيارات، لكن بطريقة مختزلة وغير مكلفة إنتاجياً.

«العاصوف 3» واحد من أهم الأعمال الدرامية المعروضة في رمضان، ويشكل مع موسميه الأول والثاني ملحمة تاريخية واجتماعية تستحق أن تروى، وأن تشاهد بعناية.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock