فكر وأديان

العاطفة والجهل والفتوى

د. محمد المجالي*

 

شدني إلى الكتابة في هذا العنوان كثرة التعليقات والفتاوى الارتجالية، والعواطف الجياشة تجاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما هو معروض على مواقع التواصل الاجتماعي في شبكة الإنترنت، كتبت في ضرورة التزام الأحكام الشرعية، وأن لا تقودنا العواطف. إذ فوجئت بمن يتهم العلماء بالتخاذل، خاصة إن كان هناك من أفتى لهم بحِل قتل السفير الأميركي في ليبيا مثلاً، وبأن السفراء جواسيس، وأن أميركا على وجه التحديد عدوة للإسلام، وما فعلته في أفغانستان والعراق دليل واضح على حربها ضد الإسلام والمسلمين، وأنها وراء مآسي المسلمين في البوسنة والصومال ومعظم الأماكن. وهناك كلام لا يعبر إلا عن مستوى الجهل الذي ما نزال نتخبط فيه، وضيق الأفق الذي أعمى بصائرنا وأبصارنا، ونفسية المهزوم الذي يريد أن ينتقم بأي طريقة؛ فالمهم أن يرى دماء عدوه بغض النظر عن المآلات، وبدون حساب لآثار تغيير المنكر، وهل أدى إلى منكر مماثل أو أعظم من المنكر ذاته.
صحيح أن الغرب تسيطر عليه قوى صهيونية عالمية، ومنظمات سرية ماسونية، وهناك جذور حروب صليبية مستحوذة على فكر كثير من نصارى الغرب، بل النصرانية في الغرب وفي أميركا على وجه الخصوص غزتها الأفكار الصهيونية؛ وصحيح أن أوروبا قلقة وهي تشعر بشيخوختها وزيادة عدد المسلمين فيها، وأنها قد تكون قارة إسلامية بعد عقود قليلة. ولكن علينا أن نتذكر أيضاً أن المدافعة بين الحق والباطل قديمة، وأن الاستهزاء بالإسلام والرسول والقرآن قديم متجدد. وعلينا أن نتذكر أن المصيبة الحقيقية تكمن فينا نحن؛ إذ لو كنا مسلمين حقاً لما استهزأ بنا الغرب والشرق.
نحن نعلن الحرب على الله صباح مساء بمعاصينا؛ نحن نسب الله، وعلى وجه التحديد في بلاد الشام! ونحن من كتب “آيات شيطانية”، ونحن من سمحنا لعبادة الشيطان أن تغزو بيوتنا، ونحن من نسمح للعاطفة والجهل بتحريك عقولنا بالرغم من وضوح الشريعة. ألم يكن الخوارج قديماً من قتل المسلمين، وفي الوقت نفسه يقرأون القرآن؟! ويحقر أحدنا صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، لكن قراءتهم للقرآن لا تجاوز حناجرهم كما وصفهم صلى الله عليه وسلم، ألم يسألوا ابن عباس عن دم البعوض وهل ينجّس وسيوفهم تقطر من دماء المسلمين؟! وحدّث ولا حرج عن غير هؤلاء ممن أساء بطريقة أو بأخرى إلى هذا الإسلام العظيم.
وقد عشنا عقوداً من الجهل والظلم منذ وجود الاستعمار ورحيله إلى أن جاء الربيع العربي، الذي أزال عن عيوننا الغمة، وبعث روحاً جديدة من الثقة بالنفس والمنهج، وحين استشعرنا كرامتنا وإرادتنا، وأن لا شيء مستحيلاا إن توفرت الإرادة وصح المنهج. هنا لا بد من التفريق بين العواطف والمنهج المتكامل في الإصلاح، وإعادة اعتبار الذات وتصحيح المفاهيم؛ لا بد من استثمار ما مضى بتأكيد الإيجابيات وتجاوز السلبيات، وتذكر أن سنن الله لا تحابي أحدا، فما حل بنا منذ عقود هو بأيدينا “قل هو من عند أنفسكم” (آل عمران، الآية 165)، حين عشنا الجهل الشامل، وانهزمنا روحياً، وتحكم بنا من لا يخاف الله.
ويهمني هنا أن أؤكد أن أعداءنا لن يتركوا للمنهج الإسلامي أن يسير بهناء ويسر، بل سيضعون في طريقه كل العقبات؛ في مصر وتونس والمغرب وليبيا، وربما عن قريب في الشام إن شاء الله. ولعل من أسهل الأدوات التي تستخدم ضد الإسلام هي من المسلمين أنفسهم.
وأعود للعنوان؛ إذ لا بد من التفريق بين المحارب والمسالم، وأن في ديننا أحكاما للمستأمنين، ويندرج تحت هذا المسمى السفراء والسياح والطلبة ورجال الأعمال، خاصة في زمان الانفتاح الذي لو أحسنا التصرف فيه لكان لصالحنا نحن المسلمين، حين نظهر أخلاقنا والتزامنا. إن المعايير الإسلامية هي التي ينبغي أن تسود، بل إنني أذهب إلى أبعد من هذا بأن مفهوم جهاد الطلب الذي هو وسيلة لا غاية، حين يسير مع الدعوة لحمايتها ويزيل المعيقات التي تحول بين الناس وبين سماعهم لكلمة الحق، هذا النوع الآن في ظل هذه الظروف متوقف، باعتبار أن العالم منفتح، ويمكننا تسخير الانفتاح والتكنولوجيا للدعوة إلى الله تعالى، وأجمل الدعوة وأصدقها تلك التي تكون على شكل قدوة، فهي دعوة غير ناطقة. ولعل من أكثر الشعوب المتمسكة بالإسلام الآن هي تلك التي أسلمت بهذه الطريقة، أعني جنوب شرق آسيا.
لقد أفتى بعض من يصفون أنفسهم بأنهم علماء بجواز قتل السفير الأميركي لما فعلته أميركا تجاه المسلمين، ولأنها سمحت بعرض فيلم يسيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وأتساءل: هل هؤلاء فعلاً علماء أدركوا فقه الواقع وفقه إنكار المنكر؟! وهل أميركا كلها معنية بهذا الأمر؟ هناك مسؤولون وهناك شعب، والشعب في عمومه (ويعلم هذا كل من زار الغرب أو قرأ عنه) يجهل كثيراً من تصرفات حكوماتهم، ولا ننسى الحرية التي يقدسونها باعتبار أنها التي قادتهم إلى التقدم والمدنية والحضارة (على حد قولهم). إن حرق العلم الأميركي، مثلاً، في أي مناسبة يُستغل من قبل الإعلام الصهيوني على وجه التحديد لإثارة العداوة بيننا وبين أناس هم مجال خصب لأن ندعوهم، ألم يعلم المسلمون أن الإعلام الصهيوني قد سخر مشهد مقتل محمد الدرة وإيمان حجو بأنهما يهوديان قُتلا بفعل إجرام الفلسطينيين؟!
حتى بعد الربيع العربي، هناك من الملتزمين أنفسهم من يهدد هذه الصحوة الإسلامية الشاملة. من ذلك ما قرأنا عنه في تونس من قيام بعض المتشددين بمباشرة تغيير منكرات تراكمت زمنياً، والأصل فيها التدرج والتوعية قبل تغيير المنكر. وكذلك ما يجري في ليبيا من خلط بين عاطفة وعقل بطريقة سخيفة؛ فالاحتجاج أمام السفارة شيء، وحرقها وقتل من فيها شيء آخر. وتابعوا كيف سيقود هذا الفعل إلى إساءة شاملة للإسلام كله، لا إلى ليبيا وحدها. وما جرى في مصر في سيناء هو بأيدي مسلمين وتخطيط صهيوني، تماماً كما جرى فيما سمي بغزوتي نيويورك وواشنطن، حين تحكمنا السذاجة ونفاخر بجهلنا وتقودنا عواطفنا إلى مهاوي الردى.
إن الإسلام واضح أيما وضوح في تقسيم الناس إلى مسلم، وغير مسلم مسالم، وغير مسلم حربي. وهناك منافقون نجري عليهم أحكام الإسلام باعتبار ظاهرهم؛ فغير المسلم المسالم (وهم معظم شعوب الأرض الآن) الأصل في التعامل معهم كما نريد منهم أن يعاملونا، فهو السلم لا شيء غيره، وعلينا استغلال هذا الظرف لدعوتهم، ولهم في ديارنا الأمان بشروط الدولة العامة، وإن بدا عليهم شيء من مخالفة كتجسس أو إساءة فلا بد من ترحيلهم أو تطبيق القانون عليهم باعتبارهم في عقد أمان. أما الحربي، فهو الذي بيننا وبينه حرب لأي سبب كان، ولعل نموذج الدولة الصهيونية واضح يمثل هذه الفئة، وما سوى ذلك فلا بد من الاحتكام إلى الشرع لا إلى العواطف.
أما موضوع الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو ليس جديدا؛ قوبل به الأنبياء جميعاً، وأتباعهم كذلك. وأنا هنا لا أهوّن من شأنه، بل كان من واجب الحكومات “الإسلامية” أن تستخدم علاقاتها ودبلوماسيتها في اتجاه نصرة الرسول والقرآن والمسلمين. وآن الأوان لوضع ميثاق أممي يحرّم الإساءة إلى الرموز الدينية ويجرّمها، فليست شؤون اليهود هي المقدسة المحرمة، وسواهم لا قيمة لهم. ولعل أفضل ما ننصر به رسولنا، صلى الله عليه وسلم، هو المزيد من الالتزام والوعي والحركة الناضجة بهذا الدين.

*عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية

تعليق واحد

  1. لله درك يا خال
    بداية استهمل بالصﻻة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم.
    لله درك يا عالمنا وخالنا الفاضل
    والله وكأني بك تسرد أفكاري التي جاشت في خلدي ، وﻻ أبالغ إذا قلت أنه حتى ترتيبها المنطقي طابق تسلسلها في ذهني. سبحان الله وتبارك الله عليك يا دكتور فقد أرحتنا أراحك الله من هموم الدنيا ومتاعبها وغفر الله لنا ولكم في الدنيا واﻵخرة. كفيت ووفيت يا خال… جزاك الله عنا كل خير

  2. كثر الله من أمثالك في الأمة يا دكتور
    أرجو الله وليس ذلك على الله ببعيد أن يحفظ علمائنا ويبارك فيهم , وأن ينشر المنهج الحق في الأرض وهو منهج أنبياء الله من لدن ادم الى نبينا الحبيب عليهم جميعا أفضل الصلاة وأتم التسليم, وأن ينتقم من قتلة الأنبياء وأعداء الرسل وأعداء السلم والسلام في الأرض ,لكني أرى أن ما يسمى بالربيع العربي هو كذلك مخطط مدروس بدقة عجيبة ,ويديره خبراء متخصصون ومحترفون , لكن بأذن الله (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock