أفكار ومواقف

العبرة اليمنية!

رغم سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء بدون قتال تقريباً، منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، إلا أن هذا الأمر بحد ذاته بدا مأزقاً للمنتصرين. إذ لا يكاد يكون من حليف لهؤلاء سوى الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي قاتل الحوثيين على مدى سنوات، وأهم من ذلك أنه المسؤول عما انتهى إليه اليمن، من فساد وتخلف في التنمية على الصعد كافة، عقب عقود من توليه السلطة. وهو ما يبرر، مع عوامل أخرى بالتأكيد، الاستقطاب اليمني الحالي على خطوط تماس متعددة، بخلاف ما يدعي البعض، من مثل حسن نصرالله، بأن ما يحدث في اليمن هو ثورة حقيقية، فقط لأنها مدعومة من إيران، حتى ولو جاءت بالتحالف مع الفاسدين والمستبدين الذين ثار عليهم اليمنيون جميعاً قبل سنوات قليلة!
من ناحية أخرى، فقد تعمق مأزق الحوثيين وصالح مع ما ظهر من افتراق صامت بينهما بشأن الهدف النهائي. فعقب استقالة الرئيس عبدربه منصور هادي في كانون الثاني (يناير) الماضي، وبدلاً من تولي رئيس البرلمان اليمني، المحسوب على صالح، مهام الرئاسة مؤقتاً لحين تسليم السلطة لأحمد علي عبدالله صالح، سارع الحوثيون إلى تنصيب محمد علي الحوثي رئيس أمر واقع.
رغم ذلك، فقد بدا ممكناً للحوثيين وصالح الخروج من هذه الدوامة عبر التفاوض على إعادة البرلمان الذي يسيطر عليه صالح، وبالتالي استمالة القوى السياسية اليمنية الأخرى للقبول بالأمر الواقع الذي فرضته الجماعة، ومع الحفاظ على مكاسب هذه الأخيرة.
لكن مع نجاح الرئيس هادي في الإفلات من الإقامة الجبرية ووصوله إلى عدن أول من أمس، فقد ذهب كل ذلك أدراج الرياح؛ وصار المأزق اليمني أعمق مما يحتاجه أي طرف!
فبحسب البيان الذي أصدره بعد وصوله عدن، ثم اجتماعه أمس مع عدد من القيادات العسكرية ومحافظي مدن الجنوب، تراجع هادي عن استقالته. وهو ما يبدو أمراً ممكناً طالما أن هذه الاستقالة لم تُعرض على البرلمان. وفوق ذلك وأهم تأييد كثير من القوى السياسية اليمنية لعودة هادي للتحدث باسم منصبه، حتى إن لم يكن قادراً فعلاً على ممارسة صلاحياته.
هكذا يكون اليمن قد عزز انقسامه بين شمال وجنوب مرحلياً، إنما صار برئيسين بأحسن الظروف، هادي والحوثي، إن لم يكن أكثر، بإضافة صالح الذي يسيطر -وابنه أحمد- على الجيش أو جزء كبير منه. وهنا يبدو الانقسام الآخر المربك حتى للفاعلين الإقليميين والدوليين؛ فمن يملك الجيش لا يملك الشرعية، فيما من يملك الشرعية لا يملك ولاء الجيش!
والمشكلة الكبرى أن الرئيس المخلوع وحلفاءه الحوثيين، كما الرئيس الملتجئ إلى عدن، يتحدثان باسم يمن موحد (لأسباب تتعلق بالموارد أو الشرعية)، يجب أن يكون كذلك وفق الرؤية والشروط الخاصة بكل منهما؛ وبما يعني حرباً أهلية كاملة، بخلاف الحرب المبعثرة الآن بين مناطق مختلفة.
ومع الدعم الإيراني العسكري واللوجستي للحوثيين، سيكون تنظيم “القاعدة في الجزيرة العربية”، منطقياً وكما تنبئنا تجارب أخرى، أكبر المستفيدين، بحكم أن التنظيم الأفضل خبرة عسكرية (بل يؤكد خبراء أنه أفضل فروع “القاعدة” على الإطلاق)، سيصبح ملاذ اليمنيين الرافضين لحكم الحوثيين وعودة حكم سلالة علي عبدالله صالح.
بالنتيجة، وعلى كل ما فيها من خصوصية حقيقية أو مدعاة، تلتقي التجربة اليمنية مع سواها من تجارب عربية، في تأكيد كيف يجعل الاستبداد والفساد، ولو باسم القومية العربية، “تقسيم المقسم” هو أفضل الخيارات المتاحة، بديلاً عن الموت المجاني واللانهائي للجميع!.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock