ثقافة

العتوم: الترجمة تحتاج لأنفاس طويلة.. وأول الأشياء أجملها وقعا بالنفس

ترجمة رواية "السيدة مارتا أولي" للروائية النرويجية سيجريد أوندست للغة العربية

عزيزة علي

عمان – صدر عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان ترجمة رواية “السيدة مارتا أولي”، للروائية النرويجية سيجريد أوندست، وقام بالترجمة للعربية كل من: مها العتوم وماجدة العتوم.
في مقدمتها للترجمة الإنجليزية، تقول الكاتبة والسيناريست والروائية الأميركية جين سمايلي: “عندما كتبت سيجريد أندست روايتها “السيدة مارتا أولي”، كانت في عامها الرابع والعشرين، وهي الرواية الأولى لها، قبلها كانت قد كتبت عملاً تاريخياً لمؤلف بارز في الدنمارك، لكن رفض، لذا لجأت أندست إلى الخوض في المواضيع الأكثر رواجاً في ذلك الوقت ومن ضمنها: كيف تنظم النساء حياتهن، وكيف ينظرن إلى أنفسهن، وكيفية حياتهن الداخلية من الناحيتين الذهنية والعاطفية، وكيف يتأقلمن مع محيطهن”.
ماجدة العتوم تقول عن تجربتها الأولى في الترجمة “الترجمة الأولى هي مثل كل شيء يحصل لأول مرة مثل الحب الأول والمشي الأول والكلام الأول، وأي شيء في أوله قد يبدو خجولاً ومرتبكاً، لكنه بالعمل الجاد والإصرار سيتغير ويصبح ناجحاً وواثقاً”، لافتة إلى أن أول الأشياء أجملها وقعا في النفس، فقد عملنا بإحساس جميل وحماس منقطع النظير لا يقل عن إحساسنا وحماسنا تجاه نصوصنا التي نكتبها. ولا بد من القول إن هذا أول عمل مشترك بيننا، فأعتقد أن له جمالية خاصة ووقعا مختلفا في نفس كل واحدة منا.
وحول أهم الأدوات التي يجب أن يمتلكها المترجم، ترى العتوم أن الترجمة بشكل عام سواء الأدبية أو ترجمة أي شيء أخرى، لا بد للمترجم أن يكون ملماً باللغتين اللتين يعمل في نطاقهما، اللغة الأصل المنقول منها واللغة المنقول إليها. وفي الترجمة الأدبية تحديداً، فلا بد للمترجم أن يكون مطلعاً على ثقافتين مختلفتين، الأمر الذي يجعله يأخذ بعين الاعتبار أن الاختلافات الثقافية قد تؤدي إلى اختلاف في التعبير واستخدام اللغة، وهذا بدوره يجعل الترجمة الحرفية ليست ممكنة دائماً، ولذلك يضطر المترجم إلى الزيادة أو الحذف أو ابتكار طرق مختلفة في الترجمة مثل استخدام الهوامش التي تفسر أفكاراً معينة.
وتشير العتوم إلى أن الترجمة الأدبية تحتاج إلى معرفة واسعة وموهبة حقيقية وفكر إبداعي، مشيرة إلى مقولة عميد المترجمين د.محمد عناني في كتابه “الترجمة الأدبية النظرية والتطبيق”؛ حيث يقول “إن المترجم الأدبي يجب أن يكون رهيف الحس وحاضر الوجدان”.
وعن أبرز الصعوبات التي واجهتهما أثناء الترجمة، تشير العتوم إلى أن المترجم مقيد، فهو ليس حراً، بل هو مقيد بنص مكتوب بلغة مختلفة وفق أسلوب لغوي وتراكيبي مختلف، ومستند إلى ثقافة مختلفة، ثم هو؛ أي المترجم، مطالب بنقل هذا الاختلاف كله بأمانة عالية وإخلاص تام إلى لغة أخرى وثقافة أخرى ووفق أسلوب آخر، كما أنه مطالب بتقديم نص مترجم يبدو وكأنه كتب باللغة الجديدة ليجعل القارئ منسجماً ومتفاعلاً أثناء القراءة، ليست الترجمة سهلة كما يبدو الأمر حتى للمترجم نفسه للوهلة الأولى، لأنها تحتاج إلى عمل جاد والتزام عال.
تلفت ماجدة العتوم إلى ضرورة أن يمتلك المترجم نفسا طويلا أثناء الترجمة وعدم الخضوع للملل، فلا أحد يعلم كم مرة قرأنا النص الأصلي، وكم مرة أعدنا صياغة كل جملة وكل فقرة، وكم مرة قرأنا النص مترجماً حتى صرنا نحلم به، ونصحو لنعيد كتابة جملة أو فقرة، وهذا يعني أننا أيضاً بحاجة إلى وقت طويل للقراءة والتأمل والصياغة مرات ومرات.
وتؤكد العتوم أهم الصعوبات التي تواجه المترجم الأدبي، أن هي ضرورة مراعاة الاختلافات الثقافية بين ثقافة النص الذي سيخضع لعملية الترجمة وثقافة النص الذي سيتشكل كنتيجة لمرحلة الصياغة والبناء، ومسألة الاختلاف الثقافي هي مسألة واسعة بل وفضفاضة، لأننا نتحدث هنا عن كل ما يتعلق بالنص الأصلي والنص الجديد من معتقدات دينية وعادات اجتماعية وتقاليد وأعراف، عن نمط حياة ومبادئ اقتصادية وسياسية، وحتى عن نوع الملابس ونوع الطعام، كل هذه الاختلافات قد تؤدي أحيانا إلى صعوبة أو حتى عدم قابلية الترجمة من لغة المصدر إلى اللغة المنقول إليها والتي يطلق عليها بالإنجليزية “untranslatability”، لأن مفردة واحدة إن وجدت بسبب عامل ثقافي معين، قد لا نجد لها مرادفاً في اللغة المترجم إليها بسبب الاختلاف الثقافي، هنا يصبح لا بد من اللجوء إلى وسائل ذكية لا تهمل تلك المفردة بوصفها جزءاً من النص، ولكن بحيث تكون متقبّلة لدى القارئ وليست شاذة عن السياق، فالمترجم في نهاية المطاف هو كاتب للنص ذاته، لكن بلغة مختلفة ووفقاً لقواعد لغوية وثقافية مختلفة.
وحول سبب اختيارهما لهذه الرواية، تقول العتوم “لقد تم ترشيح هذه الرواية من قبل المترجم د. وليد السويركي، فعندما عرف أننا سنقوم بترجمة عمل إبداعي سألنا إن كنا نفكر في كتاب معين لترجمته، فقد تركنا الاختيار له لأنه صاحب تجربة كبيرة ومعرفة في مجال الترجمة، وهكذا تم اختيار رواية “السيدة مارتا أولي للكاتبة النرويجية سيغريد اوندست”، فهذه الرواية لم تسبق ترجمتها إلى اللغة العربية من ذي قبل، وبذلك تكون هذه هي الترجمة الأولى التي تقدم هذه الرواية إلى القارئ العربي وتعرفه بالكاتبة سيغريد اوندست الحائزة على جائزة نوبل في الأدب العام 1928، كما تعرفه بعملها الروائي الأول، باعتبار الرواية “السيدة مارتا اولي”، أول أعمالها، والتي نأمل بأن تكون على مستوى جيد بعدما بذلناه من جهد حقيقي ومحبة حقيقية أثناء الترجمة”.
أما عن هذا العمل المشترك بينها كقاصة وبين مها كشاعرة، فتوضح العتوم أنها عملت هي ومها؛ مها بوصفها الشاعرة/ أستاذة اللغة العربية في الجامعة الأردنية، وماجدة بوصفها القاصة/ الحاصلة على بكالوريوس وماجستير في اللغة الإنجليزية وآدابها. وفي هذا تقول: “لا يمكن القول إن ماجدة ترجمت وحدها، وإن مها دققت وحدها كما قد يعتقد البعض، فلقد ترجمت ماجدة ومها، كما دققت مها وماجدة، تدعمنا دراساتنا ومعرفتنا وحبنا لفكرة العمل في مجال الترجمة، فلقد ترجمنا ودققنا معاً، كلمة بكلمة، وجملة بجملة، ثم فقرة بفقرة، وهكذا”.
وتشير العتوم إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت لهما العمل معاً لساعات طويلة كل يوم. “فلقد كنت أوضح المعنى الإنجليزي، وتصوغ مها المعنى العربي لنستخدم ما هو مناسب، ثم بحضور مها الشاعرة وماجدة القاصة كنا ننقل جو النص وإحساسه من الأصل إلى الترجمة”، لافتة إلى حلمها هي ومها بمشروع أدبي، مثل دار نشر أو مقهى ثقافي، أو حتى عمل أدبي مشترك نجمع فيه الشعر والنثر. و”لعل الترجمة جاءت إلينا بمحض حلمنا لتكون مشروعنا المشترك الأول وليس الأخير كما نرجو”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock