آخر الأخبار حياتناحياتنا

العجز عن اتخاذ القرارات.. كبار يفشلون في اختيار ما يناسبهم

ربى الرياحي

عمان – في مراحل متعددة من حياة المرء تستوقفه الكثير من الأمور التي تحتاج منه أن يكون حازما في اختياراته، قادرا على تحديد ما يراه مناسبا له، وهذا حتما كله يتطلب منه تحليل المواقف جيدا وقراءتها حتى ينجح في حسم بعض القرارات العالقة.
لكن هناك أشخاصا يفتقدون تماما السلطة على حياتهم، وكأنها لا تعنيهم أبدا لدرجة أنهم يتركون لغيرهم فرصة تشكيل حياتهم كما يشاءون ويتنازلون عن حقهم في رسم مستقبلهم والتخطيط له، وربما أيضا يخافون من تقرير أبسط الأشياء.. هؤلاء مهما كبروا يظلون بحاجة لمن يتخذ عنهم القرار ويقودهم حتى وإن أكملوا حياتهم بتعاسة.
تعويدهم منذ الصغر على فكرة أن هناك من يختار لهم ويقرر عنهم يجعلهم مستسلمين خاضعين للآخر غير مكترثين بالنتائج التي غالبا ما تخسرهم استقلاليتهم وسعادتهم.
الأربعينية مها عمر تجد صعوبة كبيرة في اتخاذ قرارات مهمة تخصها وحدها، تقول منذ أن كانت صغيرة لم تذكر يوما أنها أعطيت حرية الاختيار بل على العكس كان والداها دائما هما من يقرران عنها في كل صغيرة وكبيرة.
وتضيف خوف الأهل على أبنائهم أحيانا يؤذيهم ويسلبهم سعادتهم، وخاصة عندما يحاولون أن يعيشوا الحياة عنهم. مبينة أنها تشعر بالعجز حتى بعد مرور كل تلك السنوات ووصولها لمرحلة النضج لا يعني أبدا أنها أصبحت قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية لا يمكن لأحد مهما كان التدخل فيها وحسمها.
وتشير إلى أن الجميع معرضون لمواقف مباغتة تستلزم منهم أن يكونوا مستعدين لها يعرفون جيدا كيف يختارون المناسب لهم، وهذا تماما ما يجب تعويد الأبناء عليه، ومنحهم استقلاليتهم مع الوقوف إلى جانبهم من خلال تقديم المشورة لهم، و دون تعد على حقهم وانتزاع سعادتهم بحجة أنهم أدرى بمصلحتهم.
أما الطالبة الجامعية سحر فهي الأخرى تخاف من أن تخطئ في اختياراتها لهذا السبب تفضل دائما اللجوء لوالدتها حتى في أبسط الأمور. ولأنها تخشى الإخفاق جدا تحاول أن تستعين بمن تلقي اللوم عليه حتى لو ستكون بذلك ضعيفة وتابعة لغيرها.
سحر حتى اليوم ما تزال طفلة في نظر والدتها، وهذا يسعدها كثيرا لكونها تجد من تعتمد عليه في ملبسها ودراستها وتنقلاتها وحتى اختيارها لصديقاتها. لا تشعر بالإحراج مطلقا، بل تعد ذلك نعمة دون أدنى محاولة لتغيير ما تعيشه من رضوخ وتخلٍ عما تحب أن تختبره.
الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة يرى أن الحماية الزائدة والناتجة عن التربية الخاطئة تؤدي حتما بالطبع إلى خلق شخصية اتكالية تعتمد على الآخر في تقرير مصيرها، وهذا يجعلها أكثر استهتارا وضياعا وفوضى لكونها لم تعش في طفولتها حياة طبيعية، إضافة إلى أنها استثنيت من تحمل المسؤولية والمشاركة.
ويوضح أن حرمان الشخص من خوض التجارب واكتساب المهارات يحوله بالطبع إلى تابع لغيره ليس لديه هدف واضح في الحياة أو حتى لا يستطيع التخطيط لمستقبله بمفرده.
وحتى يتمكن الشخص من أن يكون مستقلا بقراراته قادرا على الاختيار، فمن الضروري أن يعطى في صغره مساحة من الحرية المنضبطة، وفق مطارنة، وأن يعيش جميع المراحل بشكل طبيعي، وبعيدا عن القيود الصارمة التي تفقده شخصيته واحترامه لذاته.
ويضيف، ومن المهم أن يختلط بالآخرين، ويحتك بهم وأن يسمح له بمواجهة مشاكله والعمل على حلها وبالتالي يصبح هناك شخصيات ناجحة وإيجابية قادرة على تحديد ملامح الطريق التي تريد أن تسلكه. مؤكدا أن التعرض للتجارب المختلفة والحصول على الاستقلالية وعدم الخوف من الفشل أمور كفيلة بأن توجد جيلا يؤمن بنفسه يعرف جيدا ما يريده.
ويمتلك حق تقرير مصيره سواء كان ذلك في الدراسة أو في الزواج أو في الوظيفة أو غيرها من القرارات المهمة التي تحدد سعادة الشخص أو تعاسته نجاحه أو فشله. وفق مطارنة.
ويذهب الاختصاصي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان إلى أن الإنسان بحاجة إلى اتخاذ القرارات بصورة يومية مستمرة، مهما كان موقع الشخص ومسؤولياته، فالأكل واللباس والزيارات وتغيير الأثاث أو مكانه وترتيب المنزل وغيرها هي قرارات يتخذها الإنسان.
ويقول، وقد تختلف أهمية القرارات من موضوع إلى آخر، وبعض الأشخاص لا يستطيعون اتخاذ قرار مهما كان بسيطا ويترددون كثيرا مما ينعكس سلبا على حياتهم وحياة أسرهم وزملائهم في العمل لأن عدم اتخاذ قرار يعني التخبط والجمود.
ويضيف، وعملية اتخاذ القرار هي في حقيقتها اختيار بين بدائل متعددة، ولذلك هي ليست عملية عشوائية بل بحاجة إلى التفكير السليم وتقليب الأمور.
ويبين سرحان، ان اتخاذ القرار الصحيح هو حل لمشكلة أو تفاد لحدوث مشكلة، وهذا يتطلب الإلمام بالموضوع أو المشكلة والظروف المحيطة وانعكاسات كل خيار على الشخص وأسرته وعمله، وقد يختلف القرار المناسب من ظرف لآخر ومن شخص لآخر.
ويوضح، فإذا كان القرار يتعلق بالإنفاق المالي مثلا فلا بد أن يكون متوائما مع إمكانات الشخص وإذا كان القرار يتعلق باختيار التخصص فلا بد أن يتواءم مع قرارات الشخص وميوله وليس معدله فقط.
واتخاذ القرار عملية مستمرة لا تتوقف طوال حياة الإنسان، وعليه يتوقف نجاحه أو فشله، وفق سرحان، وهنالك قرارات عادية يمكن تدارك آثارها وتعديلها وهنالك قرارات مصيرية هامة قد تؤثر في مستقبل الإنسان وحياته وليس من السهل تدارك آثارها.
ويؤكد، ومن الضروري قبل اتخاذ القرارات الهامة أن يحدد الشخص إيجابيات وسلبيات كل خيار ويقارن بينها وأن يكون ذلك بأسلوب علمي بعيدا عن العشوائية وتحكيم العواطف والنظر إلى المستقبل، ومن المهم أن يتعود الشخص اتخاذ القرارات بالتدريج، وهذا يبدأ من الصغر وهي مسؤولية الآباء والأمهات والمربين في تدريب الأطفال على التفكير واتخاذ القرارات والتدرج في الاعتماد على النفس والثقة بقدراته.
والإنسان مهما كانت قدراته قد تكون له بعض القرارات غير الصائبة، بحسب سرحان، وهذا لا يعيب الشخص ما دام اتخذ قراره بعد دراسة وتفكير والمهم أن يتعلم من أخطائه ولماذا أخطأ، وأن لا يتكرر الخطأ نفسه وأن لا يكون الخطأ سببا في اليأس أو عدم الثقة بالنفس والتردد الدائم لأن خطر التردد ربما يكون أكثر من خطر اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
ويضيف، واتخاذ القرار ليس نهاية المطاف فهو بحاجة إلى متابعة وتقييم مستمر، ليكون من الممكن تعديله وتدارك سلبياته في الوقت المناسب.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock