أفكار ومواقف

العدالة والعمل الإنساني: صراع ومصالح

 


تشكل مخيمات اللاجئين مجتمعا خاصا له قياداته التي تتشكل وتؤثر في وجهته، وقد وجهت تهم تلقفتها وسائل الإعلام إلى العاملين في المنظمات الإغاثية بالاستغلال الجنسي لأطفال ونساء في المخيمات، ولكن التقارير الإعلامية لم ترق إلى دليل يصلح للإدانة.


ويبدو أن الواقع الحقيقي، بما في ذلك الاغتصاب والهيمنة، يقوم على نظام اجتماعي غير مرئي في المخيم يعزز السلطة المطلقة للذين يملكون المال والنفوذ في المخيم.


وشكلت هذه الفضاءات الاستثنائية مع الزمن، والتي تحرم اللاجئين من حق المواطنة والعمل والسفر في بعض الأحيان، إقطاعيات يملكها شخص أو أكثر يتحكمون بالمؤن والمساعدات والأمكنة وتوزيع اللاجئين، ويصاحب عادة هذه الحالات كثير من حالات الإساءة والاستغلال، فكل شيء مباح لأولئك الذين يتحكمون بالمخيم بما في ذلك إعاقة عمل منظمات الإغاثة بل وتلفيق القصص والتهم عن إساءاتها وتجاوزاتها.


وقد نشأت مبادرات للارتقاء بالقدرات المهنية لمنظمات العمل مع اللاجئين والتعامل مع المشكلات المختلفة التي تنشأ في بيئة مثل هذه، مثل الصدمات النفسية بسبب الاعتداءات والعنف والتي يدفع اللاجئون ثمنها بصمت.


وكثيراً ما وقف خفض حجم التمويلات الدولية أو عدم كفايتها عائقاً أمام طريق تأمين معونات وافية للسكان وهم يواجهون المخاطر، وبخاصة مع وضع معايير للأعمال والمشروعات التي وإن كانت ترتقي بالعمل الإغاثي فإنها تؤدي إلى غيابه أحياناً، فهل يجب على المنظمات غير الحكومية وقف عملياتها الإغاثية تخوفاً من الخروج على المقاييس العملية المفروضة؟


بالطبع فإن عمليات الإغاثة رغم المجهود الإنساني والتضحية التي تنطوي عليها فإنها أيضا تعكس تفكك المجتمعات وعجزها عن تنظيم وإدارة نفسها وتأمين احتياجاتها، وثمة محاولات تبذل لإعادة التوازن إلى العلاقة القائمة بين المنظمات الإنسانية والضحايا وإعادة تنظيم العلاقة بين المنقذ والضحية.


وقد يكون ذلك صعباً مادامت هذه العلاقة تقوم على الاعتماد الكلي، فلا بد من إيجاد بدائل لهذا الاعتماد، ومنح السكان الذين يواجهون الخطر أملا في مستقبل إنساني.


ومهما يكن من أمر فإن النشاطات الإنسانية باتت تتغير من حال إلى حال، ومع أنها أوجدت بهدف تأمين العون والحماية لفئة من السكان، فإنها في حالات معينة قد أسهمت في إلقائهم خلف قضبان “فضاءات استثنائية” ووضعهم تحت رحمة سلطان قضائي اعتباطي، وبدلاً من أن يعلى شأن القانون والنظام الدوليين، فإن استمرار وجود مثل هذه “الفضاءات” صار يعيد إقحام الأعمال الوحشية البربرية في قلب المجتمعات كافة.


وقد دخلت إلى حيز التنفيذ منذ عام 2002 الاتفاقية التي تشكلت بمقتضاها المحكمة الجنائية الدولية، وسوف تصدر المحكمة أحكامها بشأن الجرائم بالغة الخطورة التي تقلق المجتمع الدولي بأسره، بما في ذلك عمليات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، والجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، وجرائم العدوان، وستكون محكمة دائمة، وتتمتع بسلطة قضائية عالمية.


ولكن هذه المحكمة قد تؤدي إلى مأزق يصعب الخروج منه، فمن المرجح أن يجد المتطوعون الإنسانيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام موقف قائم على التناقض، فهم إما سيضعفون قدرتهم على المساعدة إن أدلوا بشهادتهم، وإما أنهم سيوفرون الحماية للمجرمين كي يظلوا قادرين على مواصلة إسداء العون لهؤلاء الضحايا.


وتتجه منظمة أطباء بلا حدود إلى التعامل الإيجابي مع مبدأ العمل من خلال النظام القضائي الذي يقضي بأن النشاط الإنساني يقع ضمن بنية القانون الدولي، ويعتبر التعهدات الإنسانية جزءا لا يتجزأ من الكفاح ضد منح الحصانة لأولئك الذين يقترفون جرائم خطيرة.


ولكن منظمة الصليب الأحمر حصلت على إعفاء رسمي من واجب الإدلاء بالشهادة متذرعة بالسرية التي ينبغي أن تحاط بها نشاطاتها، وفي المقابل فإن منظمة مثل “هيومن رايتس ووتش” تقوم مهمتها على تقصي الحقائق ترى في التعاون النشيط مع المحكمة الجنائية الدولية تتمة منطقية لجهودها.


وبدلا من إقحام العون الإنساني ضمن أهداف محكمة الجنايات الدولية، فقد يكون من الأجدر تدارس الخروج بسيناريو يقيم الدليل على أن متطلبات المحكمة واشتراطاتها تضر بالجهود المبذولة والرامية لإسداء العون للضحايا.


[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock