آخر الأخبار حياتناحياتنا

العدوانية والإنكار ومحاسبة الآباء.. صغار “يقاومون” طلاق الأبوين

ربى الرياحي

عمان- القهر وافتقاده الأمان والإحراج من نظرات الآخرين له لكونه ابنا لوالدين منفصلين، هي في الحقيقة مشاعر تنامت داخل الطفل أحمد ناصر الذي فوجئ بخبر طلاق والديه بعد زواج دام أربعة عشر عاما.
هو وبالرغم من شخصيته القوية والمميزة وتفوقه دراسيا، إلا أنه تأثر كثيرا ولم يتقبل الفكرة أبدا، فطلاق والديه شكل أزمة نفسية كبيرة جعلته غير قادر على مواجهة الحياة والناس، وبات مهزوزا من الداخل يخشى الحديث مع من حوله تلافيا لتلك الأسئلة المحرجة والقاسية التي تذكره بمعاناته وتزيد من آلامه.
أحمد يعيش ورغما عنه اليوم حالة من التخبط والقلق، تراجعه دراسيا هو ردة فعل على أنانية والديه، حسب رأيه، باعتبارهما لم يفكرا به. رغبته الدائمة بالهروب من أقرانه وتجنب اللعب معهم سببها الخجل من أن يكتشفوا حقيقة انفصال والديه وزواج أمه التي اختارت أن تتزوج وتتركه لوالده يربيه.
الطلاق قرار يحمل بين ثناياه تبعات كبيرة تلقي بظلالها على الأبناء الذين يعدون الخاسر الأكبر، فهم وبعد انفصال والديهم تتغير حياتهم بالكامل ويصبحون غير مستقرين نفسيا واجتماعيا، ويظهر ذلك بشكل واضح في تصرفاتهم التي تبدأ تميل للعدائية والعزلة والضياع، وكلها ردة فعل على الوضع الجديد الذي فرض عليهم من دون اختيار منهم، لذا فإن هذا القرار يشعل معه معاناة الأبناء النفسية بالرغم من أنه بالنسبة للوالدين الحل الأمثل في أحيان كثيرة.
أما الأربعيني جهاد، فقد اتفق مع زوجته السابقة أن تكون حضانة طفليهما له، وذلك بعد أن فشلت بالمحافظة عليهما لكونها تعيش مع أسرتها التي ترفض تحمل مسؤوليتهما. ولأن الأبناء هم الضحايا، كانت النتيجة هي انعزال الطفلين وهروبهما من واقعهما. جهاد كأب احتضن ابنيه وأراد أن يعوضهما عن غياب الأم، لكنه لم يتوقع ذلك التأثر منهما.
شعورهما الدائم بالحزن والخوف من مواجهة المحيط، سببان جعلاهما يفضلان البقاء طوال الوقت في غرفتهما والاختباء خلف ذريعة النوم هربا من الجلوس مع والدهما، فهو في نظرهما المسؤول الأول عن الطلاق.
ولا يقف بهما الأمر عند هذا الحد، بل يلجآن في كثير من الأحيان إلى الغيرة من أقرانهما المستقرين أسريا ومقارنة حياتهما بحياة بالآخرين، مما يضاعف من إحباطهما وعزلتهما وافتقادهما مشاعر الحنان والأمان.
لمياء هي أيضا كأم بدأت تلحظ مؤخرا تغيرا كبيرا في شخصية ابنها، لا سيما بعد طلاقها من والده. تقول إن سلوكيات غريبة لم يكن معتادا عليها أصبحت تسيطر عليه لدرجة أنه بات عدوانيا يختلق المشاكل على أتفه الأسباب مع أصدقائه وأبناء أعمامه، وتتابع أنها تواجه صعوبة كبيرة في التعامل معه، فهي لم تعد تستطيع امتصاص غضبه والتحكم بردود أفعاله.
الحقد والكراهية والميل للعنف كلها أمور بدت تبرز بوضوح في شخصيته التي كانت أقرب للهدوء والثقة، مبينة أن افتقاده لوالده بعد زواجه وخوفه أيضا من فقدانها يدفعانه لأن يكون ساخطا على من حوله باستمرار.
ويرى الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة أن حدوث الطلاق يتسبب حتما في خلق شرخ اجتماعي ونفسي لدى الأبناء يؤثر عليهم كثيرا، وبالرغم من أنه في بعض الحالات يعد علاجا، إلا أن ذلك لا ينفي انعكاساته السلبية على الأسرة بأكملها.
ويضيف أن لجوء الوالدين للطلاق قرار يحمل الأبناء أعباء ثقيلة ويزعزع أمانهم واستقرارهم ويجعلهم يكبرون قبل الأوان بسبب كثرة الهموم والأحزان التي تتسلل إلى أعماقهم رغما عنهم. أزمة حقيقية رغم كل محاولات التبرير توجد لدى الابن بعض التصرفات السيئة، بالإضافة إلى أنه يصبح أكثر عدائية وميلا للانطواء والكآبة.
ويؤكد مطارنة أن تبعات الطلاق تقسم الابن إلى نصفين، لكونه مضطرا للعيش في بيئة غير مستقرة تفتقد لأحد الوالدين، وبالتالي يجعله ذلك مشتتا ذهنيا ونفسيا ويؤدي بالطبع إلى تدن واضح في مستواه الدراسي، وتغدو المشاعر السائدة لديه هي الكره والرغبة في الانتقام والاتجاه نحو الانحراف السلوكي.
ويذهب الأخصائي التربوي الأسري الدكتور عايش نوايسة إلى أن المجتمعات تمر بأزمات عديدة ومنها الأزمات والمشكلات الاجتماعية، ومن أبرزها ارتفاع حالات العنف داخل الأسرة وانعكاس ذلك على العلاقات الأسرية بشكل عام وعلاقات الأبناء مع الآباء، مما يجعلهم يشعرون بأن حياتهم انقلبت رأسا على عقب.
ويزداد شعورهم بالضيق بشكل يختلف حسب طريقة انفصال والديهم من حيث العمر ومدى قدرتهم على فهم الموضوع، إضافة إلى الدعم الذي يحصلون عليه من والديهم ومن الأسرة والأصدقاء.
التغيرات التي يحدثها الطلاق للأسرة تشمل جميع مجالات الحياة الأسرية سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية، بالإضافة إلى التغيرات التي تطرأ على علاقة الطفل بالوالدين وذلك في فترة زمنية قليلة خلال ما بعد الانفصال.
وأكدت دراسة أعدتها الأكاديمية الأميركية للصحة النفسية للأطفال والمراهقين أن الأطفال يشعرون بالخوف والارتباك نتيجة إحساسهم بأن الطلاق يهدد أمنهم وقد يعتقدون خطأ أنهم السبب وراءه، إضافة إلى ذلك قد يشعر العديد منهم أن عبء إعادة العلاقة بين الأبوين يقع على عاتقهم مما يزيد من الضغط النفسي عليهم.
وعادة ما يسبب الطلاق ردة فعل نفسية قوية على الأبناء، تسبب فقدانهم توازنهم في جانب كل من الرضا النفسي والعاطفي على الأبناء والأمهات. وعادة ما يميل الأبناء إلى أحد الطرفين وهذا يسبب مشكلات الكراهية لأحدهم من قبل الأبناء، ويتعدى ذلك إلى الاعتداء اللفظي وأحيانا الجسدي على المستقطب من الآباء والأمهات.
لذا، وجب على الآباء والأمهات عزل أبنائهم عن أي صراع أو خلاف أسري منذ البداية والتفكير بعملية الاستقرار الإيجابي لهم وعدم زجهم في أي خلافات زوجية وعند الانفصال التفكير في الجو الذي سيوفر لهم هذا الاستقرار سواء مع الأم أو الأب.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock