ثقافة

العدوان: “بوح القرى” يستقصي البيوت والعتبات ووشم الجدات ورائحة الطابون

كاتب يتحدث عن موسوعته في تدوين تاريخ القرية الأردنية


عزيزة علي


عمان – أكد القاص والمسرحي مفلح العدوان أن كتاب “بوح القرى” هو مفتتح لمشروع مؤسسي، حتى يتم البناء عليه، وتعميم فائدته، وتدقيقه، ليشمل كل جوانب المكان والإنسان، ماضيا وحاضرا.


وأضاف العدوان في محاضرة ألقاها أمس في المكتبة الوطنية ضمن نشاط “كتاب الأسبوع” للحديث عن “موسوعة القرية الأردنية: بوح القرى 2″، وأدارها الزميل د. مهند مبيضين، أنه يطمح الى الكشف عن التاريخ الذي يسكن في كل قرية، ومحفوظ بعضه في ذاكرة الكبار، والجزء الأكبر منقوش على الحجارة، ومختلط بالزيتون والتراب في كل قرية من تلك القرى.


وتحدث العدوان عن بوح مواز يأتي بعد مائة قرية، وخمس سنوات من العمل، ومجلدين حملا اسم “بوح القرى”، مشيرا إلى انه سار في هذا الدرب صامتا، ومتأملا لتلك الوجوه التي التقاها، والحجارة التي تأملها والبيوت والعتبات والنقوش والمساجد والكنائس ووشم الجدات ورائحة الطابون وذاكرة الماء وفتنة الصحراء والباب الموارب عند كل قرية بين غواية القادم والخوف على الماضي.


واستعرض العدوان الهواجس التي راودته حين كان مشروع بوح القرى مجرد فكرة، ثم كيف تبلور علما يخلط بين البحث والميدان والصياغة الأدبية، بعد عدة أشهر من الدراسة لجدواه، ورسوخ النية في انجازه، مبينا أن المشروع إطلق على صفحات جريدة “الرأي” التي تبنته، وهي “الراعي الوطني لمشروع موسوعة القرية الأردنية: بوح القرى”.


وقال “كان كل شيء معدا؛ صفحتان مكتوبتان لقرى هي “عبين وعبلين، وسبع اصير”، تتجمع في جغرافيتها دلالة الخضرة، والحياة، مع حكمة الرمل، وصبر الصحراء!! كان هذا في العام 2005، وكان كل شيء معدا للبدء، لكن يوم نشرت الحلقة الأولى من بوح القرى، كان هناك اختلاط للصفحات، مع صفحات أخرى لشهداء تفجيرات عمان”.


ونوه إلى أن نقطة البدء التي كانت بمحض الصدفة، كتوقيت، آنذاك، في تلك اللحظة، لم تترك في نفسه إلا كل إصرار على الاستمرار بالمشروع، وبقصدية عالية، ليكون ردا وطنيا موضوعيا حاسما، فيه توق لتوثيق كل ما تخبئه هذه الأرض الطيبة من تاريخ، وذاكرة، ودماء شهداء، وقصص أجداد، وآثار درست لكنها ما تزال دالة على ما كان فيها.


العدوان أكد أنه لم يرد أن يتقمص دور عالم الأنثروبولوجيا، ولا مدون تفاصيل التاريخ، أو المنقب بأدوات الباحث عن الآثار، أو الجامع للقصص والحكايات، أو الهاوي لالتقاط ما تصطاده الكاميرا من جماليات المكان.


وزاد “أنا لست مستشرقا، ولا رحالة، كما لم أكن غريبا عن تلك الأمكنة التي زرتها، فحاولت أن أعي كل ما قدم هؤلاء، وأستفيد بما يقنعني من خبراتهم، غير مصادر لدور الراسخين في تلك العلوم، ولا مستلب لمناهجهم في التعامل مع المكان والإنسان”.


وقال إنه كان يريد أن يوثق ما يراه، بلغته، وببحثه، وبعينه، وبعشقه لهذا الميدان الذي تركه منفتحا على كل مكان يمكن أن يصله، مستمعا لنبض الناس والأرض معا، ومدونا، ومصورا، ومعبرا عن كل هذا بما تيسر له من لغة ومعرفة بالبحث، واطلاع على تجارب السابقين في هذا المجال، فـ”كان لا بد من إنتاج بوح القرى بكيمياء خاصة، ولغة خاصة، ووعي خاص ومختلف”.


ورأى العدوان أن الكتابة مسؤولية، مؤكدا أنه عند كل قرية، وبعد رصد ما مر بها من أحداث، ومن سكنها من شخصيات لها أثر على التاريخ بأبعاده الضيقة، والأعم، تزداد القناعة، بأن الكتابة الأشمل والأعم للتاريخ لا تكون من دون تدوين لتلك القصص والحكايات والأحداث، التي تبوح بها كل قرية، ثم يكون من مجمل تلك الجزئيات، سردية جديدة لفسيفساء تاريخ الوطن بشكل عام، ومنه إضاءات، تصل حدّ العمق، لدول أخرى شقيقة، يجمعنا بها تاريخ مشترك.


وقال إنه عندما تتم متابعة حبات مسبحة تاريخ القرى، أول ما يكون البدء، بدلالة المكان، تسميته، وماذا كان يعرف في السابق، وما التحولات التي تم نحتها على الاسم، وما قصة التسمية، وهل تدلنا على تفاصيل تاريخ الاستقرار فيه، أو الترحال عنه.


وأشار إلى أن تجربة الكتابة في “بوح القرى”، تضعنا أمام تأمل وإعادة نظر في مفهوم القرية، وهل نستطيع أن نقول بوجود القرية، وفق المفاهيم السابقة لتعرف القرية، في ظل ما وصلت إليه كثير من قرانا درجات من التغير “وليس التقدم”، من حيث نمط البناء، وثقافة الناس، والتعداد السكاني، والتأثر بقيم المدينة، واندماجها في وسائل الاتصال الحديثة.


وتساءل العدوان ما إذا كانت القرية في هذه الحالة هي تلك القرية المتوارثة في أذهاننا؟، وبالتالي فإن الكتابة التي نجترحها هنا، قد تكون عن قرى تعيش في أذهاننا أحيانا، ولكننا عندما نتواصل معها على أرض الواقع نكون نكتب عن أطر مجتمعية مختلفة، وتحتاج إلى إعادة تعريف.


واستعرض الطريقة التي تناول فيها بوح القرى، مشيرا إلى انه تناول قصة القرية، وسيرتها الذاتية، وصور، وهوامش معرفية، وكشافات، لافتا إلى طموحه لاستكمال المشروع في عدة أجزاء أخرى، حتى يكون هناك نوع من الشمول لأكبر عدد من تلك القرى، قبل أن يضيف عليها سير المدن، وأطلس شامل لكل المناطق، مع مفاتيح تعريفية بسيطة لكل مكان، ليكون مرجعا للمهتمين من المتخصصين وغير المتخصصين.


وبين أنه كتب عن ذاكرة القرية، وأول استقرار فيها، والبنى الاجتماعية، والمهن، والتعليم، والطبابة، والآثار، والحدود، والأحواض، وعيون الماء، ومؤسسات المجتمع المدني، وتقسيمات العائلات، وقصص وحكايات الناس، وكل ما يمكن تدوينه حول القرية، مع رصد رقمي للبنى التحتية فيها، والخدمات المتوفرة كما هي حتى تاريخ كتابة البوح.


ورأى العدوان أنه لكل قرى مفاتيح، هي رسائل الزمن البعيد، حيث ذاكرة مؤاب وعمون وثمود وكنعان وأدوم والأنباط، إضافة إلى القادمين بعدهم خيولا في ربى الأردن، تركت نقوش سنابكها العربية أثرا في كل قرية وموقع هناك، ليكون فيها جزء من صياغة تاريخ المنطقة عندما حضن مدنا كانت حواضر امتدت بعد ذلك لتطال الحضارات القادمة الأخرى، كما احتوى بحكمة صمته تداعيات الخلافة الإسلامية كأنه يشكل عمقا بيئيا ومعنويا لنسيج الوفاق أو الخلاف في الحجاز.


وأشار إلى مثلث العمق الإسلامي، ومفاصل ذلك التاريخ المنسوج بين ثلاث قرى هي “مؤتة، وأذرح، والحميمة”، مشيرا إلى أن التوقف عند هذه القرى حين تكون كتابة عن تاريخ المنطقة، وليس الأردن وحده، ففي مؤتة كانت المواجهة الأولى الكبرى مع الروم، ومفتتح إظهار القوة الإسلامية زمن الرسول، في واحدة من الأحداث المفصلية في التاريخ الإسلامي، مع كل التداعيات التي تناولتها كتب التاريخ، وشكلت مدماكا أوليا على طريق الفتوحات الإسلامية.


وخلص العدوان إلى أن هناك كثيرا مما لا بد الحديث عنه من تاريخ وذاكرة وسير وتفاصيل، إذ إنه في كل قرية هناك مضافة، ربما تكون مهملة الآن، لكنها في مرحلة ما كان يتشكل فيه الموقف السياسي والاجتماعي والثقافي، وكانت المواقف يتم التعبير عنها هناك.


وكان د. مهند مبيضين أشار في البداية إلى أن الأردن في حاجة ماسة إلى موسوعة بوح القرى التي تتحدث عن القرى الأردنية. وبين أن العدوان أنجز خطوة مهمة في هذا المجال “وأتى لنا في هذه الموسوعة بقصص الناس وأساطيرهم وحكاياتهم القروية”، لافتا إلى أن الكاتب يستخرج التاريخ من صدور هؤلاء الناس مشكلا صورته النقية الخالية من أي تشوهات، فـ”أهالي القرى هم شخوص العدوان في هذه الموسوعة في زمن أصبح الاهتمام بالقرى قليلا”.


 [email protected]

تعليق واحد

  1. ابدعت وتميزت
    تحية لك يا استاذ مفلح العدوان على هذا العمل الرائع والمحكم في النص والصورة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock