ترجمات

العراق: الكثير من الذهب الأسود والقليل من الازدهار

تقرير خاص
(الإيكونوميست) 16/6/2012
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
تعد خطوط الأنابيب التي تمتد إلى الخليج بالقرب من مدينة البصرة بإغراق العراق بالثروة، وبتحويل البلد إلى واحد من أكبر مصدري البترول في العالم. وفي الأثناء، تقوم الشركة الأسترالية؛ لييتون أوفشور Leighton Offshore، بتركيب عوامات إضافية لتحميل النفط من أجل تعبئة الناقلات النفطية بالخام العراقي الوفير. ويدعي البلد بأنه يمتلك احتياطات تصل إلى 143 بليون برميل؛ أي أضخم ثلث في العالم. وفي نيسان (أبريل) الماضي، قام العراق بتصدير ما يصل إلى أكثر من 2.5 مليون برميل في اليوم؛ أي أكثر من أي وقت منذ ثمانينيات القرن الماضي، ما أكسب الخزينة 9 بلايين دولار تقريباً. ويبلغ إجمالي الإنتاج راهناً ما هو أقل من 3 ملايين برميل يومياً، وفق منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) التي تعد نادي منتجي النفط. وثمة المزيد من عوامات التحميل قيد الإنشاء. وفيما تستثمر شركات نفطية بلايين الدولارات في العراق، فإن الصناعة تزدهر. ومع حلول نهاية العام، كما يقول بيتر هيتشنز؛ المحلل في بنك “إتش إس بي سي”، فإن الإنتاج سيصل إلى 3.5 مليون برميل في اليوم: في جرعة من النفط الجديد لتهدئة الأسواق الكونية.
وتبقى أهداف إنتاج العراق أكثر جسارة وتطلعاً. ويقول حسين الشهرستاني؛ نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة، إن ثمة عقوداً مع شركات نفطية أجنبية، والتي يجب أن ترفع الإنتاج إلى رقم غير مألوف يبلغ 12 مليون برميل في اليوم مع حلول العام 2017، وهو مستوى من شأنه أن يضع العراق على قدم المساواة مع المملكة العربية السعودية، وكلاهما مصدر للنفط إذا حافظت أسعار الخام على ارتفاعاتها الأخيرة -كقوة إنفاق كونية.
لكن من غير المرجح أن يقترب العراق من ذلك. فقد أمضت المملكة العربية السعودية 80 عاماً في بناء صناعتها النفطية، مستفيدة من السلام والاستقرار النسبيين. لكن العراق لا ينعم بأي من الأمرين. وما يزال العنف الطائفي يعصف بالبلد. وقد أفضت سلسلة من التفجيرات التي وقعت يوم 13 حزيران (يونيو) الحالي إلى مقتل أكثر من 80 شخصاً. وتسند حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي ظهرها إلى ائتلاف ضعيف. ورغم مرور أعوام من المفاوضات، فإن العراق لا يتوافر على قانون بترولي، ما يترك نزاعات صعبة وشائكة بين الحكومة الفدرالية والأقاليم حول السيطرة على العوائد النفطية. وفي الأثناء، يقول كيث مايرز، المستشار في معهد “ووتش” الذي يعمل مع البرلمان العراقي على وضع القانون النفطي: “لقد حدث كل هذا التقدم الأخير على خلفية سوء في الأداء”.
ورغم أن بترول البلد الخام وفير واستخراجه رخيص الكلفة، يستطيع العراق بالكاد توفير الميزة التي لطالما أملت بها الشركات النفطية الأجنبية، مثل “بي بي” و”رويال دتش شل” و”لكويل” عندما وقعت صفقات لتطوير حقوله الكبيرة. ومن الممكن أن تعيق حالة القلاقل والجريمة عمليات هذه الشركات. وقد اختفت بين عشية وضحاها سيارات الشحن التي كانت تستخدمها واحدة من الشركات لإجراء مسح زلزالي مؤخراً. وفي الأثناء، يسم الكسب غير المشروع الكثير من عقد الصفقات. وقد صنفت مجموعة الشفافية الدولية؛ المجموعة النشطة التي تتخذ من برلين مقراً لها، العراق في المرتبة 175 من أصل 182 بلداً في مؤشرها لمقاييس الفساد في العام الماضي. وتستقصي الشركة الأم لليتون ما إذا كانت دفعات غير قانونية قد قدمت من أجل تأمين عقود في العراق.
وباستثناء الخط الساحلي الضيق بالقرب من البصرة، فإن العراق يظل محصوراً في اليابسة. وعليه، وبعيداً عن عوامات التحميل الجديدة، فإن أي زيادة في السعة التصديرية ستعتمد على خطوط الأنابيب التي ينبغي أن تمر بالبلدان المجاورة. وثمة واحد يمكن مده من كركوك إلى كيهان؛ الميناء التركي، ولكن بصعوبة. أما الخيارات الأخرى فهي أكثر صعوبة. وفي الأعوام الأخيرة، تحدثت الحكومتان في بغداد ودمشق عن مد خط أنابيب جديد إلى بانياس على الساحل السوري، لكن الحرب في سورية تجعل ذلك الأمر غير مرجح في الوقت الراهن. وكان خط أنابيب يمتد إلى ميناء في العربية السعودية قد أغلق عندما قام العراق بغزو الكويت في العام 1990. وفي الوقت الحالي، تستخدمه المملكة العربية السعودية لنقل الغاز الطبيعي، ولن تتركه لصالح نفط منافس.
وهكذا، سيجعل عنق الزجاجة الخاص بالتصدير من أهداف الإنتاج الطموحة للعراق بعيدة المنال. ويتنبأ السيد هيتشنز بأن يصل الإنتاج العراقي إلى 7 ملايين برميل في اليوم مع حلول نهاية العقد -وهو ارتفاع كبير، لكنه يبقى أقل مما تنتجه أميركا اليوم. وعند نقطة معينة، يخطط العراق للعودة والانضمام إلى نظام المحاصصة المعقد في منظمة أوبك، وهو ما قد يفضي أيضاً إلى تحديد الصادرات أكثر فأكثر.
وثمة موضوعان آخران ينطويان على احتمال تقويض الإنتاج العراقي. يعتقد بعض المحللين بأن إيران؛ المنتج المنافس الذي تعصف به العقوبات على نحو متزايد، قد تعمد إلى استخدام نفوذها لإشعال فتيل المزيد من القلاقل في العراق. ولكن، هل يرضى العرب العراقيون بأن يهدموا ازدهارهم الخاص بالفعل من أجل إفادة الفرس الذين يشتركون معهم في الدين؟ وفي الأثناء، وقع إقليم كردستان العراقي الشمالي الذي يتمتع بالحكم الذاتي عشرات من العقود النفطية مع الشركات الأجنبية خارج رقابة وسيطرة الحكومة المركزية. ومع أن المنطقة تتوافر على نفط أقل مما يتوافر عليه الجنوب العراقي، لكن اتفاقيات المشاركة في الإنتاج المعروضة على المستثمرين تبقى مغرية أكثر بكثير. وكانت شركة “إكسون موبيل” قد وقعت في العام الماضي عقوداً لاستكشاف النفط في عدة مجمعات، معتبرة أن الصفقة جيدة بما يكفي للمجازفة بتعريض نفسها للاستبعاد من الحقل النفطي غرب القرنة في جنوبي العراق. ويتحين منافسون عديدون الفرص لعقد صفقات مشابهة.
ويعتقد القادة الأكراد بأنه مع وجود شركات كبيرة قيد الانخراط، فإنهم سيستطيعون بناء صناعتهم النفطية الخاصة. وقد اقترحت الحكومة الإقليمية في أفغانستان مد خط أنابيب جديد إلى تركيا، ما يسمح بتجاوز ذلك الذي يعود للحكومة المركزية، لكنه يمكن النظر إلى هذا الإجراء كخطوة نحو تحقيق الانفصال الكردي والتخلي عن العراق الفدرالي، وخلق المزيد من القتال الطائفي. وقد تكون تركيا غير راغبة في دعم هذه الخطوة، على الأقل على ضوء مشكلة سكانها الأكراد المثيرين للقلاقل. ورغم ذلك، يدعم بعض رجال الأعمال النافذين في تركيا هذه الخطة. وقد يعتمد منع بناء هذا الخط من الأنابيب في نهاية المطاف على موافقة الحكومة المركزية على آلية لاقتسام العوائد وتمرير قانون للنفط. لكن فرص تحقيق ذلك تبقى بعيدة المنال.
وحتى مع المزيد من الإنتاج، يبقى العراق بعيداً عن ضمان تأمين ثروات هائلة على الغرار السعودي. ورغم رخص كلفة استخراج النفط لديه، فإن صندوق النقد الدولي يشير إلى أن سعر النفط الذي يحتاج إليه العراق لتمويل إنفاقه العام يزيد على 100 دولار للبرميل؛ أي الأعلى في المنطقة. وقد انزلقت الأسعار أصلاً إلى ما دون تلك العتبة. وإذا استمر الإنتاج العراقي في الصعود، فإن ذلك قد يفضي إلى المزيد من انخفاض الأسعار.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Lots  of black stuff

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock