;
السلايدر الرئيسيترجمات

العراق: “لا حياة لنا من دون ماء”

صفاء خلف* – (أوريان 21) 11/11/2021

نقص حاد في المياه، جفاف وتصحّر، وارتفاع في عدد العواصف الغبارية، وانقراض للمواشي.. العراق يواجه أزمة بيئية غير مسبوقة، قد تهدّد حتى وجوده نفسه، في ظلّ ارتفاع متزايد لعدد النازحين المناخيين.
* * *
عَرَض شُبان عراقيون في كانون الأول (ديسمبر) 2020 أعمالاً فنية تُعبّر عن هُمومهم البيئية، وقد كُتب على إحدى اللوحات: “لم تعد لدينا ليال مرصعة بالنجوم”.

وكانت تلك إشارة نادرة إلى أزمة التغيّر المُناخي التي تهدد حياتهم، حيث باتت سماء العراق تُمطر غباراً وملوّثات، ولم تعد تهب بلاد ما بين النهرين مطراً وفيراً ينقذها من جفاف وشيك.

اقرأ المزيد في ترجمات

من أبرز الاعترافات بالكارثة المستقبلية ما أقرّ به رئيس الجمهورية، برهم صالح بأنه “سيتضرر سبعة ملايين عراقي فعلياً من الجفاف والنزوح الاضطراري” جرّاء التغير المناخي. ومن المفارقة أن يحتفل العراق هذا العام 2021 بمرور قرن على تأسيس دولته الحديثة بالتزامن مع تحديات بيئية تهدد وجوده.

فخلال 100 عام فقط، باتت منظومته البيئية على وشك الانهيار، وتناقص مستوى تدفق المياه في أنهاره التاريخية إلى أقل من العُشر. وبعد أن سجلت في العام 1920 تدفقاً بمقدار 1.350 مترا مكعبا/ ثانية، أصبح التدفق أقل من 150 مترا مكعبا/ ثانية في العام 2021.

تناقصت تدفقات المياه إلى العراق على نحو متسارع بعد العام 2003؛ أي منذ شروع تركيا وإيران في احتكار المصادر الهيدرولوجية، فتقلصت المساحات الخضراء وتوسعت الأراضي المتصحّرة، ما أسفر عن ارتفاع عدد العواصف الغبارية في عموم البلاد التي باتت تمتد على مدار 220 يوماً في العام.

تعدّ المنطقة الجنوبية والغربية من إيران ذات الأغلبية العربية منطقة النشاط الغُباري الأقوى، بعد أن عمدت السلطات هناك إلى تجفيف الأنهار والروافد الذاهبة إلى العراق، كمسعى لاحتكار المياه وتحويلها إلى أداة سياسية.

وتتوقع المراصد البيئية الدولية أن تصل موجات العواصف الرملية والترابية خلال الأعوام العشرة المقبلة إلى 300 عاصفة في العام، لتضرب غالبية أرجاء العراق. ويمكن لهذا النشاط الغباري المُدمر أن يُنهي الحياة الزراعية والتجمعات السكانية.

التلوث يُسرّع الجفاف

يعيش نحو ثلث سكان العراق في الأرياف. وبجفاف الشبكة المائية، فإن الوجود التاريخي للمدن الواقعة على ضفاف نهري دجلة والفرات أو الروافد والأنهر المتفرعة منهما لن تعود له قيمة.

وستتفكك وحدة البلاد بفعل الصراع البيئي ونقص الموارد وقسوة التغيرات المناخية. ويضع مؤشر الإجهاد المائي العراق عند مستويات النُّدرة الخطيرة، بمعدل 3.7 نقطة من إجمالي خمس نقاط (علما أن خمسة يشير إلى أقصى مستوى للندرة).

وسيصل هذا المؤشر في العام 2040 إلى 4.6، ما يعني جفافاً تاماً وشمساً مُحرقةً وبيئةٍ سامة.

من جهتها، لا تعترف المؤشرات البيئية الحكومية بأن العراق يسهم بمشكلة احترار المناخ العالمي، بخلاف ما تقوله وكالة الطاقة الدولية من أنه مسؤول عن حوالي 8 % من انبعاثات غاز الميثان العالمية الناتجة عن استثمار النفط والغاز. وغاز الميثان، وهو ملوث مناخي شديد الفعالية، مسؤول عن 25 % من الاحتباس الحراري العالمي، إذ يحبس الحرارة بمقدار 83 مرة أكثر من أي ملوثات دفيئة أخرى.

وبالفعل، كثيراً ما تَتَجول سحائب من غاز الميثان في أجواء العراق بسبب الاستخراج غير النظيف للبترول. في تموز (يوليو) 2021، كشفت شركة “كايروس” (Kayrros) التي مقرها باريس والتي تحلل بيانات الأقمار الصناعية لوكالة الفضاء الأوروبية لتعقب الانبعاثات، أن حقلاً غرب البصرة أطلق الميثان بمعدل 73 طناً في الساعة، عقب انبعاثين آخرين للميثان في أواسط حزيران (يونيو) الماضي في منتصف المسافة بين البصرة وبغداد، بمعدل 181 و197 طناً في الساعة.

وعلى وجه التقريب، يوازي إطلاق 180 طناً من الميثان/ الساعة احتباساً حرارياً يُحدثه متوسط الانبعاثات السنوية لأكثر من 200 ألف سيارة في المملكة المتحدة، وفقاً لتعليق بلومبيرغ على الحادث.

من جهتها، تؤكد وزارة البيئة أن البلد يقع في قلب التأثيرات العنيفة للظاهرة التي ستؤدي في العقدين المقبلين إلى تدمير البيئة العراقية وجعلها غير قابلة للحياة بسبب الزيادة المفرطة لدرجات الحرارة، وقلة الأمطار، ونقص المياه السطحية والجوفية، واشتداد حِدة العواصف الترابية، والتصحر، وتعرية التربة، وفقدان التنوع البيئي. ويعني هذا كله تراجعاً في المساحات الزراعية وتحطماً لسلاسل الأمن الغذائي.

هدر للثروة المائية

ينفق العراق ما يفوق 63 % من موارده المائية على الزراعة من دون أن يسد حاجته المحلية من المحاصيل، ويعتمد غالباً على الاستيراد من الخارج، ما يعني أن هناك هدراً مائياً لا تقابله وفرة إنتاجية.

ويُشدد رئيس لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب العراقي، سلام الشمري، على أن “تقنيات الزراعة في العراق بدائية، حيث لم تستخدم وزارتا الزراعة أو الموارد المائية التقنيات الحديثة للرّي من أجل ترشيد الاستهلاك، ولذلك لدينا هدر كبير في المياه مع ضعف في الناتج الزراعي”.

تشكل الزراعة نحو 4 % من الناتج المحلي الإجمالي للعراق، وتسهم بنحو 20 % من سوق العمل، غالباً في الأرياف. وبسبب تأثيرات المناخ وتناقص المياه واشتداد النزاعات المسلحة، انخفض الإنتاج الزراعي بنحو 40 % منذ العام 2014.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ثلثي مُزارعي العراق كانوا يستطيعون الوصول إلى مصادر الريّ قبل ذلك العام.

لكن هذه النسبة انخفضت بعد ثلاثة أعوام إلى 20 % فقط، ما تسبب أيضاً بفقدان 75 % من الثروة الحيوانية، كالأغنام والماعز والأبقار.

وإضافة إلى الهدر الزراعي، يخسر العراق سنوياً نتيجة التبخر الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة نحو 14.7 % من مخزوناته المائية، وهو معدل مرتفع جداً قياساً إلى معدلات الاستهلاك الأخرى.

وعلى سبيل المثال، تهدر بحيرة الثرثار -وهي الخزان المائي الصناعي الأعظم في العراق- تبخراً بأكثر من 50 % من مياهها المخزونة. أما منطقة الأهوار، وهي أكبر مسطحات مائية طبيعية وأراض رطبة تراثية في الشرق الأوسط، فيهدر منها التبخر نحو 75 مترا مكعبا في الثانية يومياً، وفقاً للإدارة المحلية لقضاء سوق الشيوخ (جنوب الناصرية) التي رصدت ضياع 4.5 مليار متر مكعب من المياه جرّاء التبخر وارتفاع الحرارة في صيف العام 2017 فقط، وكأن العراق مرجل حراري غاضب.

سيكون ارتفاع درجة الحرارة في العراق خلال الأعوام المقبلة بمعدل درجتين مئويتين، أي أعلى من معدل ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية المقدر بـ1.5 درجة، وفقاً للتقرير المرعب الذي أصدرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

وغالباً ما تتجاوز درجات الحرارة في العراق 53 درجة مئوية صيفاً، خصوصاً في المناطق الجنوبية المُنتجة للنفط، فتتسبب في هلاك المزروعات والمواشي، وقتل التنوع الإيكولوجي في مياه الأهوار، ورفع إمكانية تسمم المياه الصالحة للشرب؛ حيث أصيب 140 ألف شخص في مدينة البصرة بالتسمم في صيف العام 2018. فضلاً عن اندلاع آلاف الحرائق سنوياً، حيث سجل رسمياً إلى حد الآن في العام 2021 نحو 14.715 حريقاً.

الجواميس في طور الانقراض

تُعد الجواميس إحدى أهم الثروات النادرة لسكان الأهوار، لكنهم باتوا اليوم على وشك فقدانها إلى الأبد. فبسبب الملوحة وارتفاع درجات الحرارة، نفقت أعداد كبيرة منها. وبحسب آخر التقديرات الحكومية، فقد انخفض عدد الجواميس من 1.2 مليون رأس إلى أقل من 200 ألف رأس.

وقد كافح العراق طويلاً من أجل إدراج الأهوار التاريخية على لائحة التراث العالمي في 2016. وربما كانت تلك وسيلة ناعمة لضمان أكثر تدفق ممكن للمياه لحماية موقع أثري من الاندثار، ولكن يبدو أن هذه المنطقة الموغلة في القدم باتت اليوم على حافة الموت.

فقد وصلت نسبة الملوحة في أنحاء مختلفة من الأهوار إلى “مستوى خطير من التلوث الفتاك نتيجة الجفاف”، ما أدى إلى “تسجيل هجرة واسعة للسكان المحليين من الأهوار الوسطى، وبات حيوان الجاموس عُرضة للانقراض”، وفقاً لحديث د. جاسم الأسدي، الاستشاري في منظمة طبيعة العراق المعنية ببيئة الأهوار.

الزلازل تُسبب الجفاف

كما أن الزلازل والهزات الارتدادية التي باتت تضرب العراق منذ عامين نتيجة اختلال الطبقات الأرضية، جعلت مخزون الآبار والبحيرات ينخفض إلى مستويات خطيرة، كالانخفاض المتسارع لمنسوب بحيرة ساوة التاريخية في صحراء محافظة المثنى (جنوب غرب العراق). فالبُحيرة الآخذة بالجفاف تغذيها مكامن مياه جوفية تمتد تحت المنطقة الغربية.

ويُفسر مدير بيئة المثنى، يوسف سوادي جبار، ندرة المياه في (ساوه)، بأن “الهزات الأرضية أدت إلى غلق القنوات والمجاري الجوفية والعيون المائية التي تغذي البُحيرة”، فضلاً عن “التبخر الناتج عن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة”، لذا باتت “البُحيرة معرّضة للجفاف الكلي”.

وتعاني محافظة المثنى شحا مائيا مزمنا. ولأن غالبية سُكان المنطقة يعتمدون على الزراعة، تسببت الندرة المائية في جعلهم تحت خط الفقر الوطني، ولذلك بدأت مجموعات ريفية في النزوح عن المنطقة، بعد أن سجل 22 موقعاً في المحافظة نقصاً مائياً في المناطق الأكثر نشاطاً وزراعة، حيث نزحت في العام 2019 وحده 132 عائلة عن المنطقة.

ويعلّل محافظ المثنى أحمد منفي هذا الوضع، بقوله: “يضربنا الجفاف وقلة سقوط الأمطار منذ 10 أعوام، لذا أصبح مزارعونا عاطلين عن العمل (…) ولأن الدولة لم تنجح في توفير مياه كافية، ارتفعت نسبة الأمية والبطالة، وباتت مؤشرات الفقر تصل إلى 52 %، وهي الأعلى بين محافظات العراق”.

أما مكتب وزارة التخطيط في المثنى، فيشير إلى أن نسبة بطالة الريف بلغت 75 %، بينما انخفضت في المدينة إلى 23 %، مع ارتفاع معدل حجم الأسرة الواحدة في المحافظة إلى “ثمانية أفراد”.

المزيد من النزوح في بيئة متدهورة

لأول مرة، وبدءاً من العام 2020، بدأت منظمة الهجرة الدولية التي تراقب وتتابع تَنامي مصفوفة النزوح الداخلي في العراق بسبب النزاعات المُسلحة، تُنتج مصفوفات رقمية وتقارير هجرة مُستقلة خاصة بالنزوح على أساس التغيّر المُناخي وندرة المياه، وخصوصاً في مناطق وسط وجنوب العراق.

وهكذا تأكد في العام 2019 نزوح 21.314 شخصاً من 9 محافظات وسطى وجنوبية بسبب شح المياه وارتفاع نسبة الملوحة وتفشي الأمراض المنقولة عبر المياه في 145 منطقة. وقبل ذلك، رُصد نزوح 20.000 شخص من التجمعات الزراعية في العام 2012.

بينما أكدت منظمة اليونسكو أن أكثر من 100 ألف نسمة من سكان شمال العراق نزحوا عن قراهم بسبب النقص المائي الحاد بين العامين 2005 و2009.

كما يستعد سكان عدة قرى في ديالى (الشمال الشرقي) للنزوح كذلك من أراضيهم التاريخية التي توارثوها عبر أجيال، بسبب شح المياه وموت المزروعات التي يقتاتون منها، ومثلهم سكان قرى أخرى في محافظة واسط (في الجنوب الغربي والتي تبعد 100 كلم عن ديالى) حيث سيتركون الزراعة وتربية الجواميس، وينطبق الحال نفسه على قرى أخرى في محافظتي ذي قار وميسان.

تشكل المحافظات الأربع شريطاً زراعياً طويلاً بمحاذاة نهر دجلة، محصورة شرقاً بالأراضي الإيرانية التي تتدفق منها الأنهر والروافد التي تغذي النهر والأهوار. وتعد محافظة ميسان (في الجنوب الشرقي) حتى الآن أكثر المناطق تضرراً بالجفاف، حيث سُجل فيها 58 منطقة تضرر ونزوح.

ويشكو السكان -وهم خليط من فلاحين مستقرين في أراض زراعية وصيادي أسماك ومربي جواميس يعيشون في الأهوار- من تدني مستويات المياه التي تصل إليهم، فضلاً عن رداءتها.

ويتساءل سالم، وهو شاب يمتهن صيد الأسماك في أهوار ميسان: “تريد الدول التي تملك المياه نفط العراق. ونحن كمواطني بلد نفطي، لم نستفد منه شيئاً، وحياتنا متوقفة على المياه. فلماذا لا تعطي لهم الحكومة النفط مقابل المياه؟ لا حياة لنا من دون ماء”.

ويشاطره كريم حطاب، رئيس اتحاد فلاحي ميسان، الرأي بقوله: “حتى الأسماك في الأهوار انتحرت (…) والثروة الحيوانية انتهت، ولا توجد مياه كافية، فلماذا يبقى الفلاحون والصيادون في أرض ميتة؟ أغلبهم نزحوا إلى المدينة حيث لا يوجد عمل”.

ويُخشى أن تتسبب نُدرة المياه في اختفاء أقدم مجموعة دينية من سكان العراق الأصليين، وهم الصابئة المندائيون الذين يعيشون في منطقتي البصرة وميسان.

فتدفق المياه العذبة مهم بالنسبة لطقوس هذه الجماعة التي تقول بأن جذورها تعود إلى يوحنا المعمدان. وبنضوب الأنهار الجارية، فإن القلة الصامدة قد تضطر إلى الهجرة.

ويؤكد د. قيس السعدي، وهو باحث وشخصية مندائية رفيعة، ورئيس الرابطة المندائية في ألمانيا، أن “عدد من تبقى من المندائيين في العراق لا يتجاوز 6 آلاف فرد، أي 10 % من مجموع الصابئة العراقيين في العالم”.

قد تكون محافظة ديالى الواقعة على الحدود الإيرانية (في الشمال الشرقي) نموذجاً آخر يجمع بين عوامل التغيّر المناخي والحصار المائي. فتلك المنطقة تملك حوضاً زراعياً خِصباً، لكنها الآن مُدمرة بيئياً، بعد أن أغلقت إيران نهر سيروان (يُسمى محلياً نهر ديالى) الذي يُغذي المدينة وبساتينها.

ويقول حيدر عبد اللطيف، رئيس شعبة زراعة بعقوبة: “للجفاف أضرار بليغة جداً عندما تتجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية، ما يعرّض المزروعات إلى ضربة شمس قوية تؤدي إلى تيبّس الغطاء السطحي العلوي للأشجار والنباتات واحتراقها”.

الآن، باتت عشرات القرى في محافظة ديالى منكوبة، ويعاني سكانها شح المياه والتصحر وموت المزروعات. أبو محمد يبلغ من العمر 55 عاماً، وهو مزارع مخضرم من قرية الأميلح، وهي واحدة من 25 قرية في بلدة المنصورية يستعد مواطنوها للنزوح منها.

ويصف أبو محمد الأوضاع المتردية هناك قائلا: “الروافد جفّت تماماً، ليس لدينا ماء لا لسقي الأرض ولا حتى للاستعمال الشخصي. بتنا نعتمد على مياه الآبار، وهي مالحة وسيئة للغاية. القرية كلها ستضطر إلى الهجرة والنزوح إلى مناطق أخرى”.

وسوف تؤدي هجرة الزراعة إلى تجريف البساتين وبيعها لتصبح أراضي جرداء، وهو ما بات شائعاً في عموم العراق، ما يعني المزيد من تقلص المساحات الخضراء التي تخفف من تسارع الانهيار المناخي وارتفاع درجات الحرارة. وفي الأثناء، يعتقد مسؤولون محليون في ديالى، بناءً على ما يراه سكان القرى، بأن الحكومة الاتحادية تهملهم عمداً لإجبارهم على الهجرة، من أجل إحداث تغيير ديموغرافي مستقبلاً، وتغيير التنوع الثقافي السكاني في مناطق شرق ديالى المحاذية لإيران.

العنف المناخي المسلح

تعترف الحكومة الاتحادية ببغداد في وثيقة التنمية الوطنية (2018-2022) أن العراق بات ضمن “دائرة علاقة سلبية مزدوجة بين البيئة والنزاعات المسلحة”، وأن “ذلك أدى إلى تلوّث بيئي وأضرار جسيمة ألقت بتأثيراتها على الاقتصاد والمجتمع والفرد”.

استخدم تدمير البيئة المحلية والمياه كسلاح ضمن أسلحة النزاع المسلح في العراق، لا سيما من قبل تنظيم “داعش”. فهناك كميات ضخمة من المياه أهدرت على شكل فيضانات مصطنعة، وأتلفت بها مساحات زراعية كبيرة.

كما ضاع مخزون مائي مهم بلا فائدة، فعم الجفاف في مناطق شمال بغداد حتى مدينة الموصل، وتقلّصت مساحة الأراضي المزروعة إلى النصف في العام 2018. وقد أرغم الجفاف والنزاع المسلح شمالاً 400 عائلة في ذي قار (جنوباً) على النزوح والهجرة في العام نفسه.

كما يمكن أن تكون ندرة المياه محرّكاً للعنف والصراع، لا جزءاً منه فقط. فمنذ أن استخدم تنظيم “داعش” المياه لمنع تقدم القوات الحكومية نحو مناطق نفوذه، عبر غمر الأراضي الشاسعة المفتوحة بالمياه والتسبب بفيضانات، باتت مناطق أسفل بغداد تعاني الجفاف، فاندلعت نزاعات قبلية على مصادر المياه في جنوب البلاد.

وأصبحت مناطق العراق السفلى تصلها كميات أقل من المياه وبجودة رديئة، بعد أن تقطع مئات الأميال. ولذلك، غالباً ما يندلع قتال دام بين العشائر على حصص المياه، أو يُقتل موظفون حكوميون ممن يتولون مهمة توزيع تلك الحصص.

وبذلك، فإن العسكرة الجديدة القائمة على التدهور البيئي، والتي يُمكن تسميتها بـ”العُنف المُناخي”، تمثل مستوىً عالياً من الخطورة مع تزايد نسب الفقر والبطالة، والزيادة السكانية غير المنضبطة، وعجز الدولة عن خلق وظائف جديدة، وتنامي مؤشرات الفقر وطنياً، وتراجع نصيب الفرد العراقي من الناتج المحلي الإجمالي في ظل الانكماش الاقتصادي نتيجة جائحة “كوفيد -19”. ومن الممكن أن تُجند الجماعات المسلحة والميليشيات مزيداً من العاطلين عن العمل والمزارعين الغاضبين.

دولة عاجزة

بشكل عام، يعاني العراق ضعفا في حزمة التشريعات والقوانين المتعلقة بالمياه أو صيانة البيئة، فهو لا يمتلك قانوناً وطنياً لإدارة الموارد المائية أو الحفاظ عليها، على الرغم من وجود مسودة مشروع قانون مُعطلة منذ العام 2016.

وعلى الرغم من مشاركة العراق في المؤتمر التاريخي للمناخ الذي عُقد في باريس في العام 2015، إلا أن الصراع السياسي في البلاد منع بغداد من الانضمام إلى “اتفاق باريس للمناخ” حتى أوائل العام 2021، وهذا مؤشر على أن ملف البيئة يأتي في ذيل الاهتمامات الحكومية.

جاء ترتيب العراق وفقاً لمعيار كفاءة الأداء البيئي في المرتبة 116 من مجموع 180 دولة، ولذلك حاول العراق مؤخراً، بمعونة دولية، أن يعالج إخفاقاته البيئية عبر إطلاق خطة التكيّف الوطني لمكافحة تغيّر المناخ في أواخر 2019 على مدى 36 شهراً، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وبتمويل مخفض لا يتناسب وحجم الكارثة البيئية، بقيمة 2.5 مليون دولار، منحها صندوق المناخ الأخضر. ولكن، حتى آب (أغسطس) 2021، لم تتحقق أي من أهداف الخطة، وبات العراق يُصنف كخامس أكثر الدول تعرضاً على مستوى العالم لشح المياه والغذاء وارتفاع درجات الحرارة، بحسب تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للبيئة.

ابتزاز سياسي

كما بات التغير المناخي يُستخدم كأداة سياسية أو وسيلة للابتزاز، مثلما يفعل الأتراك والإيرانيون مع العراق. فقد قامت طهران بتدمير البيئة الريفية في منطقتها الغربية التي تسكنها غالبية عربية مُعارضة ومحاذية للعراق، وذلك عن طريق تجفيف الأنهار والروافد من أجل “استنقاذ” المياه الداخلة إلى بلاد ما بين النهرين، بحجة أنها تعاني من موجات جفاف داخلية حادة استدعت نقل المياه إلى مدن إيرانية أخرى، وعلى هذا الأساس ترفض التفاوض مع بغداد.

يقول وزير الموارد المائية العراقي، رشيد الحمداني: “طلبنا مراراً من إيران التعاون معنا وإعادة فتح المجاري المائية نحو العراق، على قاعدة مبدأ تقاسم الضرر.

ولكن للأسف، لم يستجب الإيرانيون. (…) كما طلبنا تنظيم اتفاقية فنية مائية مستقلة عن الاتفاقية السياسية المبرمة بين البلدين في العام 1975، لكنهم لم يستجيبوا لهذا أيضاً. ولذلك اتخذت الوزارة قراراً بتدويل مشكلة المياه مع إيران ورفعها إلى المجتمع الدولي وإلى المحاكم الدولية”.

ولم تجد الحكومة حلاً لمواجهة الابتزاز والتعنت الإيراني والتركي والغضب المناخي، سوى بخفض حصة الفرد العراقي من المياه إلى أقل من 250 مترا مكعبا بدءاً من صيف 2021، بعدما كانت تقدر بنحو 2.400 متر مكعب في العام 2004.

وقد تناقصت الوفرة المائية بقسوة خلال 15 عاماً، حتى وصلت إلى أقل من 500 متر مكعب في العام 2019. ويفترض المتحدث باسم وزارة الموارد المائية، عون ذياب، أن “هذا التقليص لا يشكل قلقاً، فالكثير من دول الجوار تعتمد هذه الحصة لمواطنيها”.

ولكن، يبدو أن أعواما قاتمة مليئة بالتحديات المُناخية الصعبة تنتظر الشبان الحالمين الذين رسموا لوحات وصمموا أشكالاً فنية متفائلة لمستقبل بيئي أفضل في العراق.

*أُنجز هذا التحقيق بدعم من “مؤسسة كانديد” Candid Foundation.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock