أفكار ومواقف

العربية، كلغة ثانية..!

كثيراً ما أصادف في عملي بالترجمة موضوعاً وضعه شخص عربي، مكتوباً بالإنجليزية وتُراد ترجمته إلى العربية. وما ذلك لغاية مبررة، مثل إعداد الموضوع لجهة أجنبية، أو لأن المُؤلف جهبذ في الإنجليزية وضعيف بالعربية –حسب معرفتي بالخلفيات والأشخاص في بعض الحالات. إنه فقط شيء للعرض، أو ربما تجسيد لعقدة نقص. وغالباً ما يكون عدة محررين قد تدخلوا لإخراج النسخة الإنجليزية بشكل حسن –أو وضعوا هيكلها أصلاً- فقط ليُرسل الموضوع إلى مترجم يعيده إلى العربية. أما كيف يمكن أن يرتاح أحدٌ مع لغة ثانية أكثر من لغته الأم، فشأن عربي عجيب آخر!
وأيضاً، كثيراً ما تنتج المؤسسات والجهات العربية موادها وبياناتها الإعلامية بالإنجليزية، وتُرسلها إيضاً إلى مترجمين. وفي الأصل، ينبغي أن يبدأ كل شيء في مكان عربي أو من شخص عربي بالعربية، ثُم يُترجم إلى اللغات اللازمة حسب الحاجة. ويصعب تصوُّر كاتب ألماني أو جهة ألمانية، مثلاً، ينتجون أي شيء بغير الألمانية أولاً، حتى مع قلة المتحدثين بالألمانية قياساً بأهل العربية. بل إن أي ابن لأصغر قومية أو لغة لن يُنشأ بغير لغته الأم، بغض النظر عن قلة متداوليها أيضاً. أما العرب الذين يحسدهم أصحاب القوميات الصغيرة على كثرتهم وسعة الجمهور المحتمل لإنتاجهم، فيحوّلون لغتهم الأم إلى لغة ثانية طوعاً وبلا داعي على الأغلب!
بالإضافة إلى “النخب” وغرامهم بكل شيء سوى الوطنيّ، هناك العاديون المُغرمون أيضاً. فإذا أرسلتَ إلى أحد بريداً ألكترونياً بالعربية، ردّ عليك بالإنجليزية، في إيحاء بالتعالي والاستخفاف. وقد تأملتُ باستغراب متكرر فشلي في استدراج كثير ممن أراسلهم إلى الرد على العربية بالعربية، فيصرون على الرد بإنجليزية كثيراً ما تكون ركيكة. وأفكر أحياناً بأنني أنا المخطئ، أو الطرف ضعيف الحجة في هذا الحوار!
الذي يحدث أننا نشهد جيلاً يتكوّن لا يعرف العربية ولا الإنجليزية، وإنما يضيع في الما-بَين. وليس الما-بَين الخلاف بين الثقافات المفروض على المغتربين، وإنما الما-بَين المشوه الناجمُ عن غربة مرَضية في الوطن. وهو يتصل فيما يبدو بضبابية الهوية وافتقاد اليقين، ويعبر عن نفسه بالتوتر الشخصي، ويمرُّ بإنكار الذات القومية وازدرائها، ولا ينتهي بالتعبيرات العنيفة والعدوانية وكراهية كل شيء.
استعمال العربية كلغة ثانية في موطن العربية يُضيف فقط إلى نفس المشكلة التي يريد اليائسون الهروب منها. وتماماً مثلما يعتقد البعض بأن حلَّ أي شيء لا يُمكن أن يأتي من هنا، وأن طرفاً خارجياً يجب أن يُهرع للمساعدة، فإن البعض يعتقدون بأن مجرد استعمال لغة أخرى سينقلهم فعلاً من خانة المتخلفين إلى خانة أهل الحضارة السائدة. ولا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً. يمكنك أن تعيش عمرك في الغرب، وتتحدث الإنجليزية بأحسن من أصحابها، وسيظلون يقولون عنك: العربي. لن ينتج خلع الجلد سوى كائن مسلوخ الجِلد فقط. والأحرى أن يعتني المرء بجلِده، ثم يتزيّا عليه بما يشاء من الأزياء إذا استقر الأصل.
رُبما يتحدث المرء عن كثرة أصحاب الإنجليزية كلغة “أم” هنا كآية رزق للمترجمين. لكن المترجم قد يشعر بالكثير من القهر وهو يعمل على ترجمة نص أو تصريح كان أحرى بصاحبه أن يكتبه للعرب بالعربية، بينما كان يجب أن يصرف الوقت والجهد على ترجمة شيء مفيد كتبه الآخرون بالإخلاص الطبيعي للغاتهم التي هي ماهياتهم، وتركوا لنا خيار النضال مع نصوصهم إذا وجدنا فيها ما يفيد. كما أن الذي يكتب بالإنجليزية، فيما لا لزوم له، لا يخدم شيئاً سوى مزيد من الاغتراب عن ماهيته.
هذا التنكر للعربية، وما يحيط به من محاولة التنصل غير المفيدة من رموز الهوية الثقافية والحضارية الأصلية، لن يفيد المتبرم بأحوال العرب في إصلاح أحوالهم وحالِه. إنه أقرب إلى استشراق الذات والحط من قدرها على يد صاحبها، بما يزيد فقط من تهافت هذه الذات ويفاقم الانفصام الفردي والجمعي الذي يقتلنا الآن. وليس ثمة خير يمكن تصوره في تمييع المرء هويته وتحويل نفسه إلى هلام، فيكون كالغراب الذي قلّد مشية الحجل، فلم يتقنها ولم يستطع استعادة مشيته، فأصبح أقبح الطيور مشياً!

تعليق واحد

  1. الحل السحري
    كلام صحيح، لكن لا يوجد لغة عربية اصلا في الوقت الحالي، خذ على سبيل المثال، لمن يهمه الأمر، TO whom it may concern. والادهى عندما يحاول انصاف المتعلمين استخدام عبارات مترجمة بغباء على شاكلة اخيرا وليس اخر. وهي ترجمة لعبارة.last but not at least. والمصدر معروف ترجمة مصرية للكتب الانجليزية…حان الوقت لاكتشاف اللغة العربية…

  2. الكتابه
    أعتقد بأن الموضوع يعتمد أولآ على الموضوع وثانيآ على الناس الممكن تقرأ الموضوع . خذ مثلآ موضوع المثليين ، فلو كتب هذا الوضوع بلغة إنجليزية حتى من قبل شخص عربي فأنه سيصل عدد اكبر من القراء فيما لو كان مكتوب بلغة عربية. وألأمر نفسه ينطبق على مواضيع اخرى كثيرة مثل الطب ، وعالم الفضاء ،وألأختراعات ، والأكتشافات ….إلخ .لذلك لا إعتقد بأنه إذا واحد عربي يكتب بلغة إنجليزيه هو إنتقاص للغة العربيه. برفسور إدوارد سعيد وبرفسور وليد الخالدي من اشهر برفوسرات في أمريكا كلاهما يجيد العربيه بطلاقه الا انهم يكتبون بل إنجليزيه وذلك لأيصال الرساله لأكبر عدد من القراء وخصوصآ بأن المسوحات الميدانيه تدل على ان العرب يقرأون القليل ألأيسر.

  3. من الحبة قبة
    أظن أستاذ علاء أنك عملت من الحبة قبة. من الناحية العلمية فإن إجادة أكثر من لغة مفيد لتنمية القدرات العقلية، كما أن الحديث باللغة الثانية (يعني الانجليزية في حالة العرب) يساعد الشخص في أن يكون أكثر جدية وأكثر انتباه وهذا مثبت علمياً.
    اللغة أيضاً نمط ثقافي، فاللغة الانجليزية أميل إلى الجمل القصيرة والمباشرة بينما العربية أميل إلى الإطالة والزخرفة الكلامية والمواربة، ولذلك قد يجد البعض أن اللغة الانجليزية أدق في التواصل وأكثر تقريرية. أظن أنك كمترجم تعلم جيداً أن ترجمة نص عربي إلى الانجليزية قد يعني حذف كثير من المحتوى الزائد (ما يسمى بالانجليزية blah) والاختصار.
    هناك أيضاً الطباعة فالبعض يتعلم الطباعة بالانجليزية وهي أسهل دون أن يجيد الطباعة بالعربية، ولذلك عندما تأتيه رسالة بالعربية على الموبايل أو الأيميل يرد بالانجليزية.
    ولا تنسى أن البعض يقرأ بالانجليزي أكثر من العربي بسبب أن كثير من المعرفة والمعلومات متوفرة بالانجليزي لا بالعربي – حتى الأدب والسينما وغيرها من الفنون أكثر غزارة بالانجليزي منها بالعربي – والأهم أن كثير من التعليم هذه الأيام يعتمد على ما هو مكتوب بالانجليزية خصوصاً في المجالات العلمية مثل الطب والهندسة والكيمياء.
    باختصار مش بالضرورة أن يكون السبب عقدة نقص!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock