أفكار ومواقف

العرب في مهب قمة جديدة

يدخل العرب قمتهم اليوم في تونس وسط حالة غير مسبوقة من التشظي والانقسام على الأولويات والخلاف حول هوية الأصدقاء والأعداء. وأيضا في ظل قرار لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعترف بالسيادة لإسرائيل على الجولان، رغم أنها أرض محتلة، وهو القرار الذي جاء بعد قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة. كما يترقب العرب “الإفراج” قريبا عن صفقة القرن قريبا، وهي التصور الذي يحسبه ترامب نهائيا لتخليص المنطقة من صراع قرن كامل.
حجم التوقعات من القمم العربية كان دائما متدنيا لدى الشارع العربي، لكنه في هذه المرة يقترب من الصفر، فلا أحد يتوقع أي شيء من هذه القمة. نعلم أن كلمات الزعماء ورؤساء الوفود سوف تركز بالتأكيد على رفض سياسات واشنطن تجاه المنطقة، ورفض قراراتها الأخيرة، ولكن في واقع الحال، سوف تبقى العواصم العربية مرتهنة للهيمنة الأميركية، ولن تجرؤ على معارضة فاعلة للقرارات.
الأردن، والذي أدار حملة دبلوماسية كبيرة خلال الأشهر الماضية رفضا لصفقة القرن ولقرار ضم الجولان، وللتغول الإسرائيلي على المقدسات في القدس المحتلة، يجد نفسه مضطرا لبذل جهود كبيرة مع العواصم العربية حول تحديد الأولويات. ففي حين ترى عواصم عربية، خصوصا المؤثرة منها، أن التهديد الإيراني يقف في قمة أولوياتها اليوم، وضرورة التعامل معه وفق منطلق التهديد الوجودي، ما يزال الأردن يؤمن أن حل الصراع العربي الإسرائيلي هو مفتاح إنهاء الأزمات في المنطقة.
موت حل الدولتين تنظر إليه عمان على أنه محاولة جدية لتغييرات كبيرة ستطال جميع دول المنطقة، وتحاول أن تضخ الدماء في هذا الخيار من جديد. لكن الدول العربية تبدو بعيدة جدا عن هذا الاهتمام، فهي تغرق بأزماتها الداخلية، فالدول الخليجية منقسمة داخل بيتها نتيجة الأزمة القطرية، ومصر غارقة بأزمة اقتصادية طاحنة ومحاولة استعادة الأمن، والسودان والجزائر واليمن وليبيا غير مستقرة ، وكل دولة أخرى لديها من الأزمات الداخلية ما يحتم عليها التعامل معها، حتى لو غابت عنها مركزية القضية الفلسطينية.
هذه القمة فشلت من اللحظة الأولى في محاولة إطلاق رسالة قوية لكل من يراقبها، وتمثل هذا في فشل العرب بترميم بيتهم الداخلي حين تم وضع “فيتو” أمام عودة سورية إلى مؤسسة القمة. كان يمكن لخطوة مثل هذه أن تعبر عن رغبة عربية في الإمساك بزمام الأمور، وأن الوضع الراهن يتطلب سياسات جديدة ينطلق فيها العرب من تحالفات المصالح التي تمليها عليهم اللحظة التاريخية الفارقة التي يجدون أنفسهم مضطرين فيها إلى التعامل مع إدارة أميركية يمينية رهنت جميع قراراتها لصالح إسرائيل والصهيوينة، وهي لن تتوانى عن إطلاق أي وعود جديدة أخرى لتثبيت التفوق لدولة الاحتلال، ولعقود طويلة قادمة.
الثوابت الأردنية صمدت حتى اليوم من أن تؤثر فيها الضغوطات العديدة التي مورست من قبل جهات كثيرة. على العرب أن يلتفتوا قليلا إلى الصوت الأردني، فهو لا يعبر، فقط، عن مخاوفه على الأردن، بل يرى رياحا عاتية تهب على دول المنطقة جميعها، ويخشى فعليا من تغييرات واسعة في الحدود والديمغرافيا.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock