أفكار ومواقف

العرب والإعلام الجديد

قبل أقل من عام، كان الفهم العربي الجمعي يصنّف كثيرا من مواقع الإنترنت، وخصوصا مواقع التواصل الاجتماعي، على أنها “مساحات شبابية”، لتفريغ الطاقات، والعبث؛ بريئة ومشبوهة.
ومع إعلان التونسي محمد البوعزيزي عن انطلاق الربيع العربي الجديد، تغيرت نظرة العرب إلى هذه المواقع، خصوصا أن كثيرا من محتواها تغير كذلك، فغدت واحدا من مصادر الأخبار القليلة المتوفرة عن سير مجريات الثورات العربية.
في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، وقبلها بأشهر في إيران، وفّرت مواقع التواصل الاجتماعي؛ فيسبوك، تويتر ويوتيوب، زخما معلوماتيا كبيرا عن مجريات الأحداث في تلك البلدان، مزودا في كثير من الأحيان بالصورة الثابتة أو المتحركة (الفيديو)، ما منح هذا النوع من الإعلام دفعة كبيرة من المصداقية.
غير أن النجاح الاستثنائي للإعلام الجديد، أو البديل، كما اصطلح على تسميته، تجلّى بشكل استثنائي خلال ثورة السوريين الأخيرة. فكلما كان النظام سلطويا وبوليسيا، كلما كان هذا الإعلام أكثر فاعلية وجدوى في إيصال الحدث إلى الجمهور.
النظام السوري الذي نجح في جعل بلده منطقة مغلقة أمام الفضائيات ووكالات الأنباء والمراسلين الصحافيين، فشل في السيطرة على الفضاء الإلكتروني، فتهاوت الرواية التي بناها، وحاول تسويقها لتسويغ العنف الذي قابل به الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحرية والكرامة، بعدما ظهرت الصورة غير القابلة للدحض.
قدرة السوريين على أن يُخرجوا ثورتهم الشعبية من محيطها القطري إلى العالم أجمع من خلال عشرات الآلاف من الأخبار والصور والفيديوهات، مثّلت واحدا من النجاحات الكبيرة للإعلام البديل في العالم، خصوصا في منطقة يخضع فيها مجرد الكلام إلى الرقابة والحذف والتحرير.
في المقابل، كانت وكالات الأنباء والفضائيات الكبرى؛ العربية والعالمية، لا تجد سوى “ناشطين” يزودونها، صوتيا، بأنباء، في معظمها عامة ومن دون دسم، ما استدعاها إلى الذهاب باتجاه المحتوى الذي يوفره الشباب السوري على مواقع التواصل الاجتماعي، ليكونوا بذلك قادرين على تمكين مشاهديهم من الحصول على أخبار تمتلك مصداقية أكثر من الناشطين شهود العيان الذين يكونون في الغالب من دون أسماء.
كذلك، فإن المواقع الإخبارية على الإنترنت استفادت من هذا المحتوى لأجل أن تبقي متابعيها على اتصال مباشر بكل ما يجري في سورية.
الفضائيات العربية، وفي محاولة منها للحاق بـ”ثورة الإعلام العربي البديل”، فتحت المجال، من خلال قنوات خاصة، أمام السوريين وغيرهم ليبعثوا أخبارهم وصورهم وأفلامهم إلى تلك المحطات مباشرة، وليمثل ذلك المحتوى ما يشبه “الخبر الخاص” لتلك الفضائيات، تتجاوز من خلاله معضلة عدم السماح لها بالعمل على الأرض.
المسألة المهمة في هذه المعادلة، هو أنه إذا كانت الفضائيات التي تبث على مدار الساعة، لمست مدى القصور الذي تعانيه في مواجهة الإعلام الجديد، وحاولت أن تستنبط طرقا للالتفاف على هذا القصور، فما هو واقع الصحافة الورقية التي تنتظر الصباح دائما من أجل تقديم وجبتها للقارئ؟
لقد بدت الصحافة الورقية العربية خلال الأشهر الماضية متخلفة كثيرا عن الركب، وتتسم ببطء الاستجابة لمتغيرات المعادلة الإعلامية الجديدة بين “المزوِّد” و”المستَهدَف”، وظلت تقدم الأخبار بوتيرتها المعتادة من غير أن تحاول التغيير في نمط أو نوعية المواد المنشورة.
الصحافة الغربية كانت سبّاقة في تلمس هذه المشكلة منذ سنوات، ولذلك أخذت على عاتقها تغيير خطابها، من مجرد إعلام ناقل للخبر، نحو إعلام تحليلي تفسيري واستقصائي على أيدي خبراء متخصصين في مناطق الخبر في العالم.
الصحافة العربية المطبوعة اليوم، مطالبة بأن تغير من آليات عملها، لتستطيع الاستجابة لمتطلبات العصر الذي فرضته وسائل الاتصال الحديثة، وبغير ذلك ستجد نفسها خارج معادلة المنافسة.. وخارج التاريخ.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock