أفكار ومواقف

العرب والحداثة

المشيخات والإمارات والممالك نمط خاص من التنظيمات، لا تجده في مكان آخر من العالم إلا في ثقافتنا ومحيطنا؛ على رأس كل واحدة منها ملك أو أمير أو شيخ، يساعده بعض الأقارب والمقربين، ويتخذ كل القرارات نيابة عن التابعين لهذه الوحدة السياسية الاجتماعية الدينية العرقية.
وحتى في النظم التي حملت مسميات حداثية، كالجمهوريات والملكيات، فإن الحال لا تختلف كثيرا؛ فقد غيرت في الظاهر وأبقت على جوهر علاقاتها القبلية.
للمشيخات والإمارات والممالك العربية جذورها التاريخية التي أكسبتها هويتها الجديدة؛ فهي نظام هجين تولد عن التزاوج بين القبيلة والدولة إبان الاستعمار وأشكاله التي تراوحت بين الحماية والوصاية والانتداب.
في عالمنا الغريب هذا، يملك الشيخ، بمسمياته المختلفة، السلطة والمال والجاه. فله المجد؛ يعطي ويمنع؛ ويخضع كل شيء لإرادته، فهو نصف آلهة، دائما يرى ما لا يراه الناس، ويتحلى بصفات فوق آدمية تدعو الرعية له بطول العمر وتعيش تحت هاجس الخوف بأن تفقد حكمته.
جميع الهياكل الحداثية في المجتمع الهجين، من مؤسسات وسلطات وتشريعات وبرامج وموازنات وحقوق وواجبات، لا معنى يذكر لها؛ فإرادة الراعي فوق كل التنظيمات ذات الطابع الشكلي. إذ إن الإعلام أحادي الاتجاه، يحمل خطاب الموالاة، ولا يحتمل التعدد، ويتجاهل آراء العامة. والإقتصاد تحت هيمنة السياسة، ولا فرصة له للازدهار بصورة مستقلة عنها.
في غابر الأيام، ويوم كان شيخ القبيلة قريبا من أفرادها وملتصقا بهم؛ مطلعا على شؤونهم، يشعر بهم، ويشترك معهم في معاناتهم وهمومهم.. يشاركهم في المجد والعز والمكانة والثراء، كان النظام أكثر فعالية وتأثيرا وقبولا. أما هذه الأيام، فقد استفاد الزعماء وولاة الأمر من التكنولوجيا والثراء في إقصاء أنفسهم عن مشكلات مجتمعاتهم، وتوظيف كل الموارد اللازمة لتوفير كل ما يحلو لهم؛ داخل أو خارج حدود ولايتهم.
شعوب النظم الهجينة يتطلعون لنماذج الدول الحديثة، وما يتمتع به مواطنوها من حقوق، بكثير من الحسرة والتأسي، ولا يملكون أن يجاهروا برغبتهم في التغيير. ويحيط الولاة أنفسهم بحواشي تزين أفعالهم، وتنتج خطابا يجمل الإجراءات ويدعو الرعايا إلى شكر المولى الذي أنعم عليهم بما هم فيه.
المنافقون والوصوليون يتسابقون في التزلف والتقرب، من خلال إظهار مواهبهم في المديح والطاعة والخضوع، وتلبية رغبات ولاة الأمر، واستقراء رغباتهم. فينصرف جهد الأمة إلى صراع لتبديل الطواقم، بدلا من البحث في أسس التقدم. فيما الإصلاح والتحديث مسألة خطابية لا أكثر، الغاية منها تجميل صورة الأنظمة في عيون المراقبين، لتبدو حداثية المظهر. لذا، يأتي الحديث عن التدرج وإصلاح التشريعات وتطوير  البنى التي لا تؤثر على جوهر بناء القوة داخل النظم في شيء.
النظم الهجينة لا ترغب في التغيير، وتحاول تجديد نفسها من خلال توظيف سلالات من خدموها، وتقريبهم باعتبارهم تلاميذ لمدارس أسرهم التي دربتهم على كيفة التعامل مع ولاة الأمر ومخاطبتهم وخدمتهم، تاركين جانبا كل ثقافتهم الحداثية للتواصل مع العالم الحداثي عند الحاجة.
يستخدم الدين والتقاليد والفتاوى والبنى التقليدية، كأعمدة يؤسس عليها، ويشار إلى وجودها ويعمد إلى صيانتها عند كل مفصل، لتقف في وجه التغيير، باعتبار أن التغيير يحمل في طياته بذور فناء هذه النظم؛ فيحرص الولاة على الطقوس الدينية بالقدر الذي يظهر إيمان الولاة بما تؤمن به العامة.
الأفراد الذين يعيشون في مجتمعات كهذه يعانون من الانفصام، تتجاذبهم رغبات التغيير والإسراف في نقد الواقع سرا، والثناء عليه علنا. وهم تواقون إلى العيش في مجتمعات تمنحهم فرصة الإحساس بالمواطنة الفاعلة، في مجتمع يحترم كرامتهم، ويأخذ برأيهم، ويحافظ على حقوقهم، ويصون المصلحة العامة. الانتماء في المجتمعات الهجينة شكلي وظاهري، والبنى السياسية والإدارية، وحتى الاجتماعية، هشة وقابلة للانهيار، كما حصل في العديد من المجتمعات العربية.

*وزير سابق

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock