أفكار ومواقف

العرب ومعركة إيران النووية

قبيل ايام من نزع إيران أختام الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن منشآتها النووية واستئنافها لاحقا أبحاثها في هذا المجال، كان الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، يطلق تصريحات نارية باتجاه إسرائيل واليهود، وبالتالي باتجاه الغرب بعامة، بدءا من دعوته إلى محو إسرائيل عن الخارطة، مرورا بإنكار المحرقة النازية لليهود (الهولوكوست)، ووصولا إلى دعوة اليهود إلى إنشاء دولة أخرى في أوروبا، وتحديدا في ألمانيا والنمسا.


للوهلة الأولى، بدا التفسير المنطقي الوحيد لتصريحات الرئيس الإيراني غير المسببة، وكما استنتج محللون غربيون، متمثلا في أنها تصريحات للاستهلاك المحلي، ربما تأتي في إطار صراع قوى داخلي. كما يمكن أيضا تفسير هذه التصريحات باعتبارها وسيلة للتغطية على عجز الرئيس نجاد عن تنفيذ وعوده التي حملته إلى سدة الحكم بشكل مفاجئ، والتي هي في الواقع وعود داخلية أساسا، تتصل بمعيشة المواطن الإيراني، فقرا وبطالة وغير ذلك، ولا تمت باي صلة إلى إسرائيل!


لكن الحكم على مدى دقة هذا التفسير وشموليته يستدعي استكمال بقية أجزاء الصورة الإيرانية في إطارها الإقليمي الذي يشمل دولا عربية في الاساس. فسريعا جدا عقب تصريحات الرئيس الإيراني المنكرة للمحرقة بكل ما اثارته من استياء عالمي، كان خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، يعلن من طهران تأييده لإيران ووقوفه إلى جانبها! وبعد أيام قليلة من ذلك أيضا، كان الرئيس الإيراني ذاته يقوم بزيارة إلى سورية، ويلتقي بالإضافة إلى القيادة السورية، الفصائل الفلسطينية (العشرة) المعارضة للسلطة الوطنية الفلسطينية، والأمين العام لحزب الله اللبناني. وفي إطار هذه الصورة الشاملة نسبيا، ألا يبدو من الممكن القول إن تصريحات الرئيس الإيراني النارية إنما كانت موجهة إلى الشارع العربي قبل الإيراني، وأنها كانت تهدف -من ضمن ما تهدف- إلى دغدغة المشاعر العربية، وبما يمثل رأس جسر نحو عمق استراتيجي عربي يتشكل من خلال التحالف مع رموز المقاومة والصمود العربية، ولا سيما حماس المقاومة في فلسطين بكل وزنها العربي والإسلامي، وحزب الله المحرر والمقاوم في جنوب لبنان، وصولا إلى سورية التي تقف في وجه الهجمة الأميركية والغربية التي تستهدفها كآخر معاقل الصمود العربي!


الاستنتاج السابق يقتضي منا بالضرورة الإجابة عن سؤالين رئيسين مترابطين: هل تؤيد الشعوب العربية، ولا سيما الغالبية التي تلتف حول حركة حماس وحزب الله وسورية، البرنامج النووي الإيراني، والذي لا بد وأن يتجاوز الأغراض السلمية التي يصر المسؤولون الإيرانيون على أنها الأغراض الوحيدة للبرنامج؟ وفي حال كانت الإجابة عن السؤال السابق هي “نعم”، فإن السؤال الثاني الحتمي هو: هل تقبل الشعوب والأنظمة العربية، على السواء، دفع الثمن المستحق لقاء هذا التأييد، والأخطر أن تخوض مع إيران، وغالبا بالنيابة عنها، معركتها النووية مع الغرب والعالم؟!


في الإجابة عن السؤال الأول، لا بد من القول إن أولى الخطايا تتمثل في مدخل “إيران الإسلامية في مواجهة إسرائيل الاستيطانية”، وأنه يحق لإيران بالتالي امتلاك سلاح نووي أسوة بإسرائيل ولمواجهتها، وبما يشكل رصيدا استراتيجيا عربيا بحكم هوية هذا السلاح “الإسلامية”. فمثل هذا المدخل يفترض ابتداء وانتهاء تحالفا إيرانيا-عربيا لا تنفصم عراه، رغم أن تاريخا طويلا من العلاقات ينبئ بخلاف ذلك تماما؛ وإذا كان كثيرون لا يستذكرون جزر أبو موسى والطنب الكبرى والطنب الصغرى الإماراتية، فإن الصراع على العراق وعروبته حاضر بما لا يقبل أي شك أو جدل! وهو صراع يكثف أهم عوائق إيجاد تحالف حقيقي عربي-إيراني مستقبلا نتيجة للبعد الديني الطاغي في السياسة الإيرانية تجاه جوارها العربي، فيما يكاد هذا البعد يختفي على المستويين الدولي والإقليمي غير العربي، كما تشهد على ذلك صفقات السلاح مع الولايات المتحدة وإسرائيل في عهد المرشد الأعظم للثورة الإيرانية، آية الله الخميني!


كثيرون في العالم العربي، ولا سيما تحت ضغط القوى الإسلامية الصاعدة وتأثيراتها، لا يتقبلون احتمالية أن يكون السلاح النووي الإيراني القادم تهديدا جديدا يضاف إلى خطر وتهديد السلاح النووي الإسرائيلي، كما أنه وعلى قاعدة “عدو عدوي صديقي”، قد يبدو مغريا للبعض التحالف مع إيران النووية كإجراء تكتيكي مؤقت على الاقل؛ هذا إن لم يدر في خلد ذاك البعض تصور حول بناء تحالف أو تكتل إقليمي مع إيران يقف في مواجهة الولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة تحديدا! لكن هنا تحديدا يبرز التناقض الحاد بين العرب وإيران، لتتجسد حقيقة أن نقاط قوة إيران هي ذاتها نقاط ضعف العرب وانكشافهم في مواجهة المجتمع الدولي!


في أغلب التحليلات الغربية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، سواء صدرت عن مراكز دراسات أو باحثين معتدلين أو متطرفين، يبدو العامل المشترك هو عدم جدوى الخيار العسكري لمنع تقدم هذا البرنامج أو شله نهائيا، بل هناك خشية من ان تؤدي هكذا مغامرة أميركية أو إسرائيلية إلى نتائج عكسية تماما، سواء على المستوى الداخلي الإيراني أو على المستوى الإقليمي. لكن حصانة إيران ذاتها تجعل من أي بقعة تشكل مجالا حيويا أو عمقا استراتيجيا لها هي ساحة المعركة الحقيقية، كما وتجعل من أي قوة إقليمية متحالفة مع إيران الهدف الذي توجه إليه كل اسلحة أميركا والغرب وإسرائيل، سواء أكانت أسلحة سياسية او اقتصادية او غيرها!


فطالما أن إيران تستطيع السير قدما على الطريق النووية من دون أن يوقفها أحد، لم يعد يبقى لدى الغرب من خيار سوى خفض التهديد الإيراني إلى أدنى مستوياته عبر تقليم أظافر إيران الإقليمية التي هي عربية تماما. ومثل هذا التقليم، أو الحصار بشكل أدق، قادر على تحقيق نتيجتين في آن معا؛ فهو يضمن من ناحية عدم انتقال سلاح نووي إيراني إلى تنظيمات تعتبرها الولايات المتحدة “إرهابية”، ولا سيما حزب الله وحركة حماس، ومن ناحية ثانية يدفع هذا الحصار إلى تضييق الخناق على النظام الإيراني داخليا، وصولا إلى الإطاحة به، الأمر الذي قد يعيد الأمل بنزع سلاح إيران النووي أو ضبطه على الأقل في ظل حكومة متحالفة مع الغرب.


وباختصار، فإن على الأنظمة والقوى العربية الساعية نحو إيران والتحالف معها أن تقرر ما إذا كانت قد ارتضت تقديم العراق وعروبته كثمن لهذا التحالف، وقررت فوق ذلك خوض معركة إيران بالوكالة مع الغرب عموما ومع الولايات المتحدة خصوصا؟!


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock