أفكار ومواقف

العروبة تنهض من جديد

طيلة عقود القهر والاستبداد المعاصرة، انشغلت النظم السياسية العربية، سواء حكاما أو فاعلين في العمل السياسي الموالي والمعارض، بفتح كوى داخل جسد وعي شعوبنا بعروبتها؛ تارة بجذب “الأسلمة” من لحيتها وتوزيعها على الناس كخلاص مما ترتع فيه الشعوب، وأخرى بالانضواء تحت ظلال “اللبرلة” و”العلمنة” و”اليسرنة”، وما إلى ذلك من مستوردات ليس للعرب في إنتاجها قيد أنملة.
في هذا المنحنى، كانت مساطر ومناقل “سايكس” و”بيكو” تلوي عنق هذه التخليقات العقائدية، لتوجه أبطالها إلى إنتاج بقع كراهية مرة، ومساحات عدم تواصل ضريرة، ومعاول هدم لروح العروبة، ومجاري هدر لطاقات شعوبنا، بزجها في سجالات عقيمة، حول أيهما أسبق: بيضة الهوية أم دجاجة الوطن؟
أجل.. لم تغفل عمليات التبهيم هذه الاستعانة بوقاحة الشيطانين “سايكس” و”بيكو”، والاشتغال على ما أنتجاه من تجزئة لأجسام الأقاليم العربية الرئيسة، وتخليق حدود جغرافية بغيضة، تجترح معجزات تشكلها عن طريق أي قصاصة آثارية، أو أقصوصة أو بيت شعر أو حكاية مختلقة في التاريخ، قد تحمل دلالة على أن هذا الجزء أو ذاك من الأرض، خالص لفظاظة المساطر والمناقل باهظة الثمن.
فبزغت الفرعونية والفينيقية والأمازيغية وغيرها من الهويات المشغولة بضيق الأفق، وبعجائب النظريات المثقوبة بكينونات باهتة، لا يمكن اكتمالها في الإطار الجغرافي الفسيح لمنطقة احتلت عبر تاريخها جنوب حزام الكرامة المتوسطي، لتؤسس في نطاقه أمة، خالصة لعروبتها، رغم ما كان يتهشم في داخلها خلال عصور ما بعد الميلاد من زجاج الطائفية والعقائدية والإقليمية. 
واليوم، وربيع الثورات يتفتح في وعينا بريق استرداد لما ضيعه مستبدونا، نحتاج إلى أن نقف جميعا على خط الأفق العربي، لإطلاق صيحاتنا في التخلص من زوان التجزئة والافتئات، وتشكيل حالة انسجام بين جغرافياتنا وأقاليمنا المصطنعة وشعوبنا المتقاربة لغة وحضارة ووعيا واتصالا إنسانيا واضح الملامح.
أما من لا يؤمنون بهذه الثورات، وينفخون في بوق الاعتقاد بأنها مؤامرة، فليس لهم إلا المكوث في خوفهم من المؤامرات التي عرفناها عن طريقهم فقط، وأن يهزجوا بها وقتما شاؤوا، لكن بعيدا عن حلمنا بالحرية، وبعيدا عن مضينا نحو تهشيم الخوف الذي لم يعد يسكن جثامين شهدائنا الأحياء والراحلين في شوارع مدننا الذاهبة نحو الضوء.
لم يعد الأمل مطية يمكن أن يركبها هؤلاء ليحركوا رسنها إلى الجهات التي يبتغونها، ويعيدوننا إلى الوراء سنوات ضوئية، وجرنا إلى ما يتطلعون إليه. فقد صرنا نعرفهم جيدا، نعرف وعيهم.
كل شيء بات على الطاولة، ولم تعد تخفى علينا خافية. لذا، من المهين لهم أن يتسلحوا بالاستبداد في توجيه نظرياتهم التي لم تُنتَج في أرضنا العربية، ومن العار بقاؤهم جاثمين على وعينا، يرتجفون خوفا من ألق الحرية وعودة الأمة إلى منوالها الأول، يوم نهضت من سكونيتها في مستهل الهجرات السامية الأولى، لتهشم في الزمن البدائي طوق الجغرافيا، ولتنهض كينونة العروبة الأولى، عبر هجرات متصلة، ومحملة بحلم ظل يتبلور على مراحل طويلة، متطلعا إلى تخليق أمة حفظت روحنا الثقافية والحضارية منذ ما قبل الميلاد إلى ساعتنا هذه.
في المشهد العربي الذي تتبلور فيه روح الحرية اليوم، وترتفع فيه مظاهر نبذ التفرقة، ثمة إشراق يقود إلى مناطق وعي تحمل في جيناتها تباشير العودة إلى لحمة العروبة، تلك التي كان نهيق الاستبداد يعلو عليها كما علا على صوت المعركة، ودحر محاولات “حيونتنا” بتحويلنا إلى أفخاخ افتئاتية، تحمل المسابح، وتركِّب اللحى، لتمسح الجوخ للاستبداد بكل وقاحته، استبداد النظام أو الحزب أو التيار السياسي، استبداد الفئوية والتجزئة والطائفية.
لكن الاستبداد كعادته، رغم عمره الطويل، قاصر عن خنق وقدة الحرية والأمل والتوحد، لأننا الآن نتجانس في طاقتنا لتهشيمه، وإنتاج قوى صالحة للإنتاج، قادرة على أن تسير بنا على دروب الوعي الفطري الأول بالعروبة. وهو يتجدد كل لحظة، بدم الشهداء في حارات تونس وميادين مصر وشوارع سورية وساحات اليمن وزنقات ليبيا وفضاءات الأمة التي تنهض بقوة، ستظل تدهش التاريخ والحاضر والمستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock