آخر الأخبار حياتنا

“العزاء” يخفف “صدمة” فقدان عزيز

تغريد السعايدة
عمان-
كثيرة هي الصدمات النفسية والروحية التي يمر بها الإنسان في حياته، بيد أن أكثرها إيلاما وقهراً هو فقدان شخص عزيز، إذ يثير رحيله في نفس ذويه ومحبيه حزنا قد يدوم فترة طويلة، ولذلك يحتاج من يفارق عزيزا إلى من يسنده ويدعمه نفسيا، ويساعده على تجاوز المحنة، لأن الحياة مستمرة، ولأنّ الموت من حتميات الحياة، دواؤُه الصبر.
ولأن الموت سنة من سنن الحياة فإن المعظم قد مر بموقف مماثل خلال فترات مختلفة، وهنا تقول الثلاثينية سارة التي توفي والدها قبل ست سنوات، إنها ما تزال تتذكر تلك اللحظة التي سمعت فيها نبأ وفاته “لو كان عمر والدي مائة سنة فلن أنسى تلك اللحظات العصبية”.
إلا أن سارة، وبعد أن تجاوزت تلك المحنة، ترى أن للمحيطين من حولها دوراً في تجاوز تلك المرحلة، ولو بعد مدة زمنية ليست بالقصيرة. وتعتقد سارة أن صديقاتها اللواتي كنّ معها في تلك الفترة كان لهن الأثر الكبير في التخفيف من حدة الألم الذي شعرت به عند فقدان والدها.
في هذا السياق يقول مالك سامي ( 33 عاما) إن أحد أشقائه توفي في حادث سير قبل 3 سنوات، وكان الخبر فاجعة وصدمة كبيرة. لم يكن سامي يتوقع أنه سيقدر على تحملها، لقد بقي منعزلاً عن أصدقائه فترة طويلة، وظل يمتنع عن الخروج معهم، على الرغم من أنهم كانوا يحاولون مواساته ومساعدته على الخروج من أجواء الحزن التي كانت تسود البيت. “بكاء والدتي كان يرهقني”، يقول سامي. لذلك كان يحاول البقاء معها لفترة طويلة، حتى يساندها، إلا أنّ ذلك كان يزيده حزناً وألماً، وهو ما جعله يظل في عزلته فترة طويلة، لا يختلط بالمجتمع المحيط به، وقد ظلت تنقلاته محصورة ما بين العمل والبيت فقط.
 ويقسّم الاختصاصي النفسي، الدكتور محمد الحباشنة “الحسرة بعد صدمة الموت” إلى قسمين، هما “الحسرة المرضية والحسرة الطبيعية”، مبينا أن الحسرة الطبيعية تنتهي بعد حين، بينما الحسرة المرضية تحتاج إلى وقفة علاجية لا غنى عنها، لفرط ارتباط الشخص المتألم بالشخص المتوفى، وباستعداداته النفسية تجاه ظاهرة الموت، وغير ذلك من العوامل النفسية والاجتماعية التي تختلف من شخص لآخر.
ويشير حباشنة إلى المراحل الطبيعية التي يمر بها الإنسان بعد تعرضه لصدمة الفقد، وهي “مرحلة الإنكار، ثم المرحلة الشبيهة بالاكتئاب، ثم مرحلة عودة الاستقرار النفسي”. لذلك، يقول حباشنة، يجب علينا كمجتمع، أن نساعد الشخص الذي فقَد عزيزا على أن يمرّ بهذه المراحل التي تشمل الاشتياق والبكاء والغضب، والاكتئاب والعزلة، والاضطرابات النفسية، وقلة النوم وقلة الأكل، وغيرها، لأنها أمور طبيعية في هذه المرحلة”.
وفي ذلك يؤكد اختصاصي علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، الدكتور سري ناصر، أن “الموت صدمة قاسية في حياة الإنسان، لا يمكن إغفالها، وفي هذه الصدمة يمكن أن يتعرض الإنسان لمستويات من الحزن، تجعل بعض الأفراد في حاجة إلى علاج طبي ونفسي متعدد الجوانب”.
ويبين ناصر أن الحزن والصدمة والانفعال أمور طبيعية، وغريزية ومرتبطة بظروف اجتماعية، وعلاقات اجتماعية تربط الفرد بالأخرين، بغض النظر عن العلاقة الفردية والشخصية التي تجمع ما بين الناس، فقد يتأثر الشخص بفقد واحد من أفراد العائلة، أو صديق، أو زميل أو جار. إنها علاقات إجتماعية في كل الأحوال، يسعى كل شخص فيها لمساعدة الآخرين على الخروج من حالات ألالم والحزن.
ويبين حباشنة أن فترة العزاء يجب أن تحمل في مضمونها فكرة “المشاركة في العزاء” بكل معاني الكلمة، حيث لا تكون مكلفة لأهل المتوفى، من حيث مراسم العزاء ومتطلباته، إذ يجب أن تكون المشاركة من خلال التخفيف عن أهل المتوفى، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم، ورعاية أمورهم الحياتية، فأهل المتوفى يكونون بحاجة إلى من يساندهم، كونهم “عاجزين عن التفكير” وعن القيام بمتطلبات الحياة كلها.
ويعتقد حباشنة أن الألم قد يكون أكبر وأشد حينما يؤدي الرحيل إلى تغيّر الحالة الاجتماعية من بعده، كأن يكون الفقيدُ هو الأم، أو الأب، أو المعيل الرئيسي، فتتغير برحيل هذه الفقيد أدوات أهله الحياتية. لكن حباشنة يُذكر بأن المفروض أن يكون لدى كل إنسان الاستعداد النفسي لفقد الآخرين في أي لحظة، لأنها سنّة من سنن الحياة.
ويشدد ناصر على أهمية أن يسعى كل من يقف حول أي شخص فقد أباً، أو أخاً، أو أماً، أو شخصاً عزيزاً عليه، لأنْ “يُشعره بالأمان”، الذي يكون قد افتقده بفقدان المتوفى. ولذلك كان لوجود المعزين إلى جانب أهل المتوفي، دور كبير ومؤثر في مساعدتهم على تجاوز الآلام شيئاً فشيئاً، وفي هذا كل معاني التكافل الاجتماعي التي تشترك فيه أغلب مجتمعات البشرية.

[email protected]

@tagreed_saidah

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock