أفكار ومواقف

العطاء: ارتقاء وتبادل ومكانة اجتماعية

يبذل الإنسان من جهده وماله ووقته لأجل الآخرين.. لكن لماذا يشعر كثير من الناس برغم عطائهم بالإحباط؟ الحال أن العطاء ليس مفهوما واحدا وإن كان فعلا واحدا .. في جوهره أفعال كثيرة مختلفة ومتناقضة، والحال أنه ليس كل ما يبدو عطاء عطاء بالفعل، ثمة عطاء لأجل الحصول على التقدير، ويصيب صاحبه ندم وإحباط وشعور بالعقوق وعدم الوفاء لأنه لم يحصل على التقدير والمكانة التي توقعها بسبب العطاء، وثمة عطاء بسبب الشعور بالضعف والخطيئة مرتبط بالندم والبحث عن شعور بالرضا، وقد يكون العطاء خطيئة أخرى إذا تحول إلى تعويض وشعور بالتكفير دون توقف عن الخطيئة نفسها أو إذا لم يتحول إلى قوة إيجابية، وهناك عطاء يعكس الالتزام بالواجب، ويرتبط في معناه وجدواه وتأثيره برؤية الواجب والالتزام ابتداء والشعور نحوهما، وعطاء يجلب على صاحبه شعورا بالاستعلاء على الآخرين واحتقارهم، وعطاء يجعل المتلقي يشعر نحو المعطي بالكراهية والحسد، وعطاء يجعل متلقيه يزيد ضعفا وهشاشة ومذلة، ..
وتظهر دراسات علماء الانثروبولوجيين حول هذه الظاهرة الإنسانية، مثل دراسة مارسيل موسّ (1872 – 1950) أن الهبات تكاد تكون سلوكا إنسانيا جامعا بين جميع الناس، حتى المناسبات والحالات التي تقدم فيها الهبات تشترك فيها جميع الأمم، وكذا الدوافع والمصالح المنشئة للعطاء.
كثير من العطاء تعبير عن المكانة الاجتماعية أو تذكير للمتلقين بمكانتهم الاجتماعية او اعتراف بها وتقدير، وبعضه بالطبع لتكريس التبعية والإذعان. لكن أيضا ثمة محرك عميق للعطاء نابع من ضمير الإنسان وشعوره بالمسؤولية تجاه الناس والكون والحياة والبيئة المحيطة، كما لو أن العطاء ينشئ السلام والانسجام مع الذات ومع الكون والحياة، أو هو ارتقاء بالذات ومحاولة للحصول على الشعور بالرضا.
هكذا فإن أنواعا من العطاء تفضي إلى الإحباط والألم وأنواعا أخرى تؤدي إلى الرضا والسعادة، وهناك فئة ثالثة من العطاء تأتي في سياق المصالح العامة والخاصة والتبادل والعلاقات الاجتماعية بين الناس، إذ هو عطاء كما يصفه موسّ “امتزاج الأرواح بالأشياء، والأشياء بالأرواح، امتزاج حيوات يغادر بموجبه كل شخص وكل شيء دائرته الخاصة، ليختلط الكل بالكل: وهذا هو بالضبط التعاقد والتبادل”.. ولذلك فالهبة التي لا تردّ تجعل صاحبها في مرتبة دنيا، وقد تكون سببا للكراهية، وفي ذلك فإن الهدية التي تقدم يجب أن تكون ضمن المستوى الاقتصادي والاجتماعي لمتلقيها حتى لا تؤدي إلى الاحباط والعداوة. ومؤكد أنه يبطل العطاء مصاحبته بالمنّ والأذى. وفي القرآن الكريم “يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى”
ويمتلئ التراث والواقع بقصص جميلة وكثيرة جدا عن العطاء، فاقتصاديات العمل التطوعي اليوم تناهز التريليون دولار، وتجتذب مئات الملايين حول العالم للعمل والمبادرة، والتبرعات التي تقدم للمؤسسات وأعمال الخير تشكل قطاعا واسعا في العمل الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك في الدبلوماسية والعلاقات الدولية، إذ تخصص كثير من الدول جزءا من مواردها للهبات والمعونات للأمم المحتاجة، وتخصص كثير من الشركات جزءا من أرباحها للمسؤولية الاجتماعية.
ومن قصص العطاء الذكي ما يكون مقابل أعمال حقيقية منتجة أو مفيدة تجعل متلقي العطاء يشعر بالانتماء والمشاركة للعالم، وتحميه من الشعور بالنقص والدونية، إذ يمكن للعطاء أن ينشئ حالات اقتصادية واجتماعية مؤذية للأفراد والمجتمعات والأسواق، بل يمكن أن تتحول الهبات إلى ضد أهدافها، وهذه مسألة تستحق مقالة مستقلة.
وبالطبع فإن العطاء الجميل هو الصادر عن الحكمة الصافية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock