تحليل إقتصادي

العطلة وخرافة الإنتاجية

أحمد أبو حمور

ما إن أُعلِنَت عطلة عيد الأضحى الرسمية حتى حصل ما كان متوقعا وخرج رجال أعمال أردنيون ينتقدون العطلة ويدعون إلى الحد منها كونها الأعلى في العالم، حسب وصفهم.
وتم إلقاء اللوم على العطلة في تسببها بتباطؤ النمو الاقتصادي والبطالة وحتى المشاكل العائلية! لكن هل هذه الادعاءات دقيقة؟
أحد أبرز الاعتراضات كان أن عدد العطل الرسمية والإجازات السنوية في الأردن -الذي يتراوح مجموعها بين 24 و35 يوما- هو الأكثر في العالم، ولكن بحث إنترنت بسيطا يكشف لك أن هناك دولا متقدمة ونامية على حد سواء تعطل أكثر من ذلك، مثل بريطانيا (مجموع 28-38 يوما) وفرنسا (مجموع 36 يوما) ولبنان (مجموع 37 يوما) والإمارات (مجموع 40 يوما).
ولكن لا تصح مقارنة عدد أيام العطلة بحد ذاتها لأنه قد تعمل أحد البلاد وقتا أكثر حتى وإن كانت عطلها وإجازاتها أكثر، لذلك دعونا نجرِ مقارنة لإجمالي عدد ساعات العمل السنوية الفعلية في الأردن مع بلاد العالم.
يشير الكتاب السنوي 2017 لدائرة الإحصاءات العامة الأردنية إلى أن متوسط عدد ساعات العمل لجميع العاملين في الأردن هو تقريبا 205 ساعات شهريا، ما يعني 2460 ساعة سنويا. توقف لبرهة وفكر قليلا بهذا الرقم، هل تعلم أين يقع بالنسبة للعالم؟
إنه على الطرف الأقصى العلوي، نعم العلوي. تنشر منظمة التعاون الاقتصادي والتطوير (OECD) تقريرا لعدد ساعات العمل للبلاد الأعضاء فيها وهي 38 بلدا لا تشمل الأردن، في تقرير العام 2018 كان أعلى رقم هو 2148 ساعة عمل سنويا في المكسيك، مما يعني أننا لسنا من أقل الدول عملا بل وعلى العكس تماما، نحن من أكثر الناس إمضاء لوقتنا في العمل في العالم، ونعمل أكثر من المكسيكيين بـ300 ساعة سنويا!
يبرز هنا سؤال محير، إن كان دوامنا أكثر من معظم دول العالم، لم دخولنا ليست الأعلى؟
ربما ساعات العمل ليست كل شيء، وربما ساعات العمل ليست الوصفة السحرية للنهوض بالاقتصاد.
من غير الصحيح الاعتقاد بأنه كلما زادت ساعات عملك زادت إنتاجيتك ومجموع إنتاجك.
في الواقع –كما ندرس في اقتصاد 101- علاقة الإنتاجية بساعات العمل عكسية وهو أمر بديهي؛ يزداد إرهاقك فتقل إنتاجيتك مع الوقت ويزداد الوقت المتطلب للراحة.
لفهم دورة الإنتاجية الأسبوعية، دعونا ننظر إلى هذا المثال: لنقل إن إنتاجية عامل في مصنع شوكولاته عند بدء صباح الأحد هي 500 حبة في الساعة، تتناقص مع الإرهاق وتقل إلى 400 حبة في آخر النهار.
ثم يعود إلى البيت ولا يتمكن من الحصول على قدر كاف من الراحة بسبب ضيق الوقت ولا يستطيع إعادة شحن إنتاجيته بالكامل ويأتي صباح الاثنين بإنتاجية 490 تنخفض إلى 390 آخر النهار وهكذا تقل يوما عن آخر، من الأحد إلى الخميس، لأن الإنسان يختلف عن الآلة.
في المثال السابق، إن قام رب العمل بتقليل ساعات الدوام ساعة واحدة سيتمكن العمال من إعادة شحن طاقاتهم النفسية والجسدية بشكل أكمل.
لذا قد يخسر المصنع شيئا من إنتاج يوم الأحد ولكنه قد يكسب زيادة في الإنتاجية ومجموع الإنتاج على مدى جميع أيام الأسبوع المتبقية، بالإضافة لتوفير ساعة يوميا من كلف تشغيل المنشأة. في هذا السيناريو يربح رب العمل، ويربح العامل.
تؤكد “OECD” الكلام آنفا؛ حيث كانت المكسيك في التصنيف أكثر الدول عملا كما ذكرت، لكنها أقلها إنتاجية بواقع 20 دولارا في الساعة، بينما كانت لوكسمبورغ من أقل الدول عملا بواقع 1500 ساعة سنويا لكنها أكثرها إنتاجية بواقع 91 دولارا في الساعة! بالإضافة إلى ذلك، خلصت الدلائل في الكثير من الأبحاث العلمية إلى أن ساعات العمل الإضافية تزيد من مجموع الإنتاج على المدى القصير ولكنها تقلل من الإنتاجية ومجموع الإنتاج على المدى الطويل إن استمرت.
لا يؤثر ضغط العمل على الإنتاجية الاقتصادية فقط، وإنما يؤثر على جميع جوانب الحياة، فربما يتراجع الإنتاج الثقافي للأردن لأن أغاثا كريستي الأردنية تعود إلى البيت متعبة وما تلبث أن تبدأ بتدريس أطفالها وتحضير الطعام لهم ثم تذهب إلى الفراش منهكة؛ ولأن غابرييل ماركيز الأردني قرر تأجيل العمل على روايته سنة أخرى بعدما اكتشف أن ضغط العمل ما يزال عاليا هذه السنة أيضا، وأنه مهدد بالفصل إن لم يعمل وقتا إضافيا؛ ولم نحصل إلا على أحمد أبوغوش واحد في الأولمبياد لأنه ربما اكتشف جميع الباقين أنهم سيجبرون على التخلي عن رؤية العائلة إن أرادوا الاستمرار في ممارسة الرياضة الاحترافية فآثروا التوقف؛ ولأن الجمهور الأردني ككل مشغول جدا عن الالتفات إلى كتابات وفن ورياضة هؤلاء ودعمهم ولا يستطيع صرف تفكيره عن آلام مفاصله من طول الجلوس في العمل ويقول “أنا مو رايق!”.
يملك الشخص الألماني أو اللوكسمبرغي من وقته قرابة 1000 ساعة إضافية سنويا عن الشخص الأردني ليقوم بها بممارسة هواياته والسياحة والقراءة والتعلم والتسوق والانخراط في المجتمع والعيش بكل أوجهه.
إنه يمتلك وقتا كافيا للمساهمة في الإنتاج الثقافي والفني والسياسي لبلاده، وهو -إن فكرت بالأمر- ما نعيش لأجله وما يعطي لحياتنا معنى، كل ذلك من دون أن يمس بإنتاجيته في عمله.
وبينما يتجه العالم إلى الحد من ساعات العمل، ما يزال هناك بعض رجال الأعمال الأردنيين يطالبون بزيادة ساعات العمل، وهو الأمر الذي ليس في مصلحتهم وليس في مصحلة أحد، إلا أنه ربما قد يحجز مكانا لنا في موسوعة غينيس للأرقام القياسية.
إن كنت أحد رجال الأعمال أو المسؤولين في شركة ما، فقم بإجراء هذه التجربة: قل لموظفيك إنك ستقلل من ساعات العمل اليومية ساعة واحدة ولكن بشرط أن يحافظوا على مجموع الإنتاج ثابتا وراقب النتائج ثم اتخذ قرارا.
في الواقع، قام مدير تنفيذي في شركة “Perpetual Guardian” النيوزلندية بأكثر من ذلك وأعفى الموظفين من يوم عمل كامل -من دون الإنقاص من رواتبهم- فأصبح دوامهم 4 أيام أسبوعيا فقط.
كانت النتيجة زيادة بمقدار 24 % في الإنتاجية وتقليلا بنسبة 7 % في الضغط النفسي وازديادا في رضا الموظفين عن عملهم.
مديرون، رجال أعمال، وموظفون، نحن جميعا في القارب نفسه، لنتحد معا ونمشي خطوة في الاتجاه الصحيح لنحسن من بيئة العمل ولنقلل ساعات العمل الأسبوعية إلى 40!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق

السوق مغلق المؤشر 1789.59 0.23%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock