أفكار ومواقف

العفو العام: أحلام نيابية وكابوس حكومي

أحمد حمد الحسبان

من حيث المبدأ، ومع الأخذ بكثير من المعطيات المحلية، تبدو الحاجة ماسة لإصدار عفو عام يراه البعض بداية لصفحة جديدة، وعنوانا للتخفيف من أجواء التوتر السائدة.

فالأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تكشف عن حالة غير مريحة، وعن توتر عام، وانعدام متجذر للثقة بين المواطن والحكومات المتعاقبة، وبين المواطنين أنفسهم، وتؤكد ضرورة اتخاذ إجراء يخفف على الناس ويحد من احتقان الشارع.

غير أن تفاصيل المشهد تكشف عن تعقيدات تجعل الإقدام على تلك الخطوة مغامرة، وتضع المتحمسين لهذا الرأي من الطرفين في وضع غير مريح.

فمجموعة من النواب يتمسكون بطلب إصدار قانون للعفو العام، ويطلقون الخطوة الأولى لهذا المشروع بتقديم مذكرة يفترض أن تتبلور – في حال تجاوزت مراحلها الدستورية-، إلى قرار ملزم للحكومة بوضع مشروع القانون وإرساله إلى المجلس لمناقشته. وتمتد مطالعاتهم الداعمة للمشروع نحو قانون الدفاع المطبق ضمن حالة استثنائية فرضها وباء كورونا، وتمددت تطبيقاته إلى مجالات أخرى ذات علاقة، فانعكست تلك التطبيقات على الوضع الاقتصادي العام.

ويلامس النواب في طروحاتهم قصة اكتظاظ السجون، حيث تصل نسبة الإشغال فيها إلى أكثر من 140 بالمائة، ويرون أن العفو العام من شأنه تقليص عدد النزلاء، ومعالجة مسألة الاكتظاظ، لكنهم يصطدمون بحقيقة أن عشرات الآلاف من المحكومين ينتظرون السجن بمجرد انتهاء الحماية التي حصلوا عليها بتطبيقات قانون الدفاع.

الحكومة ترى صعوبة في مباركة تلك الخطوة، لجملة من الاعتبارات التي يمكن وصفها بـ» المعقدة»، وسط اتهامات للنواب بمحاولة تحسين صورتهم المهتزة أمام الشارع.

على سبيل المثال يتمسك النواب بأن يشمل العفو العام إعفاء المواطنين من غرامات مالية لمخالفات السير وغرامات تأخير المستحقات الضريبية تصل قيمتها إلى مئات الملايين من الدنانير، وترى الحكومة أن الواقع المالي للدولة لا يمنحها أي هامش للإعفاء.

ويرى النواب أن صدور عفو عام بدون شطب تلك الغرامات يفرغ الخطوة من أبرز مضامينها ويجعل المشروع ناقصا، ولا تمتد نتائجه الإيجابية إلى القطاع الاوسع من المواطنين العاجزين عن سداد ديون الدولة.

وتختلف عمليات التقييم بين النواب والحكومة في المجالات الأخرى، وبخاصة القضايا المشمولة بالعفو العام.

وانعكاساته على الحقوق الخاصة، وصولا إلى قانون الدفاع وما رتبه من امتيازات استثنائية تمثلت بتعطيل بعض المواد القانونية لفترات مؤقتة بهدف التسهيل على المدينين.

النقاشات الدائرة، كشفت عن تعقيدات تضع الحكومة في موقف حرج، فلا مبرر للاستمرار في فرض قانون الدفاع، ولا قدرة لها على تحمل أعباء وقف تطبيقه فيما إذا صدر قانون العفو العام.

فالعفو يمكن أن يفتح باب العودة أمام أكثر من مائة ألف شخص كانوا قد غادروا البلاد هربا من الملاحقة على قضايا اقتصادية، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن، بينما إلغاء تطبيق قانون الدفاع يعيد فتح الباب أمام ملاحقتهم وتنفيذ أحكام بالسجن بحق عشرات الآلاف من المحكومين المستفيدين من تطبيقات القانون الاستثنائي، وبالتالي فالعفو يبقى ناقصا بدون معالجة شاملة للملف من كافة جوانبه.

لكنه يظل حلما نيابيا وكابوسا حكوميا ما لم تستجد أمور تعيد العفو إلى واقعه الطبيعي، وتجعل منه فرحة تدخل كل منزل.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock