آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردنيمقابلات

العفيف يكشف تفاصيل وخبايا جديدة في محاكمات أمن الدولة

مزن السفاريني

عمان- جدلية اعتراف الجهات الدولية بمحكمة أمن الدولة، وما يثار حول كونها محكمة خاصة ذات صبغة عسكرية، واعتقالات متظاهرين كانوا يحتجون على رفع اسعار المحروقات في العام 2012، وأسرار اتهامهم أمام أمن الدولة بـ”بتقويض النظام” وحتى “تعكير صفو العلاقات مع دول أجنبية”، وما حدث لمتهمين بجرائم إرهاب عند النطق بالحكم، كلها محاور أساسية في لقاء لصحيفة “الغد” مع رئيس محكمة أمن الدولة سابقًا، الدكتور المحامي محمد العفيف، الذي كشف فيها عن معلومات تنشر لأول مرة، بما في ذلك تفاصيل تعرضه وعائلته لعدة محاولات اغتيال.
العفيف، الذي أمضى 30 عاما في الخدمة العامة، منها 16 عاما في محكمة أمن الدولة، شهد خلالها قضايا كبرى منها بنك فيلادلفيا، ومصفاة البترول، ومحاولة تفجير دائرة المخابرات العامة المعروفة بـ”قضية الجيوسي”، وسواها من القضايا التي شغلت الرأي العام في حينه. ومن واقع خبرته في “أمن الدولة”، يتحدث العفيف عن تكييف القضايا، ومنها “فتى الزرقاء” و”قضية الدخان”، وكيف تدخل في اختصاص المحكمة، وفي باب الإرهاب، والأمن الاقتصادي.
ويكشف العفيف تفاصيل جديدة عن ملف أبو قتادة، وكيف تسلمه الأردن من بريطانيا، إضافة إلى ملابسات وأسرار عن سير محاكمته، التي انتهت بإعلان براءته، كما يرد على انتقادات عديدة لطالما تعرضت لها محكمة أمن الدولة، بما في ذلك اتهامها بالارتباط بدائرة المخابرات العامة. وتاليا نص المقابلة:

• يُقال ان إقالتك من منصب رئيس محكمة أمن الدولة كانت مرتبطة بإحالة رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق، الفريق الركن محمود الفريحات الى التقاعد، ما مدى صحة هذا القول؟

  • نعم، كما ذكرت هنالك حديث يدور في الوسط الإعلامي والصحفي عن اقتران إقالتي بالباشا محمود الفريحات، وأعلم أن هذا الأمر متداول في العديد من الأوساط، لكنني أؤكد لكم أن المسألة ليس لها أساس من الصحة، حيث تمت إحالتي بشكل قانوني بعد أن خدمت في القوات المسلحة الأردنية – القضاء العسكري، نحو مدة ثلاثين عامًا، وأنا أعتز بالفترة التي قضيتها في كنف القضاء العسكري واعتبرها مميزة ومهمة في حياتي.
    ورغم وجود بعض الانتقادات الموجهة من قبل بعض الأفراد والجهات الحقوقية وغيرها لمحكمة أمن الدولة، بصفتها محكمة ذات صبغة عسكرية قد لا تلتزم بضمانات المُحاكمة العادلة ومعايير حقوق الإنسان المدنية، إلا أنني وبوصفي رئيسًا للمحكمة كنتُ دائماً أؤكد عدم وجود هذه الإدعاءات وأحاول الرد عليها، وتمثّل ذلك من خلال البث العلني المباشر لجلسات المحكمة الذي حدث لأول مرة خلال فترة ترأسي لمحكمة أمن الدولة درءاً لأي ادعاء يطعن في نزاهة المحكمة وحياديتها.

• في تموز (يوليو) 2010 حدثَ سِجال بين نقابة المحامين ومحكمة أمن الدولة مناطُه الاعتراض على بعض القرارات والاجراءات المتبعة في المحكمة، حتى ان بعضهم امتنع عن الترافع أمامها، سؤالي لكَ: لجوء محكمة أمن الدولة إلى تكييف التهم السياسية لتصبح ضمن اختصاصها يجعلها في رأي بعضهم “أداة تستعمل من قبل الحكومة لتصفية الحسابات وقمع الحريات”، ما ردك على ذلك؟

  • قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد ان اوضح بأنه لا يوجد في منظومة التشريعات الأردنية ما يسمى الجريمة السياسية، جميع الجرائم وفقاً للتشريع الاردني تندرج تحت مسمى “الجرائم الواردة في قانون العقوبات والتشريعات الجزائية الأخرى”، ولكنني أصرح من خلال منبركم، بوصفي حقوقياً وقاضياً سابقاً، أنه لا يوجد داخل محكمة أمن الدولة ما يسمى تصفية الحسابات، وأجزم أنه خلال فترة عملي ولمدة 16 عامًا داخل محكمة أمن الدولة لم تحل لنا أي قضية من الجهات المختصة وكان الغرض منها زج أشخاص لم تطلهم شبهة جنائية في قضايا تندرج تحت اختصاص محكمة أمن الدولة أو تعمّد إدراجها تحت اختصاص المحكمة، بل كان دور المحكمة تطبيق القانون، وضمانات المحاكمة العادلة ووزن البينات المقدمة في القضية وإصدار القرار بما يتوافق وأحكام القانون.
    • لكن في العام 2012 هل تتذكر معي ما حصل من أحداث ما يسمى “هبة تشرين”؟ اذ تم اعتقال أكثر من 200 شخص وتحويلهم إلى محكمة أمن الدولة لمجرد رفعهم شعارات تطالب بعدم رفع أسعار المشتقات النفظية في زمن حكومة عبدالله النسور؟ ما تعليقك على ذلك؟
  • في هذه الحادثة أسندت النيابة العامة في محكمة أمن الدولة التهم وفق الاختصاص التشريعي والقانوني وليس المحكمة؛ كون النيابة العامة هي الجهة الممثلة للحق العام، وتم بعد توقيف المتهمين ضمن المُدد القانونية والتحقيق معهم، اذ تم تحويل القضية للمحكمة وبعد السير في إجراءات المحاكمة ووزن البينات وفق الأصول ثبت للمحكمة أن التُهم المسندة للمتهمين وقعت فعلاً دون شكٍ أو ريب، فبعضهم وأثناء المظاهرات أطالوا اللسان على جلالة الملك، وهذا أمرٌ ثابت وليس مرسلا، بشهادة الشهود والبينات المقدمة التي لم يتم دحضها أو إثبات ما يخالفها، وفي ذات القضية تمت تبرئة بعض الأشخاص لعدم قيام الدليل.

• ألا تعتقد أن التُهم المسندة لهم، وهي: إطالة اللسان، وتعكير صفو العلاقات مع دول أجنبية، وتقويض نظام الحكم هي تُهم مبالغ بها، والغرض منها سياسي وليس قانونيا؟

  • لا، طبعاً، كون التحريض على مناهضة نظام الحكم هو فعلٌ مجرّم في تشريعات غالبية الدول العربية والأجنبية، فهذه المظاهرات لم تكن مجرد شعارات مرفوعة تتعلق برفع الأسعار، وإنما ثبتَ أنه كان هنالك أشخاص بداخلها يقومون بأعمال وأفعال في مضمونها تحث على مناهضة نظام الحكم السياسي، وفي ذلك الوقت قدّر قاضي الموضوع التُهم على هذا الأساس وضمن قناعته الوجدانية المنضبطة وبما ينسجم مع منطوق النص التشريعي وغايته، وقد ترتب على تلك الأفعال أكثر من وصف جرمي وتعدد للعقوبة. وهي تُهم جنائية تندرج تحت اختصاص المحكمة قانونيًا ودستوريًا.

• لقد تم أيضًا توجيه تُهمة “تعكير صفو العلاقات مع دول أجنبية”، كيف لمظاهرة يُطالب بها مواطنون بحقوقهم داخل أرض وكيان الدولة الأردنية أن تعكر صفو العلاقات مع دول خارج الإقليم؟

  • هذه التهمة مرنة ونصوصها متغيرة بتغير ظرف الزمان والمكان، وحسب خبرتي في هذا المجال، فإن قيام الشخص بأي عمل يؤثر في علاقة الأردن السياسية والدبلوماسية فوق أرض المملكة يُعد فعلاً مُجرَّمًا. وحتى أوضح أكثر يجب أن نعلم أن الكثير من الحروب حصلت بين الدول بسبب تصرفات أفراد داخل الدول، وهذه الجريمة تندرج تحت مُسمى “الجرائم الماسة بالقانون الدولي”، حيث إن بعض الإساءات التي قد تُوجه لدولة ما من داخل الأردن ستؤدي في النتيجة إلى تعكير صفو العلاقات مع تلك الدولة، كما حصل سابقًا حينما وصف الصحفي “ص” رئيس دولة شقيقة بأنه في حالة خادشة للحياء العام، فقد تم نظر قضيته في محكمة أمن الدولة آنذاك. هل لكِ أن تتخيلي ماذا كان سيحصل وقتها من قطع لعلاقات الأردن وتلك الدولة بسبب وصف الصحفي لرئيس تلك الدولة!
    • وضح لنا في ضوء ما تحدثت عنه، ملابسات قضية نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين السابق، والأمين العام السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي، زكي بني ارشيد؟
  • إن قضية زكي بني ارشيد وما كان سيترتب على فعله عندما تحدث عن دولة شقيقة، والتي كان من الممكن أن ينتجَ عنها ردة فعل حتى اللحظة الأخيرة ترحيل جميع الأردنيين المقيمين في تلك الدولة إلى الأردن. هذا البُعد الاجتماعي والسياسي قد لا يدركه الكثيرون أثناء خروجهم في المظاهرات وإدلائهم بتصريحات من شأنها ذم دولة شقيقية أو تحقيرها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وبالتالي فإن تقديم مرتكبي هذه الجريمة للمحاكمة يُحقق العديد من المكاسب؛ أولاً: محاسبتهم لمخالفة القانون وتحقيق الردع العام، ثانيًا : تهدئة الوضع مع الدولة الأخرى، فمثولهم للمحاكمة يؤكد للطرف الآخر أنَّ هؤلاء الأفراد لا يُعبرون عن سياسة الدولة وتوجهاتها.

• لنتحدث الآن عن “قضية الدخان”، مَن الذي أحالها إلى محكمة أمن الدولة؟

  • تلك القضية بالذات لم تحل من قبل رئيس الوزراء إذ أنه وفقاً لأحكام القانون لا يملك تلك الصلاحية المباشرة، وإنما تمت إحالتها الى نيابة أمن الدولة من قِبَل النيابة العامة الجمركية وفقاً لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية، كون الاختصاص في هذه القضية ينعقد للنيابة العامة في محكمة أمن الدولة ولا يندرج ضمن اختصاصات النيابة العامة الجمركية. وأنا نظرت بها ابتداءً وسمعت ما يقارب 41 شاهداً وما تزال هذه القضية قيد النظر لغاية تاريخه. وبصفتي حقوقيا الآن لا أجد مانعاً قانونياً لإعطاء هذه الصلاحية لرئيس الوزراء في مثل هكذا قضايا وفق أحكام القانون، فرئيس الوزراء بحكم منصبه وخبرته يقدر إن كانت بعض الأفعال ستؤثر في الوضع السياسي أو الاقتصادي وما يمس النظام العام للدولة.

• لو تجاوزنا مسألة مَن الذي حول قضية الدخان لمحكمة أمن الدولة، فإن اختصاصات المحكمة لا يندرج من ضمنها الأمن الاقتصادي؟ كيف تم تكييف تلك القضية وإدراجها ضمن اختصاص محكمة أمن الدولة؟

  • إن قضية الدخان تندرج وفقاً للتشريعات الناظمة (قانون العقوبات، قانون منع الإرهاب، وقانون غسل الاموال) تحت مصفوفة أو باب “جرائم الارهاب”؛ كونها تؤثر وتغير بكيان الدولة الاقتصادي والمرتكزات الأساسية التي يقوم عليها النظام العام، فإذا ثبت ذلك من خلال التحقيق والمحاكمة ينعقد الاختصاص قانوناً لمحكمة أمن الدولة، واذا قدمت بينات تثبت عكس ذلك يتم الحكم بعدم اختصاص محكمة أمن الدولة وإحالتها للمحكمة المختصة قانوناً. على هذا الأساس يتم تكييف القضايا من هذا النوع، والمدعي العام المختص في أمن الدولة عندما حقق في قضية الدخان وجد أنها تؤثر في النظام الاقتصادي الأردني، وبالتالي هي من اختصاص محكمة أمن الدولة بوصفها جريمة تقع ضمن مصفوفة جرائم الارهاب.

• هل يوجد تدخل مباشر من قبل دائرة المخابرات العامة في عمل محكمة أمن الدولة؟

  • لا يوجد تدخل وإنما تعاون، فالتعاون موجود ومطلوب من أجل تكامل العمل، وأؤكد أنني أمضيت 16عامًا في أمن الدولة وتسلمت معظم قضايا الارهاب والفساد، كقضية بنك فلادلفيا ومصفاة البترول والتي تقارب قيمتها ملياري دينار، ولم يكن هنالك تدخل من قبل المخابرات العامة بشكل مباشر أو غير مباشر. لقد كان حدود تعاوني مع دائرة المخابرات العامة يتوقف عند حد تحويل القضايا فقط، وما يتعلق في جزئية البراءة أو الإدانة لم يحدث أن تدخلت الدائرة بذلك أبداً.
رئيس محكمة أمن الدولة سابقا محمد العفيف يتحدث لمندوبة الغد الزميلة مزن السفاريني – (تصوير: أسامة الرفاعي)

• ماذا بخصوص التكييف الجرمي، هل حصل أي نوع من التدخل من قبل دائرة المخابرات العامة؟

  • أؤكد لكم بحكم خبرتي وعملي السابق، أن دائرة المخابرات تقوم بجهود جبارة لإحباط القضايا الارهابية التي لم تخرج للشارع الأردني أو للساحة الإعلامية، فهناك أشخاص لهم علاقة بتنظيم داعش والنصرة تم إلقاء القبض عليهم من قبل الدائرة قبل شروعهم في تنفيذ أعمال إرهابية تمس المجتمع وأمنه. وللعلم الأردن من أوائل الدول التي وضعت قانونا لمنع الإرهاب، وقد كنتُ المفوض الرئيس مع لجنة من الزملاء لكتابته ومتابعته في ديوان التشريع والرأي، ومناقشته في مجلس الوزراء المُصغر وداخل مجلس النواب.

• هل يمكن لكّ أن توضح أكثر الحدود الفاصلة بين عمل دائرة المخابرات العامة ومحكمة أمن الدولة؟

  • إنَّ قاضي محكمة أمن الدولة يجب أن يكون سياسيًا وقانونيًا في الوقت ذاته؛ ليحقق العدالة.

• هنالكَ تقارير دولية تتحدث عن أن مُجمل الأشخاص الذين تم اعتقالهم من قبل دائرة المخابرات، لم يحاكموا في المحاكم النظامية ولكن أمام محكمة أمن الدولة فقط ؟

  • لا يوجد ما يمنع ذلك قانوناً طالما أن التهمة تدخل في اختصاص محكمة أمن الدولة، وهذا يحدده المدعي العام للمحكمة.

• بعضهم يتحدث عن تعرضهم للاعتقال التعسفي والتعذيب أو سوء المعاملة في فترة احتجازهم، سؤالي لك: هل يحق لهؤلاء الأشخاص أن يقاضوا الجهة التي قامت بتعذيبهم وفقاً لادعاءاتهم؟

  • هذه المسألة عبارة عن ادعاءات فقط يعوزها الدليل، ومعظم المُتهمين في القضايا التي تنظرها محكمة أمن الدولة يتمسكون في هذه النقطة جُزافاً للتخلص من العقوبة، كما أن البعض يدفعونهم لإدعاء ذلك في محاولة للتأثير في سير المحاكمة، ولكن في حال ثبت ذلك أمام المحكمة تتم مُساءلة الشخص الذي مارس التعذيب بحق المتهم وفق أحكام القانون، كما حصل في محكمة الشرطة لأفراد من الأمن العام في مثل هكذا حالات نادرة. وأحب أن أوضح أن مسألة حدوث خطأ من قبل بعضهم واردة ولكنه أمر غير مقصود وغير ممنهج في تعاملهم.

• ما السبب وراء سرعة اجراءات التقاضي في محكمة أمن الدولة مقارنة بالمحاكم النظامية؟

  • السبب في ذلك يعود غالبًا لرئيس المحكمة الذي يُحسن إدارة المحكمة ولزملائه القضاة المتعاونين والكوادر المؤهلة، ففي ضوء وجودي سابقاً كقاضٍ ورئيس للمحكمة كان هنالك تراكم في عدد القضايا المنظورة، وقد كنتُ على تواصل مع مدير الأمن العام ومدير مكافحة المخدرات والجهات المعنية لتسريع عملية حضور “الشهود أو منظمي الضبوطات”، فالسبب الرئيس أو الغالب في تأخر الفصل ببعض القضايا هو عدم حضور الشهود أو تأخرهم في الإدلاء بشهادتهم أمام المحكمة للسير في باقي إجراءات المحاكمة. فقد وصل رصيد المحكمة خلال فترة ترأسي في العام الماضي 20 ألف قضية للعام الواحد، وانتهى بصفر تقريبًا، وذلك بسبب التنظيم الذي اتبعته وزملائي في الجلسات فقد كنا ننظر في الأسبوع جلستين بدلاً من واحدة، وكنت حريصاً على استثمار وتوزيع الكفاءات داخل المحكمة، ما ينعكس على السرعة ويحقق الدقة والعدالة.
    ورغم أن نوعية القضايا وأهمها في ذلك الوقت كانت تنحصر في مُجملها تحت بند الارهاب إلا أننا استطعنا أن نتجاوز ذلك بكل مهنية وحرفية، واليوم أؤكد لكِ أن نوعية القضايا المنظورة أمام محكمة أمن الدولة قد تغيّر عن السابق، فمجملها الآن أصبح يندرج تحت بند المخدرات، بنسبة 80 % للعاطي، أما الاتجار فلا يتجاوز 20 %.

• ما سبب لجوئك كقاض ورئيس للمحكمة إلى البث المباشر عبر وسائل الإعلام لبعض قضايا محكمة أمن الدولة؟

  • إنَّ السبب الأول والأهم؛ يتعلق في مواجهة بعض الاتهامات الموجهة للمحكمة ودحضها والتي قد أشرت إليها في بداية اللقاء، فقد كان من الضروري أن أقدم للمجتمع وللعالم محكمة أمن الدولة كما هي في الحقيقة وليس كما يروج لها بعضهم. ثانيًا: إن بعض القضايا كالسطو على البنوك الأردنية، تؤثر في حقيقة الأمر على صورة الأردن في الخارج وعلى وضعه الاقتصادي، حيث أصبح من الضروري بث المحاكمات بشكل مباشر وإصدار أحكامها للعلن للمحافظة على النظام وتحقيق الردع العام.
    وقد حقق هذا النهج نجاحًا وتغيرًا كبيرين، لقد توضح للمجتمع أنَّ محكمة أمن الدولة ليست محكمة عسكرية صِرفة بل هي محكمة خاصة، وقد حقق هذا الأمر تعاونًا دوليًا نتيجة إجراءات البث المباشر، وقد نهجت الأمم المتحدة لعمل محاكمات صورية في المحكمة، علماً أنني اليوم وبفضل خدمتي السابقة معتمد في الأمم المتحدة لتقييم ترفيع بعض الموظفين.

• هل تود القول إن محكمة أمن الدولة معترف بها دوليًا، أريد توضيحًا؟

  • طبعًا، هنالك فرق كبير بين المحاكم المؤقتة التي تنتهي مع انتهاء القضية التي عقدت لأجلها أو انتهاء الفترة الزمنية لانعقادها، ومحكمة أمن الدولة الخاصة والدائمة. إن المحاكم المؤقتة عقدت في الأردن لغايات محددة وأذكر على سبيل المثال لا الحصر محاكمة “معارك أبو تايه” وأنا كنت رئيسها أيضًا، فالحاجة لقضاة على درجة عالية من الخبرة والكفاءة والتخصصية، دفعت لتشكيلها وقد حضرها عد من الأميركيين لمتابعتها ومعرفة تفاصيلها.
    هذا هو الفرق بين المحاكم الخاصة والمؤقتة، فالمحاكم المؤقته غير مُعترف بها دوليًا كما هو الحال في بعض الدول، وعليها العديد من المآخذ، فقراراتها غير قابلة للطعن وقضاتها قد يكونون حقوقيين يترأسون المحكمة، وذلك على عكس محكمة أمن الدولة تماماً فهي محكمة خاصة دائمة وليست مؤقتة، كما أن المحكمة المشكلة لمحاكمة “معارك أبو تايه” قراراتها قابلة للطعن.

• عطفاً على سؤالي السابق، لماذا الجهات الدولية لم توافق على تسليم المتهم “أبو قتادة” إلى محكمة أمن الدولة؟

  • في هذا الشأن أذكر أن الجهات الدولية طالبت بتوفير ضمانات المحاكمة العادلة، ولم يكن هنالك نص صريح يتعارض مع مثوله أمام محكمة أمن الدولة كمسمى عام، وطالبوا أيضا بأن تتشكل المحكمة من قضاة مدنيين فقط. ولقد كنتُ آنذاك عضوًا في المحكمة وأؤكد أيضاً أنه عندما رأني أبو قتادة قال: أنا لا أعترض على شخصك، ولكنني أعترض على صفتكَ العسكرية. وعندها أقدمت على الانسحاب من القضية واستبدلتُ بقاض مدني.

• ما السبب في قناعة الجهات الدولية بأن محاكمات أمن الدولة ليست عادلة؟

  • هنالك نظرة تشاركية في العالم مفادها أن الصبغة العسكرية مسيَّرة وممنهجة وبالعادة ترتبط بشكل مباشر مع رئيس هيئة الأركان المشتركة بالدولة، وبأن الرتبة الأعلى تفرض على الرتبة الأقل نتيجة التسلسل الهرمي، ما قد يؤثر في استقلالية إصدار الحكم وفقاً لتلك الادعاءات، وهذه ادعاءات بالمجمل باطلة كون المحكمة تطبق القانون والأصول وضمانات المحاكمة العادلة.

• في مُحاكمة “أبو قتادة” ما الشيء الذي لم يحقق ضمانات المحاكمة العادلة، وشكّل اعتراضًا من قبل المجتمع الدولي؟

  • هذه القضية لها بُعد سياسي عميق، والحديث هُنا يطول، ما أود توضيحه بأن أبو قتادة كان يحمل الجنسيتين البريطانية والأردنية، وكان يُشكل ثقلا وعبئا لبريطانيا. وكمطلوب للأردن على قضيتين سعت الحكومة البريطانية لتسليمه، حيث انه محكوم غيابيًا في الأردن، وبعد قيام أبو قتادة بالطعن في موضوع تسليمه معتمداً على مظلة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومستندًا الى أنه قد يُمارس ضده أدلة وأسانيد انتزعت بالإكراه قد تكون سبباً مباشراً في الحكم عليه. لذا قررت بريطانيا عدم تسليمه؛ حتى لا تُخالف قرار المحكمة الأوروبية وخوفًا من فرض العقوبات عليها، وللخروج من ذلك المأزق السياسي والقانوني تم توقيع اتفاقية ثنائية مع الأردن لتسليمه ضمن شروط وضمانات، وبما يضمن عدم ممارسة أدلة قد انتزعت عنه بالإكراه، ما جعل مُحاكمة أبو قتادة بناءً على الأدلة السابقة أمراً شائكًا، وموقف الأخيرة أمام المحكمة الأوروبية الذي يُعرضها للعقوبات، وبناءً على محاكمته تمت تبرئته من التهم المسندة إليه.

• تمت إحالة بعض الصحفيين للمحاكمة أمام أمن الدولة بتهمة إطالة اللسان، ألا تتفق بأن ذلك تقويض لحرية التعبير؟

  • لا، لأن ذلك لا يجوز أبدًا وفيه تعد واضح على رمز الدولة الأول.

• ولكن اسمح لي، إن مفهوم إطالة اللسان فضفاض، وقد يتم إسناده للكثير من التعابير من غير وجه حق؟

  • أتفق معك بأن المفهوم فضفاض لأنه لا يمكن حصر ذلك في قائمة محددة وتعدادها، فالمُشرع والحالة هذه لا يستطيع تحديد العبارات والأفعال التي تشكل هذا الجرم على سبيل الحصر. أما ما يتعلق في التكييف في غير وجه حق، لنوضح نقطة مهمة لكِ وللقراء، إن بعض الأشخاص يدّعون أحيانا ذلك فأنت لم تطلعي على الأوراق والبينات المقدمة للمحكمة، حيث إن نسبة 99 % من المتهمين في القضايا ينكرون ذلك ولكن الادلة والبينات المقدمة في القضية القانونية هي الفيصل، فعلى سبيل المثال وليس الحصر في إحدى الوقائع شَهد سبع أشخاص على مُتهم بإطالة اللسان ورغم ذلك فقد حكمت له في البراءة، حيث ان شهادة الأفراد السبعة قد كانت بناءً على خلافات بين المتهم والشهود.

• هل أنتَ مع أم ضد عقوبة الاعدام في الأردن؟

  • عقوبة الاعدام يجب أن لا يَحكم بها إلا قاض ذو خبرة وكفاءة عاليتين، فالأهم من العقوبة هو ضوابط هذه العقوبة فإن توافرت هذه الشروط والضوابط فأنا مع، ولكن إذا لم تتوافر هذه الضوابط في النظام القضائي فأنا لا أتفق مع تطبيق عقوبة الاعدام، بل الاعدام مع عدم التنفيذ. فأنا مثلاً لم أحكم بهذه العقوبة إلا بحق ارهابيين نتج عن أفعالهم وفاة أو الذين ثبت عليهم تهمة القتل.

• ما الجرائم الأشد خطورة التي تعاملت معها؟

  • جرائم الارهاب التي تنفذ على أرض الواقع، وأبرزها “جريمة الجيوسي” ومحاولة تفجير دائرة المخابرات العامة، حيثُ تم توجيه تُهمة الحيازة بحق متهميها، وأجزم لكِ بأنها كانت ستكون من أكبر الجرائم التي ستنفذ على مستوى المنطقة، حيث يُقدر عدد ضحاياها لو تم التنفيذ بأكثر من 80 ألف قتيل، فكمية المتفجرات الموجودة وقتها كانت مايقارب 30 طنًا. والتي كانت ستعمل على تدمير البنية التحتية كاملة إضافة للوضع الاقتصادي والاجتماعي. وأيضا قضية الفنادق التي ذهب ضحيتها أعداد كبيرة، وقضية خلية إربد، إضافة لقضية خلية قلعة الكرك، وتعد قضية قتل أفراد من المخابرات من أبشع الجرائم، فقد عمل الارهابي على قتل 5 شباب وهم نائمون في شهر رمضان على أثر الفتوى التي صدرت من أبو محمد من سورية.

• كيف أثرت فيك هذه القضايا، حيث ان الفترة التي ترأست بها المحكمة كانت تُسمى “فترة الارهاب” بسبب داعش والنصرة وأبو مصعب الزرقاوي؟

  • كان لهذه الفترة أثر نفسي وبدني قاس، فأنا لم أكن استطيع النوم حتى في منزلي، فلقد تعرض أولادي لمحاولة القتل، وتم تهديد ابنتي وهي طالبة جامعية بالقتل أيضا، وزوجتي كذلك الأمر تعرضت لمحاولة اغتيال وهي بالشارع العام في قضية معارك أبو تاية، وأثناء نظري في القضية تعرضت للتهديد بالقتل أكثر من مرة، وفي وقت ما، جاءت معلومات توضح أن فتاة منقبة ستدخل مكتبي وتقوم بزراعة عبوة متفجرة. حيث إنَّ الوقت الذي كان يتوجس فيه بعضهم إصدار قرار في قضايا الارهاب، كنتُ أنا من يحمل على عاتقه ذلك الأمر.

• ماذا بخصوص قضايا التجسس وحماية وثائق الدولة الأردنية وأسرارها؟

  • لم يُعرض أمامي أي قضية تجسس منذ مدة طويلة، أما فيما يتعلق بقضايا حماية الوثائق والأسرار، وقضية التربية والتعليم وتهريب أسئلة امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة (التوجيهي)، هي الأبرز، ولا يستحضرني أسماء قضايا أخرى فأنا في آخر ثلاثة أعوام نظرت في ما يقارب 50 ألف قضية.

• حسب خبرتك، ما السمة التي يشترك بها المتهمون في قضايا الارهاب؟

  • نعم، توجد سمات مشتركة، ولكنها قطعاً ليست السِمَة الدينية، لقد اعترف لي أحد الذين انضموا الى تنظيم داعش بأنهم جماعة توصف بالمجرمين، مؤكدًا ذلك في حديثه، قائلاً: نحن نُجيز المفاخذة بين الرجال الذين في السجون، وما يجمعنا المصالح المادية وليست العقائدية.
    90 % من قضايا الارهابيين كان مبتغاها هدفا شخصيا بغلاف عقائدي. ففي إحدى الوقائع مَثُلَ أمامي شاب عمره 18 عامًا وقال بشكل صريح: أنا عبارة عن قنبلة بشرية موقوتة أمتلك القابلية لتفجير نفسي في أي مكان. علماً أن هنالك عددًا من المُتهمين الذين عادوا من التنظيم وتمت محاكمتهم لالتحاقهم بالتنظيم، معترفين بأن التنظيم سمته العامة الجرائم والقتل واغتصاب للنساء.

• في جلسة النطق بالحكم صرخ أحد المتهمين قائلاً لكَ: يوم القيامة نلتقي، وعند الله تجتمع الخصوم، لماذا قال لكَ ذلك؟

  • لأن الحكم بعد تمييزه تحول من مؤبد الى إعدام. وفقاً لقرار محكمة التمييز الموقرة في هذه القضية.

• ماذا تقول في الاختصاص القضائي لقضية “فتى الزرقاء”؟

  • هي من اختصاص محكمة أمن الدولة، فالفعل إذا كان الغاية منه الإخلال بالنظام العام وإثارة الخوف والهلع في المجتمع، سواء أدى أو لم يؤد؛ لذلك يعد عملاً إرهابيًا، وهنا النص القانوني يُجيز الحكم بالاعدام، وقد تمت استشارتي عدة مرات بهذه القضية بشكل عام، و قد يُخفف الحكم للمؤبد بحسب قناعة القاضي.

• عندما نتحدث عن الدكتور محمد العفيف، فإننا نتحدث عن قاض ورئيس لمحكمة أمن الدولة سابقًا، ومدرب معتمد دوليًا حاصل على وسام السلام العالمي، والصورة المقابلة لذلك: مجلس النواب في أقل ما يمكن وصفه بأنه مجلس غير نخبوي، وغير انتقائي، ما الذي دفعك لخوض انتخابات مجلس التاسع عشر؟

  • بدايةً لم يكن الهدف ماديا أبداً، وإنما الغاية من الترشح أنني ما أزال قادرًا على العطاء، وأستطيع أن أقدم للوطن الكثير والمزيد من خبراتي في مجال التشريع بحكم خبرتي السابقة بصياغة قانون منع الارهاب، والذي اقتبسته معظم الدول العربية من الأردن وتعمل بناءً عليه ما يُشكل سابقة للأردن، إضافة لقانون المخدرات الجديد.
    أما في مجال الرقابة على الحكومة فأنا مؤمن بالرقابة المتوازنة، بحيث لا نفتعل الأمر من باب الشعبوية وتحقيق الظهور على المنابر، من أجل تحقيق مصالح خاصة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock