فكر وأديان

العقلانية والدِّين

د. أحمد ياسين القرالة

للعقل في الإسلام مكانة سامية ومركز متميز مرموق، وهو مناط التكليف وعنوان التكريم، وبه تأهل الإنسان لخلافة الله تعالى وعمارة الأرض، وبواسطته امتاز عن بقية الكائنات وتمكن من التفوق عليها مع أنَّ بعضها يمتلك من القدرات البدنية والحسية ما يفوق الإنسان بأضعاف كثيرة، قال تعالى”: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” يقول القرطبي في تفسيرها: والصحيح الذي يعول عليه أنَّ التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف اللهُ ويُفهم كلامه.
وقد احتفل الإسلام بالعقل أيمّا احتفال؛ وأشاد به أيَّما إشادة؛ لأنه وسيلة الإنسان في الوصول إلى خالقه، وبه يتحقق الامتثال لأوامره تعالى والاستجابة لها.
فالنص الديني لا يعمل في فراغ بل لا بد له من عقل واعٍ قادر على فهمه والتفاعل معه ليكونَ قادراً على تطبيقه؛ لذلك لا بد وأن يكون الخطاب معقولاً مفهوماً للمكلف؛ لأنه إذا كان المكلف عاجزاً عن فهمه وإدراكه كان عاجزاً عن تطبيقه والاستجابة له فيكون تكليفه عبثاً والشارع منزّه عن العبث.
وهذا لا يعني بحال أن يكون الدِّين مجردَ عقل أو أن يتحول إلى حالة عقلية فقط، فهذا ليس صحيحاً أيضاً؛ إذ لو كان كذلك لما كان الإنسانُ بحاجة إلى الِّدين مع وجود العقل.
فالدِّين حالة عاطفية وجدانية يصعب تفسيرها وتعليلها، فهو كالأوكسجين بالنسبة للحياة إذ أنه عنصر بقائها واستمرارها لا يمكن للإنسان أن يستغني عنه، وإنْ كان عاجزا عن تسبيب ذلك وبيان علته النهائية.
كذلك الحال بالنسبة للدِّين فهناك أمورٌ يعجز الإنسان عن إدراك عللها أو فهم كيفياتها أو تعقل غاياتها النهائية، أطلق عليها القرآن الكريم وصف المتشابهات، هي في غالبها قضايا متعلقة بالغيب الذي يعجز الإنسان بقدراته العقلية المحدودة عن تصورها أو إدراكها، أو هي مرتبطة بالعبادات التي تقوم على مبدأ الخضوع للخالق والتسليم له.
إنَّ من يتدبر القرآن الكريم يجد أنَّ مساحة تلك الأمور من النص الديني ضيقة جداً، كانت استثناء من القاعدة العامة، ومن المقرر أن المستثنى لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره؛ لأجل ذلك نرى أنَّ توسيع دائرة غير المعقولات لتشمل جميع جوانب الحياة وبالأخص تلك التي تتعلق بحياة الإنسان الدنيوية ومعاملاته الحياتية، تؤدي إلى تشويه الدِّين وتظهره على أنه نقيض للعقل ومعيق لحركته، وتؤدي إلى تعطيل جهد الإنسان وشلِّ فاعليته.
كمْ نظلم الدين والمتدينين عندما ننعت الذين يسعون لاستفراغ طاقاتهم العقلية في فهم النص الديني واستثمار طاقاته بالعقلانيين؛ وكأنَّ استخدام العقل وتفعيله أمر مستنكر مذموم، أو أن الدِّين مختص بمن لا عقلَ لهم ولا إدراك.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock