ترجمات

العقوبات: فشل السياسة الخارجية الأميركية

ديفيد روزن* – (كاونتربنتش) 5/7/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ربما يتبين أن اجتماع الرئيس دونالد ترامب مع الزعيم الأعلى لكوريا الشمالية، كيم جونغ أون، الذي عُقد في 30 حزيران (يونيو)، لم يكن أكثر من مجرد حيلة دعاية أخرى مماثلة لـ”القمة” الفاشلة التي عقدت في فيتنام في شباط (فبراير) -فشل سياسي.
ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” وغيرها من وسائل الإعلام أن ترامب يخطط لمراجعة شروط سياسة الولايات المتحدة تجاه ترسانة الأسلحة النووية لكوريا الشمالية. ويبدو أنه يخطط للتحول من الإصرار على إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية إلى سياسة “تجميد كل شيء وإبقائه في مكانه”، مما يسمح لكوريا الشمالية بالاحتفاظ بترسانتها النووية الحالية. وسوف تؤدي مثل هذه المراجعة إلى تغيير كبير في العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على كوريا الشمالية لفرض مطالبتها بنزع سلاحها النووي بشكل كامل، وهو قرار كان قد تبناه الرؤساء الثلاثة السابقون -ولم ينجح.
في الرد على لقاء ترامب مع كيم وإجراء مراجعة محتملة لسياسة كوريا الشمالية، أعرب جون بولتون، مستشار الأمن القومي، عن الفزع. وكتب في تغريدة على تويتر: “قرأت قصة النيويورك تايمز هذه بفضول. لم يناقش موظفو مجلس الأمن القومي ولا أنا ولم نسمع عن أي رغبة في ‘تسوية على أساس تجميد نووي من طرف كوريا الشمالية”. وأضاف: “إنها محاولة بغيضة قام بها أحد ما من أجل مضايقة الرئيس”. وكان بولتون قد دعا في نيسان (أبريل) 2018، بعد وقت قصير من توليه منصب مستشار الأمن القومي، إلى شن حرب وقائية ضد كوريا الشمالية.
قد يكون جيش الولايات المتحدة أقوى سلاح في ترسانة البلاد، لكن العقوبات الاقتصادية يتم استغلالها بالكامل لملاحقة “الأعداء” -سواء كانوا حقيقيين أو متخيَّلين. وتحدد وزارة الخزانة الأميركية 30 برنامج عقوبات فعالا، والتي تشمل، وفقا لأحد التقديرات، 7.967 عقوبة عاملة.
يُعرّف مجلس العلاقات الخارجية (CFR) العقوبات الاقتصادية بأنها “وقف العلاقات التجارية والمالية المعتادة لخدمة أغراض السياسة الخارجية والأمنية”. ويلاحظ المجلس أن حقبة العقوبات الحديثة بدأت في أعقاب الثورة الكوبية وتصاعدت في أعقاب هجمات 11/9، عندما وقع الرئيس جورج دبليو بوش الأمر التنفيذي (رقم 13224)، والذي منح مسؤولي وزارة الخزانة “سلطة تجميد الأصول والمعاملات المالية للأفراد والكيانات الأخرى المشتبه في دعمهم للإرهاب”.
يحدد مجلس العلاقات الخارجية مجموعة متنوعة من الطرق لفرض عقوبات اقتصادية ومصرفية/ مالية. وهي تشمل عقوبات طويلة الأمد، والتي يجسدها الحصار المفروض على كوبا منذ الثورة (مع بعض التخفيف في عهد أوباما)؛ والعقوبات الشاملة المطبقة على إيران والسودان وسورية؛ والعقوبات “الذكية” التي تهدف إلى تقليل معاناة المدنيين الأبرياء. وبالإضافة إلى ذلك، يحدد المجلس عقوبات أخرى، بما فيها حظر السفر، وتجميد الأصول، وحظر الأسلحة، والقيود على رأس المال، وتخفيض المساعدات الأجنبية، والقيود التجارية. وكانت من بين أنجح العقوبات الدولية تلك التي استُخدِمت ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في الثمانينيات، وضد نظام صدام حسين في العراق في التسعينيات.
يحتاج ترامب، وأكثر منه مستشاره صقر الحرب، بولتون، إلى عدوٍّ ليوجها التركيز إليه -أو هدفاً- للسياسة الخارجية الأميركية. ولديهما الآن أي عدد من “الأعداء” المفترضين للاختيار من بينهم. وقد تعثرت الجهود المبذولة ضد كوريا الشمالية بسبب دور ترامب الخيالي باعتباره “رجل دولة”. ومع ذلك، فإن كوريا الشمالية تعاني تحت وطأة عقوبات هائلة، لكنها تظل محمية من هجوم عسكري بواسطة الصين، التي لا يجرؤ بولتون وشركاه على مهاجمتها بشيء غير النزاعات منخفضة المستوى في مجال التجارة/ التعريفات.
ثمة تهديد رئيسي آخر مفترض للأمن القومي وهو “ترويكا الطغيان”، كما يقول بولتون، مستخفاً بكوبا وفنزويلا ونيكاراغوا. وقد أطلق على قادة هذه الدول -الكوبي ميغيل دياز كانيل، والفنزويلي نيكولاس مادورو؛ ودانييل أورتيغا في نيكاراغوا- وصف “الأزلام الثلاثة المضحكة للاشتراكية”. ومثل شوكة في إصبع قدمها، فشلت الولايات المتحدة طوال نصف قرن في الإطاحة بالثورة الكوبية، سواء عن طريق الغزو العسكري، أو محاولة اغتيال فيدل كاسترو، أو المحاولات السرية التي لا حصر لضرب الاقتصاد الكوبي. كل الجهود فشلت.
في نيسان (إبريل)، ألقى بولتون خطابه الرئيسي في كورال غابلز، فلوريدا، في الذكرى الثامنة والخمسين لغزو خليج الخنازير المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية. وتحدث أمام الأعضاء الباقين على قيد الحياة من اللواء 2506، وهم مجموعة من قدامى المحاربين الكوبيين-الأميركيين في الجهد الفاشل، وأعلن عزم الإدارة على تفعيل جزء من قانون ليبرتاد للعام 1996، الذي يسمح للمواطنين الأميركيين برفع دعاوى قضائية من أجل الممتلكات التي تم الاستيلاء عليها في كوبا بعد ثورة العام 1959.
في خطابه، أعلن بولتون: “… فرضنا مزيداً من العقوبات، وشددنا القيود، وقلصنا عدد الموظفين الأميركيين في السفارة في هافانا رداً على الهجمات الوحشية التي شُنت على الدبلوماسيين الأميركيين”. وأضاف: “فرضنا عقوبات على أربع شركات وتسع سفن لنقل النفط من فنزويلا إلى كوبا في الأشهر الأخيرة. ويأتي هذا في أعقاب تحركنا في وقت سابق من هذا الشهر لمعاقبة 35 سفينة وشركتين، والتي تشارك في شحن النفط المدعوم من فنزويلا إلى كوبا”.
يتحدث موقف بولتون عن نظرة أعمق يجسدها هذا الرجل. بالنسبة له، فإن أي بلد في الأميركتين يتحدى هيمنة الولايات المتحدة إنما ينتهك شرعية عقيدة مونرو للعام 1823، التي تبرر الولايات المتحدة لنفسها بموجبها سيطرتها على أميركا اللاتينية التي يُنظر إليها على أنها تهديد للأمن القومي الأميركي. وكما أصر بولتون: “نحن نعلن بكل فخر لكي يسمع الجميع: إن عقيدة مونرو حية وبصحة جيدة”.
ثم دافع عن فرض عقوبات جديدة ضد البنك المركزي الفنزويلي، والتي تحظر وصوله إلى الدولار الأميركي. كما أشار بفخر إلى أن ترامب أصدر أمراً تنفيذياً يستهدف حكومة نيكاراغوا بسبب تورطها في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان وتفكيك المؤسسات الديمقراطية واستغلال الناس والموارد العامة.
ثم هناك إيران. لطالما أيد بولتون الإطاحة بحكومة ما بعد الشاه في إيران منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979 عندما اختُطف موظفو السفارة الأميركية كرهائن وطُرد الشاه. وبوجود ترامب، أصبح لدى بولتون أخيراً رئيس وإدارة، واللذين ربما يلعبون لعبته. وهم يفرضون عقوبات صارمة لمعاقبة المواطنين الإيرانيين العاديين في محاولة لمعرفة ما إذا كانت هذه المعاناة يمكن أن تتسبب في وقوع حادثة عسكرية.
في أيار (مايو) 2018، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستنسحب من الاتفاق النووي الإيراني الذي أُبرِم في العام 2015، أو خطة العمل الشاملة المشتركة المدعومة من مجموعة “5+1” المكونة من الولايات المتحدة؛ والمملكة المتحدة؛ وفرنسا؛ والصين وروسيا، بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوربي. وبعد فترة وجيزة من الإجراءات أحادية الجانب التي اتخذها ترامب، قال بولتون إن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على الشركات الأوروبية التي تُجري تعاملات تجارية مع إيران.
بعد ذلك بعام، أعلن بولتون، بطريقة استفزازية، أن الولايات المتحدة تقوم بنشر المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لنكولن”، وفرقة مهمات من القاذفات، في الشرق الأوسط. وكان الغرض من هذا الإجراء، على حد تعبير بولتون، هو “إرسال رسالة واضحة لا لبس فيها إلى النظام الإيراني، مفادها أن أي هجوم على مصالح الولايات المتحدة أو على مصالح حلفائنا سيُواجه بقوة لا هوادة فيها”. وتبع ذلك الإعلان عن فرض عقوبات على المرشد الأعلى في إيران، آية الله علي خامنئي، وكذلك على كل شخص يعمل في مكتب خامنئي أو يعينه خامنئي.
إذا لم تنجح هذه الاستراتيجية، يمكن للمرء أن يتوقع أن تقوم وكالة الاستخبارات المركزية أو إسرائيل أو عملاء سعوديون بالتحريض على افتعال حادث زائف، ثم تزعم أن القوات الإيرانية هاجمت المصالح الأميركية. ومع ذلك، يبدو ترامب مقاوماً لفكرة بدء مبادرة عسكرية لا يمكن احتواؤها أو تكون نتيجتها غير متوقعة. ويستطيع المرء أن يتصور تماماً البعض ضمن قواته العسكرية أو فرق السياسة الخارجية -وإنما ليس بولتون- وهم يتصرفون بحذر إزاء الدخول في حرب أخرى من نوع حربي أفغانستان والعراق التي ليست لها نهاية. وفي حين أن ترامب ومستشاريه ربما يترددون الآن في شن حملة عسكرية شاملة ضد إيران قبل انتخابات العام 2020، فإن كل الرهانات ستتوقف في حال تمت إعادة انتخابه.
وأخيراً، لا يسعى بولتون فقط إلى تشجيع العقوبات ضد الدول الفردية والأفراد الذين تم تحديدهم على أنهم يشكلون تهديداً للأمن القومي، وإنما أيضاً ضد المحكمة الجنائية الدولية. وقد أصر في أيلول (سبتمبر) على أن تستخدم الحكومة الأميركية “أي وسيلة ضرورية” لحماية مواطنيها وحلفائها من ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية. وقال صاخباً: “سوف تستخدم الولايات المتحدة أي وسيلة ضرورية لحماية مواطنينا وأولئك من مواطني حلفائنا من المقاضاة الجائرة من قبل هذه المحكمة غير الشرعية”. وذكر بالتحديد أن هذه الإجراءات يمكن أن تشمل فرض التعريفات والمحاكمة. وقال: “سوف نحظر نظامهم المالي وسنقاضيهم في النظام الجنائي الأميركي. وسوف نفعل نفس الشيء مع أي شركة أو دولة تساعد في قيام المحكمة الجنائية الدولية بإجراء تحقيق عن أميركيين”.
بولتون هو رجل معادٍ للشيوعية عتيق الطراز وغير تائب في عالم اختفت منه الشيوعية القديمة التي لم يعد أحد يتمسك بها سوى كوبا. وكان لينسجم تماماً مع صخب مكارثي/ لجنة مجلس الشيوخ للنشاطات الأجنبية، لكنهما اختفيا من المسرح التاريخي. ولذلك، يختار بولتون أعداءاً جدداً -سواء كانوا إيران أو كوبا أو فنزويلا أو كوريا الشمالية- ويعيد اختراع الحرب الباردة للقرن الحادي والعشرين، مدعياً أن هذه البلدان التي تعاني هي بمثابة كوابح فعلية للهيمنة الإمبريالية الأميركية.
تقدم صورة قلَمية حديثة نشرتها مجلة نيويوركر للكاتب ديكستر فيلكينز لمحة عن كيفية تحول صبيٍّ من الطبقة العاملة القديمة (ابن رجل إطفاء) من بالتيمور، ماريلاند، إلى صقر حرب رجعي. وكان قد حصل على منحة دراسية لكلية القانون في جامعة ييل، وطور علاقة صداقة مدى الحياة مع زميله في الدراسة في الجامعة، كليرنس توماس، وتدرب مع نائب الرئيس سبيرو أغنيو، وتدرج في البيروقراطية الفيدرالية، وحصل على “تعيين رئاسي” من بوش الثاني كسفير أميركا لدى الأمم المتحدة. وهو الآن مستشار الأمن القومي.
ولعل الأكثر كشفاً في شخصيته هو أنه كان جمهورياً محافظاً متشدداً منذ اليوم الأول. وقد دعم حرب فيتنام، لكنه اختبأ في الحرس الوطني لتجنب المشاركة في القتال. وعارض اتفاقية الأسلحة الكيميائية للعام 1993، وهي معاهدة أقرتها الولايات المتحدة و192 دولة أخرى. كما دعم لفترة طويلة أكثر المتطرفين الإسلاميين رجعية في إيران، منظمة مجاهدي خلق، التي ظلت مدرجة من العام 1997 إلى العام 2012 ضمن القائمة الأميركية للجماعات الإرهابية.
يخدم بولتون ترامب من خلال صراخه الأبدي بسيناريو أسوأ الحالات -تشديد الخناق بالعقوبات وإعلانات التدخل العسكري الوشيك. وتتجلى استراتيجيته في دعمه لخوان غايدو، الدمية الأميركية، والتهديدات بالإطاحة بحكومة فنزويلا. وقد أدت العقوبات إلى جعل الحياة أسوأ بالنسبة لشعب فنزويلا، ناهيك عن شعوب كوريا الشمالية وإيران وكوبا، بينما لم تحدث أي أعمال عسكرية مباشرة. وما تزال أنظمة هذه الدول في السلطة. أما ما سيحدث في حال فاز ترامب في انتخابات العام 2020، فقصة لم تُروَ بعد.

*مؤلف كتاب “الجنس والخطيئة والتخريب: تحول محظورات نيويورك في الخمسينيات إلى العادي الجديد في أميركا”، الصادر عن دار “سكايهورس” في العام 2015.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Sanctions: Failure of U.S. Foreign Policy

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock