أفكار ومواقف

العكاشيوّن!

شكّل توفيق عكاشة ظاهرة معبرة في الحياة العامة المصرية. فالرجل أسس قناة فضائية، ودخل البرلمان أولاً في حقبة مبارك، ثم في حقبة السيسي، وأخذ أعلى الأصوات في كل مصر. وكانت هذه صدمة للطبقة المثقفة والإعلامية والسياسيين الذين أيدوا الانقلاب العسكري، ليكتشفوا بأنّ رموز الانقلاب الإعلاميين والسياسيين، هم مجرد مهرّجين، وأدوات سخيفة للتلاعب بعقول نسبة كبيرة من الطبقة العامة التي تتأثر بـ”الميديا” كثيراً، ولا تملك حسّاً سياسياً ولا عمقاً ثقافياً يمنحها القدرة على نقد هذا التهريج السياسي والإعلامي بذريعة الإطاحة بالإخوان المسلمين.
لم يكن عكاشة إلاّ واجهة لدوائر في السلطة لتنفيذ أعمال قذرة، والاختباء خلف هذه الواجهة الإعلامية أو السياسية من أجل تمرير سياسات ودعايات للرأي العام. والطريف في الأمر أنّ هذا الشخص -الذي لا يملك إنسان يحوز الحدّ الأدنى من الحس الثقافي والسياسي إلاّ أن يشعر بالخجل والإهانة عندما يشاهده يمتطي منبراً إعلامياً فضائياً ويسخّف الصورة الإعلامية عن مصر- أصبح يمتلك حضوراً إعلامياً وشعبياً واسعاً، لأنّه أريد له ذلك؛ فقد دعمته دوائر أمنية وعسكرية ومنحته كل ما يريد من أجل إتمام المهمة المطلوبة.
المسكين عكاشة صدق الكذبة، وظنّ أنّه أكثر من أداة لممارسة الأعمال القذرة، فأصبح يعتبر نفسه مهماً للسيسي، ويظنّ أنّه حمى البلاد من الإخوان المسلمين. فبدأ “يفضح الطابق” لما وصل إلى قبة البرلمان. وكانت التصريحات الأخيرة له، والتي كشف فيها أسرار “القناة الخلفية” بين إسرائيل ومصر، هي الضربة القاضية التي دفعت بالدوائر المعنية إلى التخلص من هذه الأداة، بعد أن أنجزت المهمة، وأصبحت عبئاً عليها!
وعندما بدأ عكاشة يدرك أنّه أصبح تحت المطرقة، وجدناه (في تسجيلات مصوّرة) لا يخجل من أن يتسول على باب مجلس الشعب، الذي طُرد منه، عدداً من النواب ليدخل الجلسة التي صوّت فيها على طرده من المجلس، ويعتذر لجميع النواب ولمصر وللسيسي عمّا بدر منه، وأصبح يدّعي الهبل والمسكنة، كما وصفه المخرج المصري، النائب حالياً، خالد يوسف، بأنّه “ساق الهبل على الشيطنة”. لكنّ ذلك لم يجدِ؛ فقرار إنهاء “الأداة عكاشة” اتخذ في الغرفة رقم (…)!
بمناسبة الحديث عن خالد يوسف، المخرج الذي طالما انتقد السلطة، في أوقات سابقة، خلال حقبة مبارك، وقع هو الآخر في “المصيدة”، وأصبح أداة (فشارك في تزوير ما حدث في 30 يونيو). لكنّه أذكى من عكاشة، إذ أدرك القصة منذ واقعة التلويح له بالأفلام الجنسية، والتزم بقواعد اللعبة منذ أن أصبح نائباً.
هذه لعبة السلطة والمهرجين والأدوات. عكاشة مثّل نموذجاً-ممثّلاً في المسرحية، أدى دور الإعلامي الشعبوي، لاكتساب شريحة اجتماعية واسعة. وعندما خرج عن “النص”، تم طرده من المسرحية. وإذا تجاوز ما هو مرسوم له لاحقاً، فإنه سيدفع ثمناً غالياً!
ثمّة نماذج متعددة من “الأدوات”، لكنّ أطرفها على الإطلاق هم العكاشيون، لأنّهم ليسوا أدوات فقط لتنفيد المهمات والقيام بالأدوار المطلوبة، بل لديهم حسّ فكاهي كاريكاتوري، يكشفون به عن المستوى الأخلاقي والثقافي لمن يديرون هذه الظواهر، فكل عكاشة وراءه عاكشيون، وهي ظاهرة تستحق أن نتأمّلها ليس فقط في مصر، بل في أغلب الدول العربية، فهناك عكاشيون وعاكشيون، وصورة كاريكاتورية صادقة تعكس سخافة اللعبة السياسية والإعلامية!

تعليق واحد

  1. عمرو حمزاوي
    ليه انت بتكره مصر كده مع انك اتعلمت فيها وليك اصحاب فيها زي عمرو حمزاوي
    انا عايز اعرف رأيك في الاخوان في الاردن

  2. برلمانات وكثير من العكاشيين
    ( برلمانات ومزيد من العكاشيين )
    العكاشيون لا يقتصر وجودهم وخلقهم فقط في مصر ومن عديد شعبها الطيب ، ولكنهم يملأون الحارات الخلفية والمنتديات الشعبيه في كل ارجاء العالم العربي ، وحتى في بعض دول العالم الأول إذا جاز التوصيف ……ولن ينجح اشباه عكاشه بالوصول الى برلمانات بلادهم إلا اذا كان الناخبون يتماهون كثيراً بثقافاتهم السياسية والإجتماعية بسياسة وثقافة من انتخبوا النائب السابق عكاشه . تلك هي اللعبة الديمقراطيه ، التي تحترم رأي الأكثرية كيفما تكون ثقافتهم ، ولهذا شاهدنا ان اعرق برلمانات العالم حوت في مرات كثيره من هم لا يختلفون كثيراً عن عكاشه .
    ولهذا سنظل بعد كل انتخابات نُصدم بأخبار نجاح من لا يستحق وظيفة نائب في البرلمان ونضطر ان نبتلع هذا الطعم مقهورين مجبورين وذلك لإن من انتخبوه هم من عداد هذا الشعب .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock