أفكار ومواقف

العلاقة العربية الكورية

ما بين كوريا الجنوبية والعالم العربي علاقات اقتصادية ودبلوماسية، وتجارة متبادلة تزيد قيمتها على 170 مليار دولار.
تحصل كوريا على 86 % من النفط و54 % من الغاز اللازمين لتدوير عجلة اقتصادها من مصادر عربية، وتصدر للعالم العربي ودول الشرق الأوسط السيارات والسفن والكهربائيات والمواد الكيماوية وقطع الغيار، وعشرات السلع التي تغرق الأسواق إلى جانب البضاعة الصينية واليابانية والأوروبية.
أكبر شركاء كوريا الاقتصاديين في عالمنا العربي هي السعودية والإمارات وقطر والكويت. وفيما يخص الأردن وكوريا، يرتبط البلدان بـ19 اتفاقية وبروتوكولا ثنائيا، ويزيد حجم التبادل التجاري بينهما عن 1.6 مليار دولار. إذ يستورد الأردن السيارات وقطع الغيار والكهربائيات، والعديد من المعدات والسلع. وقد أصبحت كوريا أهم بلدان المنشأ لمعظم السيارات التي تسير على شوارعنا. فمن بين ما يزيد على 1.2 مليون سيارة في الأردن، هناك قرابة 700 ألف سيارة كورية الصنع. وفي كثير من البلدان العربية، اكتسبت المنتجات الكورية سمعة طيبة من حيث الجودة والمتانة والسعر.
على الجانب السياسي، ترتبط كوريا بعلاقات دبلوماسية مع 188 دولة في العالم، وتحافظ على مواقف ناعمة في القضايا الخلافية، تجنبا لأي تأثيرات على مصير اقتصادها الذي تبنى استراتيجية تصديرية منذ سبعينيات القرن الماضي، ونجح في تحويل البلاد محدودة المساحة والموارد الطبيعية والدخل، إلى أحد أهم اقتصادات العالم، ولتصبح كوريا القوة الاقتصادية الـ13 في العالم، وتحل في المرتبة السادسة بتصدير السيارات. كما وصل نصيب الفرد من الناتج القومي الاجمالي إلى 32000 دولار بعد أن كان يقل عن 2000 دولار، متفوقة بذلك على غالبية دول العالم النامي التي كانت مشابهة لكوريا في الإنتاج والتصنيع والدخل خلال بداية السبعينيات، وقبل تبني الدولة لاستراتيجية صارمة في التصنيع والتصدير والإنتاج، ضمن معايير وشروط تنافسية جرى تطبيقها بحزم وصرامة، دعمها اهتمام كبير بتدريب القوى العاملة واستخدامها كفرق منظمة في إدارة وتنفيذ مشاريع إنشائية عملاقة في العالم. ويذكر الأردنيون إسهامات فرق العمل الكورية في تشييد مبنى مجمع بنك الاسكان في الشميساني، وبناء بعض السدود. وهو ما أكسب العمالة الكورية سمعة استثنائية في العالم والشرق الأوسط بشكل خاص.
وبالرغم من النجاحات الاقتصادية التي تؤهلها للعب دور أهم على الساحة الدولية، إلا أن كوريا الجنوبية تتبنى الدبلوماسية الناعمة، كما قلنا. فعبر تاريخها الحديث، تبنى البلد سياسة “wait and see”، مفضلا الانصراف إلى تطوير صادراته بعيدا عن ضجيج المواقف السياسية، ومتجنبا التداعيات المحتملة للمواقف التي يمكن أن تتخذها على اقتصادها ونهضتها.
في عالمنا العربي، وبالرغم من وجود علاقات تجارية قديمة مع جنوب شرق آسيا، قبل وبعد نشوء طريق الحرير، وبالرغم من إقامة العديد من التجار المسلمين فيها، حيث نشروا الإسلام بأن كانوا سفراء للديانة بأخلاقهم وسلوكهم، إلا أن أعداد المسلمين والعرب في كوريا اليوم ضئيلة جدا، ولا تتجاوز بضعة آلاف.
والثقافة الكورية بالنسبة للعرب غير مألوفة كألفة المنتجات الصناعية. فكلنا يعرف السيارات الكورية وخصائصها وأسماءها وأسعارها، كما نعرف الأجهزة الكهربائية وميزة كل منها. لكننا نعرف القليل القليل عن اللغة الكورية والفن الكوري، والتاريخ والعادات والقيم والموسيقى في ذلك البلد، وحتى أخلاق وأسلوب العمل اللذين حققا التقدم وأداما هذا النجاح الاسطوري.
على الصعيد الثقافي، ربما يعرف كثير منا أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، كوري الجنسية. وحديثا، وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، عرف معظم الشباب في العالم، وحتى الكبار، أن الأغنية الأكثر شهرة في العالم “غاغنام ستايل” كورية هي الأخرى، وأن المغني “psy” حقق شهرة غير مسبوقة في العالم بعد أن تجاوز متابعو أغنيته على موقع “يوتيوب” المليار والنصف المليار متابع. ونعرف أن الكوريين برعوا في بعض أشكال الرياضات القتالية “مارشال آرت”.. لكننا رغم كل ذلك لا نعرف كيف يفكرون ويشعرون ويتصرفون.
كوريا لم تكن دولة استعمارية، ولا نحمل تجاهها مشاعر معادية. هم مشرقيون مثلنا، ونتطلع إلى علاقات أكثر عمقا معهم. والأسئلة التي تحتاج إلى إجابات منا ومن أصدقائنا الكوريين، مع وجود هذه العلاقات الاقتصادية العميقة: أليس من المسؤولية والواجب أن تصاحبها علاقات سياسية أفضل، وعلاقات ثقافية أعمق؟ وفي بلادنا مشاكل عميقة، فهل يمكن أن نستعير من التجربة الكورية ما يساعدنا على الحل، خصوصا في موضوع فرق العمل الشبابية لمجابهة البطالة؟ هل يمكن لكوريا أن تساعد نظمنا التعليمية لتحدث نهضة في قيم العمل والمثابرة والإنجاز؟ ومع زيادة الحديث عن صدام الحضارات وتنامي الخوف من الإسلام وربط الدين بالإرهاب وظهور الـ”إسلامفوبيا”.. هل يمكن لبلد شريك مثل كوريا أن يساند المساعي التي توضح أن التطرف الملحوظ ليس إسلاميا، بمقدار ما هو تطرف يستخدم اسم الإسلام الذي لا يقر مثل هذه الممارسات بل يدينها؟
أظن أن في العلاقات العربية الكورية مساحات واسعة غير مستغلة يمكن استثمارها لمنفعة الطرفين، وأن استمرار النظر للشرق الأوسط كسوق وزبائن لسلع، مجردين من الاهتمامات السياسية والثقافية والمواقف والقضايا، أمر بحاجة إلى إعادة نظر.

*وزير سابق

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock