;
أفكار ومواقف

العلم يقود العولمة

قبل نحو مائتي سنة قبل الميلاد احتل الرومان بلاد الإغريق، لتبدأ مأساة اختفاء مخطوطة قوانين الرياضيات لأرخميدس، التي امتدت على ثلاث مراحل وانتهت فصولها العام 1991، ولكن بدون أن تنتهي صدمة العالم بخسارته العلمية جرّاء ضياعها لما يناهز اثنين وعشرين قرناً من الزمن. بعض العلماء يقدرون خسارات العالم من ضياع المنجزات العلمية بنحو خمسمائة سنة، ما يعني أن التقدم العلمي الذي ننعم به اليوم في شتى مناحي الحياة كان من الممكن أن ينعم به أجدادنا قبل خمسمائة سنة من الآن. علماء آخرون يعتقدون أنه لولا تلك الخسارات لكنا اليوم نستوطن كواكب أخرى غير كوكب الأرض.
هو توهج العلم الذي رغم انقطاع خط سيره عند أكثر من مفرق، يشهد العالم اليوم كثيراً من تجلياته وإعجازه. وإذا ما صح أن إنجاز العلم في السنوات الخمسين الأخيرة يعادل إنجازه منذ بداية البشرية، فإنه بعد خمسين سنة من الآن سوف يُقال إن المنجز العلمي في آخر خمس سنوات قد ماثل كامل ما سبقه منذ بداية البشرية. وبعد مائة عام قد يصح القول إن المنجز العلمي في آخر سنة قد ساوى منجزه منذ بداية البشرية. وبعدها بخمسين سنة أخرى سوف تصبح بداية البشرية ليست واردة في معايير القياس لأنها لم تعد تصلح لذلك، فقد يصبح معرضاً للتلاشي والنسيان المنجز العلمي الذي يزيد عمره على خمسين سنة.
انطلاقة العلم تشبه انطلاق التفاعل النووي في تسارع سيره وتعذر إيقافه. تعثر التقدم العلمي بمعيقات عديدة لكنه لم يتوقف. الحروب التي كانت في غابر الأزمان سبباً في ضياع منجزات علمية بارزة أصبحت اليوم تعتمد على العلم وتطبيقاته في الوصول إلى أهدافها، حتى صارت الحروب ذاتها عاملاً من عوامل تطوير العلم. العلم الذي سيّر السفن وشيد سكك الحديد وسير الناقلات البرية، وطّير الطائرات، عزز المواصلات العالمية وقهر المسافات فاتحاً آفاقاً جديدة للاقتصاد والتجارة عبر وسائط ضاعفت طاقة النقل وحسنت نوعيته وقللت كلفته.
تصغير العالم وبدء التفكير بعالم واحد متقارب، نشأ في رحاب العلم وفي ضوء منجزاته في مجال المواصلات. ومن الطبيعي أن تكون منجزاته في ثورة الاتصالات مدعاة للتفكير بتصغير أكثر لهذا العالم، والحلم بأن يصبح مجرد قرية صغيرة. تطلعات الشركات العابرة للحدود لخدمة مصالحها لم تكن لتترعرع في غياب المنجز العلمي الاتصالي الذي يجعل من أحلامها يوماً بعد يوم رؤية عملية أكثر قابلية للتحقيق على أرض الواقع. تغير وتطور سياسات واستراتيجيات الدول التي تقود العالم أو تطمح للمساهمة في قيادته يتم بتأثير المنجز العلمي الذي وفر لها معلومات أكثر دقة عن تداخل العلاقات والمصالح بين مختلف الدول في شتى المناطق وتفاعلها معاً والآثار التي يمكن أن تنجم عن ذلك.
المهتمون بأمر العولمة يرون وجاهة في الدعوة إلى تصحيح مسارها وتنظيم خطواتها وطرح رؤية عادلة لمستقبل مضامينها، لكنهم أبداً لا يرون إمكانية لوقف عجلتها ولا حتى لإبطاء سيرها، لأنهم يعتقدون -ويشاطرهم اعتقادهم الكثيرون- بأن ثورة الاتصالات تجعل من التصاق العالم ببعضه أكثر شدة وضرورة مع كل منجز علمي يوثق عرى مصالح بني البشر ويضعهم أمام بعضهم وجهاً لوجه، وهو ما يجعل من العولمة في النهاية حتمية لحياة بني البشر ومصالحهم المستقبلية.
نحن أمام عالم تضيق فيه المسافات وينحسر الزمن، فما كان وصوله يستغرق أشهراً أصبح لا يحتاج لأكثر من ساعات، وما كان يتطلب إعداده اتصالاً على مدى أيام، أصبح يمكن إعداده بدقائق والبدء بتنفيذه على الفور. وفي وقت قريب سوف يصبح بإمكان الجميع في شتى أنحاء العالم أن يجلسوا قبالة بعضهم في أي لحظة، تجمعهم شاشة واحدة، يتحدثون في شؤونهم، ويتبادلون الرأي والمعلومة، ويعقدون الصداقات، ويخططون للقاءاتهم، ويأملون بالمزيد من التواصل.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock