أفكار ومواقفرأي اقتصادي

العملات الرقمية المشفرة بمواجهة العقوبات على روسيا

غسان الطالب*

ما يزال العالم يتابع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد العالمي بعد حملة العقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي على روسيا، ومنها سحب النظام المصرفي الروسي من شبكة “سويفت” (SWIFT) بهدف منع التحويلات المالية من وإلى روسيا، وهذا يعني منع الأموال والتمويلات الخارجية من الوصول إلى روسيا، ثم حرمانها من التصرف بأصولها المالية خارج روسيا.

هنا يمكننا الحديث عن الوسائل التي يمكن لروسيا اتباعها لتفادي حدة هذه العقوبات من خلال العملات الرقمية المشفرة مثل عملة “البتكوين” (Bitcoin) وغيرها من العملات المشفرة التي يجري تداولها في الأسواق المالية العالمية. وبالفعل بدأت أميركا وأوكرانيا بمحاولة تتبع أي معلومات حول محافظ العملات المشفرة التي يمتلكها سياسيون في روسيا وبيلاروسيا، وذلك لقطع الطريق على روسيا للتهرب من العقوبات الاقتصادية.

علما بأننا تحدثنا في مقالات سابقة عن ميزات ومحاذير التعامل بالعملات المشفرة، ومنها خاصية التحويل من أي مكان في العالم دون المرور بالنظام المصرفي كما هي التحويلات المالية المعتادة، ثم عدم القدرة على الرقابة على تداولها أو تنقلها بين الأفراد لعدم وجود سلطة مركزية مسؤولة عن إصدارها، وللتوضيح فالعملات الرقمية المشفرة التي تثير المخاوف لدى السلطات النقدية للعديد من الدول مثل عملة البتكوين (Bitcoin)، فهي عملة افتراضية وهمية ليس لها وجود مادي سواء ورقيا أو معدنيا، تعتمد بشكل أساسي على مبدأ التشفير، ولا تصدر عن سلطة نقدية أو بنك مركزي معين، ما يعني عدم وجود أي جهة رقابية أو إشرافية عليها، كما أنها لا تمتلك رقما متسلسلا ولا أي وسيلة أخرى كانت من أي نوع تتيح تتبع ما أنفق أو حول منها، ظهرت هذه العملة في مطلع العام 2009 ويتم استخدامها فقط عبر شبكة الإنترنت لتسوية المشتريات أو تحويل العملات، وهناك مخاوف عدة تبديها العديد من السلطات الرقابية في معظم دول العالم من التعامل بها، ومنها على سبيل المثال:

التخوف من أن تصبح هذه العملة وسيلة لغسل الأموال في ظل سهولة تحويلها الى أي مكان في العالم دون أي رقابة أو جهة تشرف على عملية التحويل هذه.

تسهيل هجرة رؤوس الأموال من موطنها إلى أماكن أخرى، وبالتالي حرمان الاقتصاد الوطني من مساهمة هذه الأموال في خطط التنمية الاقتصادية والاستثمار في بلدانها.

الخوف من أن تكون هذه العملة وسيلة لنهب ثروات الدول النامية لصالح قوى وعصابات دولية.

التلاعب في سعر الصرف للعملات الوطنية والعالمية، وذلك لعدم وجود سعر صرف ثابت ومستقر لهذه العملة، ما يهدد بتعرض العالم الى أزمة اقتصادية ومالية أشد قسوة من أزمة الـ2008.

لهذا يراهن الروس على إجراء معاملاتهم المالية بالعملة المشفرة مع العالم الخارجي، طبعا مع الدول التي تقبل التعامل بهذه العملة أو تلك التي لا تؤيد المقاطعة المالية عليها.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن أن تتحول العملات المشفرة كوسيلة بديلة تساعد الروس على تخفيف وطأة العقوبات التي فرضتها أميركا وحلفاؤها في دول الاتحاد الأوروبي؟

هذا إذا علمنا أن روسيا بصدد دراسة طرح عملتها الرقمية الخاصة بها “الروبل الرقمي” من خلال البنك المركزي بهدف التعامل بها في التجارة الخارجية والتحويلات المالية مباشرة مع دول لديها الاستعداد في قبولها من غير المرور بالتحويل الى دولار، وتأمل السلطة النقدية الروسية بأن يؤدي الروبل الرقمي الى تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي في المبادلات التجارية والمالية وخارج النظام المصرفي الدولي، وأن يساعد كذلك على التخفيف من حدة العقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضت عليها.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

المقال السابق للكاتب

عملة رقمية أردنية…خطوة جريئة

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock