أفكار ومواقف

العمل في الزراعة

كنت واحدا من بين عدد كبير من الشباب من الذين حاولوا العمل في الزراعة في أوائل التسعينيات، من الشباب الجامعيين والعاملين في عمان والمدن أو العائدين من الخليج الذين حاولوا العمل في الزراعة، وفي محيط معرفتي وملاحظتي فقد كانت تجارب معظمها إن لم يكن جميعها خاسرة خسارة كبيرة، .. كيف تكون الزراعة عملا مجزيا للمزارعين والعاملين في الاقتصاد الزراعي من المهندسين والمستثمرين والتقنيين؟ وكيف تكون الزراعة قطاعا اقتصاديا فاشلا أو هامشيا في بلد زراعي تاريخيا وجغرافيا مثل الأردن؟ وكيف تنجح الزراعة نجاحا كبيرا اقتصاديا واجتماعيا في بلاد تشبه الأردن في ظروفها ومواردها او في بلاد متقدمة علميا واقتصاديا وحضاريا مثل الولايات المتحدة وفرنسا وهولندا،..؟
سوف تظل الحاجة إلى الزراعة والاقتصاد الزراعي والصناعات الغذائية والدوائية والعمرانية والبيئية والسياحية والترفيهية المحيطة بها قطاعا ضروريا ومنتجا ومصدرا لمستوى كريم من المعيشة، فالناس ببساطة في حاجة إلى الطعام والغذاء والدواء والأثاث والبيوت والبيئة الصحية والجميلة، ويفترض بطبيعة الحال أن تكون الزراعة وما يحيط بها من أعمال وصناعات قطاعا رئيسيا وبيئة حاضنة ومؤسسة لنسبة واسعة من الاعمال والمهن والبلدات والمدن والأسواق،… ويصعب إن لم يكن مستحيلا مواجهة الفقر في معناه الحقيقي والجوهري من غير زراعة، فالفقر هو النقص في الإمدادات الغذائية والإيواء والدواء، ويمكن ببساطة كما هو في التاريخ والجغرافيا استيعاب الفقراء وتشغيلهم في مشروعات وأعمال زراعية توفر لهم الاحتياجات الأساسية.
وحسب البنك الدولي فإن الزراعة ماتزال تشكل القطاع الرئيسي للعمل والانتاج في بلدان كثيرة؛ بعضها تشير إليها التقارير الدولية كنماذج ناجحة وواعدة، مثل رواندا وتشيلي وفيتنام، وتظل هولندا مثالا يصلح للتذكير برغم تكراره والمعرفة به، فقد استطاع هذا البلد المحدود بمساحته وموارده ومناخه القاسي أن ينشئ اقتصادا زراعيا متقدما، ثم صناعات غذائية تصدر إلى جميع أنحاء العالم، وأن يكون واحدا من أهم الدول في التقدم الاقتصادي والإنساني.
وهناك أمثلة لاقتصاد زراعي وغذائي متقدم في دول المتوسط الأوروبية؛ تركيا واليونان وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا حول زراعات سائدة أساسا في الأردن والضفة الأخرى من المتوسط، الفواكه والزيتون والعنب واللوز والجوز، .. ومن القصص الملفتة في رحلة ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي أنه حدثت في أثناء وجوده في الأردن أمطار غزيرة وفيضانات أدت إلى اقتلاع اثني عشر الف شجرة جوز في وادي ذيبان، ومن المعروف اليوم أن شجرة الجوز عند اكتمال نموها بعد ثماني سنوات من زراعتها تنتج من الجوز ما قيمته 500 – 700 دينار.
هناك أعمال ومبادرات مقدور عليها يمكن تفعيلها لجذب الناس للإقامة والعمل في الريف وبخاصة أن عمان والمدن تعاني من غلاء السكن وأزمات المواصلات وضعف المدارس، وفي المقابل يمكن حل هذه الأزمات بسهولة في الريف. وقد مضينا في الأردن في إنجازات مهمة في تقليل الفجوة بين مناطق المملكة من خلال تغطيتها بالمدارس والكهرباء والاتصالات، ولا نحتاج سوى القليل لتحويل هذه الانجازات إلى فرص جيدة وعملية لتشجيع العمل في الزراعة والاقامة في البلدات والمحافظات.
ويمكن بمبادرات حكومية وخاصة بناء منظومة من الشراكات لأجل اقتصاد زراعي وغذائي، بحيث تكون الزراعة مجزية للمزارعين عندما يكونون قادرين على تسويق منتجاتهم بانتظام وثبات إلى مصانع للمواد الغذائية، لكن يحتاج ذلك إلى العمل الموجه للمزارعين وبقدر من حسن النية لأجل تثبيتهم في البيئة الزراعية وليس استدراجهم لبيع أراضيهم! ولا أعرف لماذا تسيطر على الأغنياء والمستثمرين رغبة كبيرة بشراء الأراضي الزراعية من أصحابها بدلا من مشروعات شراكة بين الاستثمار والصناعات وبين المزارعين. أو الهوس بتحويل مزارع في وادي الأدن إلى منتجعات فردية لقضاء عطلات نهاية الأسبوع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock