أفكار ومواقف

العمل مع الفقراء

يتحول العمل الاجتماعي والتنموي إلى هدف وليس وسيلة، على نحو قد لا يدركه العاملون في المجال أو لا يريدون الاعتراف به، وهكذا يتحول العمل إلى مشكلة لأنه في هذه الحالة يصير الفقر ضرورة لاستمرار العمل الاجتماعي، ونصير نعمل ضد أنفسنا بدلا من العكس، يشبه ذلك قصة رمزية عن حماية طير مهدد بالانقراض، وبذلت جهود كبيرة للحفاظ عليه وتكثيره، لكن عندما كثرت الطيور شعر القائمون على العمل أنهم سيفقدون عملهم، هكذا تحول العمل لأجل أن يظل الطير نادر الوجود ومهددا بالانقراض.
إن الشراكة الأساسية مع الفقراء هي ضمان حصولهم على الغذاء والدواء والسكن والتعليم لأطفالهم، ومواجهة التحديات الأساسية المصاحبة للفقر مثل التسرب من المدارس وعمالة الأطفال، وسوء التغذية والاكتئاب والجرائم والتعرض للمخاطر، وفي مستوى تال بناء برامج تعليمية واجتماعية لرعاية التقدم العلمي والثقافي والاجتماعي، وفي ذلك لا نتحدث عن أحلام ومعجزات، لكن ضمن الموارد والفرص المتاحة، نحتاج فقط لمراجعة جادة وحسنة النية لاتجاهات العمل والإنفاق وقياس العائد عليها. وبالطبع يجب أن تتحمل المجتمعات نفسها من خلال الأفراد والبلديات والجمعيات (التي يجب أن يكونوا شركاء حقيقيين فيها، وليست جمعيات أنيقة محدودة العضوية ويقوم عليها غالبا أشخاص مقيمون في عمان أو تجمعات قرابية وشللية) مسؤولية إنجاح هذه البرامج والأهداف وتفعيلها بالشراكة مع المؤسسات المشتغلة في المجال، فلا يمكن أن تنجح هذه البرامج من غير مشاركة المجتمعات في العمل والمسؤولية والتخطيط.
ومعلوم بالطبع أنها اتجاهات وبرامج لا يتحمس لها المواطنون كثيرا حتى عندما يوافقون عليها ويشاركون فيها، فإنها في أحيان كثيرة تتوقف، ولا شك أن ذلك يشكل تحديا مقلقا للعمل الاجتماعي، ويجعله يدور في حلقة مفرغة، بل ويفسده ويحوله إلى عمل مضاد. وعلى نحو عام فإن البرامج الاجتماعية جميعها يجب أن تضع في حسبانها دائما أنها مؤقتة وأن مهمتها يجب أن تنتهي في مدة زمنية وأن استمرارها يؤشر إلى الفشل، فالمفروض أن يتحول المستفيدون والمستهدفون في مدة زمنية محددة إلى قادرين على الوفاء من غير معونة باحتياجاتهم الأساسية أو تحويلها إلى برامج روتينية لا تحتاج إلى تدخل كبير. فالعمل الاجتماعي يقاس نجاحه في التحول الذي ينشئه لدى الأفراد والمجتمعات على النحو الذي يحسن حياتها وقدرتها على امتلاك الموارد والفرص والخيارات لتدير وتنظيم احتياجاتها الأساسية بالمستوى الذي يتفق مع أهداف التنمية الإنسانية ويقلل الفجوة بين فئات المجتمع، والتمتع بالكرامة والمساواة والانتماء والمشاركة وعدم الشعور بالإحباط والتهميش أو أن يتحولوا إلى فئات خارجة من المجتمع أو خارجة عليه.
هل نحتاج لمواجهة أنفسنا بأننا نعمل ضد أنفسنا بل وننفق على ذلك، وأنه بغير كرامة المواطن لا فائدة ولا أهمية لكل ما ننفقه ونفعله، لكن ربما نحتاج لمواجهة أنفسنا بصراحة أكثر هل تستهدف برامج التشغيل والرعاية الاجتماعية والسياسات التعليمية والتنموية كسر إرادة المواطنين وإضعاف قدرتهم على التأثير في السياسات العامة والمشاركة فيها؟
وفي جميع الأحوال تحتاج الحكومة أن تعرف أن الشبكية أوقفت قدرتها على التذاكي على المواطنين أو الحد من تداول المعلومات والمعرفة وإنتاجها أيضا، وأن السلطة نفسها تتحول إلى لا مركزية لصالح المدن والمجتمعات.. ويحتاج المسؤولون والعاملون في المجال إلى استدعاء ما قدمته لهم الجامعات المفترض أنها مهمة وعريقة، أكثر مما يحتاجون إلى أداء وعروض إعلامية غير مقنعة بل تثير السخرية، أو قصص وأوهام عن الإيجابية والطاقة السلبية،.. الفقر ببساطة هو إقصاء المواطنين وعدم قدرتهم على إسماع صوتهم، وهذا هو تعريف البنك الدولي حرفيا للفقر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock