صحافة عبرية

العميل “مصعب” في مقابلة صحافية: ليتني كنت في غزة لأساعد في “تحرير” شاليط

 


هآرتس


26/2/2010


آفي يسسخروف


“ليتني كنت الآن في غزة”، يقول مصعب حسن يوسف في مكالمة هاتفية من كاليفورنيا. “في الماضي جئت بمعلومات عن مكان سائق سيارة أجرة اختطف في رام الله وحررته الوحدة الخاصة في هيئة القيادة العامة”. إنه يعلم اسم الوحدة بل إنه اشترى قميصا مع شعار “الوحدة الخاصة لهيئة القيادة العامة” بالإنجليزية. “لو كنت في غزة لارتديت بزة عسكرية وانضممت إلى القوات الإسرائيلية الخاصة لاطلاق جلعاد شاليط. لو كنت هناك لكنت أستطيع المساعدة. أضعنا سنين كثيرة في التحقيقات والاعتقالات كي نمسك بأولئك الإرهابيين الذين يريدون الآن اطلاقهم عوض شاليط. لا يجوز فعل ذلك”.


يقول هذا الكلام ابن الشيخ حسن يوسف، من كبار قادة حماس في الضفة. مصعب، في الثانية والثلاثين، يصدر هذا الاسبوع في الولايات المتحدة كتابه “ابن حماس” عن دار سولت ريفر.  وهو يسرد فيه لأول مرة قصة حياته الكاملة ويكشف فوق كل شيء هنا في صحيفة “هآرتس” وفي الكتاب السر الكبير الذي صحبه منذ 14 سنة.


التقيت مصعب يوسف آخر مرة في تموز (يوليو) العام 2008 في كاليفورنيا. وقص علي آنذاك التحول الذي جرى على حياته: في العام 1999 بدأ يقرأ المسيحية وبعد مضي بضع سنين غير دينه وأصبح مسيحيا. وقد نشر ملحق صحيفة “هآرتس” آنذاك هذا الخبر وحظي على الفور برد غاضب من حماس التي أنكرت الأمر. لكن المنظمة الاسلامية لم تتخيل آنذاك ان هذا طرف قصة أكثر دراماتيكية.


بعد مضي سنة ونصف استقر رأي مصعب يوسف على كشف الصورة الكاملة: فلمدة أكثر من عشر سنين عمل ابن رئيس حماس في الضفة عميلا للشاباك – لا لبواعث اقتصادية او مصلحية بل عن عقيدة خالصة.


نجح يوسف في هذه السنوات في إحباط عشرات العمليات الانتحارية، وكشف عن خلايا منتحرين ومخربين تشتمل على أولئك الذين خططوا لاغتيال مسؤولين كبار في إسرائيل مثل شمعون بيريز الذي كان وزير الخارجية آنذاك، والحاخام عوفاديا يوسف. واعتبر يوسف في الشاباك المصدر الأكثر ثقة وعظما الذي نجح جهاز الأمن العام في استخدامه في قيادة حماس وحظي بلقب “الأمير الأخضر”: “الأمير” – لكونه ابن رئيس حماس في الضفة. و”الأخضر” – بسبب لون راية المنظمة الإسلامية.


في أشد فترات الانتفاضة الثانية، قاد مصعب يوسف إلى اعتقال كبار المطلوبين الذين تتوج أسماؤهم كل يوم عناوين الصحف، مثل إبراهيم حامد ومروان البرغوثي، بل إنه تسبب في اعتقال أبيه كي لا يغتاله الجيش الإسرائيلي.


قصته التي لا تصدق يكشف عنها شخص شاب ذكي يثور بشجاعة على الحركة التي نشأ فيها بقصد إنقاذ حياة الناس، بل إنه يقنع الشاباك باعتقال مطلوبين بدل اغتيالهم.


أراد إنقاذ حياة الناس!


يصعب على “الكابتن لؤي”، وهو المسؤول عن استخدام مصعب يوسف في الشاباك، أن يخفي تقديره لـ”مصدره”. ويقول “يدين الكثير من الأشخاص بحياتهم له بل إنهم لا يعلمون بذلك”. ويضيف “إن أشخاصا فعلوا أقل منه كثيرا حظوا بجائزة أمن إسرائيل. من المحقق أنه يستحق ذلك. عرفته مدة ست سنين، كمسؤول عن المنطقة. وأقول لك، إذا كان عندنا “س” مركز استخبارات في المنطقة، فبفضله أصبح عندنا في  واقع الأمر س + 1. كان هو المركز الآخر. أتعلم، كان أفضل من أكثرنا من غير أن نهين أحدا”.


ترك الكابتن لؤي جهاز الأمن العام. وهو اليوم ضابط أمن في وسط البلاد وطالب جامعي. لكن يلحظ عليه أنه يشتاق إلى تلك الأيام والليالي التي قضاها في مطاردة المطلوبين والمخربين المنتحرين. ويقول عن يوسف “الشيء المدهش أن كل نشاطه لم يكن من أجل المال. لقد قام بأشياء آمن بها. أراد أن ينقذ حياة الناس. ولم يكن فهمه الاستخباري أسوأ مما عندنا. الأفكار والإدراك. كان إدراكه يساوي عندي ألف ساعة تفكير لأفضل الخبراء.


“سأقص عليك قصة. ذات يوم تلقينا معلومة عن أن مخربا منتحرا يفترض أن يصل ميدان المنارة في مركز رام الله، كي يحملوه وينقلوا إليه حزاما ناسفا. لم نعرف صورته بالضبط أو اسمه، لكن عرفنا فقط أنه في العشرينيات من عمره، يلبس قميصا أحمر. أرسلنا “الأمير الاخضر” إلى الميدان وحدد الهدف بأحاسيسه الذكية في غضون دقائق. عرف من الذي نقله، وتابع السيارة وقادنا إلى اعتقال المنتحر والشخص الذي كان يجب أن يعطيه الحزام. وهذا إحباط لعملية أخرى لا يكاد أحد يذكرها. لا يفتح أحد زجاجات شمبانيا أو يندفع إلى الرقص والغناء. لقد أظهر شجاعة، وحواسا ذكية، وقدرة على مجابهة الخطر. علمنا أنه يعطي أقصى ما عنده في كل وضع، في المطر أو الثلج أو الصيف.


التعذيب والتجنيد


يتذكر مصعب يوسف جيدا اليوم الذي دخل فيه رجل شاباك زنزانته في المعتقل في المسكوبية، واقترح عليه أن يعمل من أجل إسرائيل، أو بعبارة أخرى أن يصبح متعاونا. كان حتى ذلك الاعتقال عضوا في خلية طلاب حماس في جامعة بيرزيت وكان مشاركا في رمي حجارة. زج به في السجن بعد أن اشترى سلاحا فقط في العام 1996. في حاجز قرب رام الله أوقف جنود سيارة السوبارو التي قادها وأمروه بإطفاء المحرك.


ويقول مصعب “أخرجوني من السيارة وقبل أن استطيع الدفاع عن نفسي رموني أرضا وضربوني بشدة”. ويوضح أنه لم يخطط لأن يصبح متعاونا ولا قرر ذلك فجأة. “نقلت الى المعتقل، المسكوبية، وتعرضت إلى تعذيب غير سهل وضربوني مرة بعد أخرى في التحقيق، وقيدوا يدي بقوة. آنذاك أتى رجل الشاباك وعرض علي أن اعمل معه. لم أطلب مالا لأن وضعي المالي كان جيدا. فكرت في أن أقول له إنني موافق كي اصبح عميلا مزدوجا ولأنتقم من الشاباك ومن إسرائيل لاعتقالي وللأمور التي فعلوها بأبي. كانت خطتي أن أجمع معلومات عن الشاباك من الداخل وأن استعمل ذلك في مواجهة إسرائيل. علمت أن الحديث عن جهة ظلامية سيئة وعن أشخاص سيئين يقومون باشياء فظيعة كإرغامهم شخصا على أن يصبح متعاونا. لم أعلم آنذاك ما الذي يتحدث عنه وما هو الشاباك حقا. وبعد أن وافقت تركوني في السجن مدة 16 شهرا كي لا أخرج مبكرا جدا، لأن ذلك كان سيثير ارتيابا بأنني عميل للشاباك”.


يقول إنه شهد في فترة سجنه أشياء فظيعة. “مكثت في السجن مع أعضاء حماس، ومع مسؤولين كبار في المنظمة استعملوا جهازا يسمى مجد – وهو جسم أمني داخلي في حماس يرمي إلى الكشف عن عملاء لإسرائيل. كانوا يعذبون السجناء، وأكثرهم من حماس، لأنهم شكوا في تعاونهم. كان عملي أن أسجل الاعترافات وشهادات المحقق معهم واعتمدوا علي لأنني كنت ابن الشيخ. هناك فقدت ثقتي بحماس. لقد قتلوا أشخاصا بلا سبب. في حين كان الجميع يحذرونني من الشاباك، رأيت لأول مرة في حياتي أعضاء حماس يعذبون رفاقهم وأبناء شعبهم بقسوة لا مثيل لها. لم تهمهم الحقيقة قط. كان يكفي أن يرتابوا بشخص ما حتى تنتهي قصته. لقد عذبوا بقسوة، وأحرقوا أجساد المحقق معهم، ووخزوهم بالأبر واطفأوا السجائر في أجسادهم.


“أقسمت لنفسي أنني عندما أتحرر لن أظل في حماس ولن أعمل مع إسرائيل ايضا. اطلقت من السجن في العام 1997 وأنشأ الشاباك صلة بي. استقر رأيي على قطع الصلة بيني وبينهم، وأردت أن أجابههم كي أفعل ذلك كما يجب. فاجأني أن اللقاء الأول كان وديا جدا ولذيذا. كنت في فضول لأعلم أكثر، لم تكن عندي خطط لقتل أحد أو للتجسس، كنت فضوليا ببساطة. وهكذا وافقت على لقاء مستخدمي، الكابتن لؤي، مرة ثانية وبعدها مرة بعد أخرى”.


يقول إن ضابط الشاباك نجح في المرة الثانية في مفاجأته. “بين لي أنني إذا كنت أريد العمل مع الشاباك فعلي أن احترم عددا من القواعد. لا يجوز لك مصادقة نساء فاسدات وأن تسلك سلوكا غير أخلاقي، هذا ما قاله لي. لا تجامع نساء وتسلك سلوكا أزعر، أنت خاصة، ابن شيخ، يجب عليك أن تجد عملا وأن تسوي أمورك. ذات مرة، في منتصف لقاء مع الكابتن لؤي في القدس، أوقف اللقاء وسألني: هل صليت الظهر؟ كنت متفاجئا وقلت لا. فطلب مني أن اذهب لأتوضأ وأصلي الظهر ثم نكمل.


“كان من المهم لهم أن استمر على البقاء كما أنا، وألا أتغير، وأن أكون جديا. فهم يريدون أشخاصا محترمين يقدرهم مجتمعهم لا أولئك الذين لهم سمعة سيئة. وأصبحت أكثر فضولا وأردت ان أتعلم عنهم أكثر. عاد مستخدمي وقالوا لي كل مرة من جديد: عليك أن تحترم أباك وأمك وألا تسيء إلى أحد. لم يطلبوا حتى ذلك الحين معلومات عن أي شخص وأصبحت أكثر جدية في الصلة بهم. احترمني مستخدمي من جهتهم وعاملوني معاملة حسنة جدا بل ساعدوني في الدراسة. كنت مندهشا لسلوكهم. لم يريدوا العمل ضد الفلسطينيين اطلاقا بل ضد المتطرفين. نظرت إلى هؤلاء الناس الذين أردت في الماضي كثيرا أن أقتلهم وتبين لي أن كل ما علمته عنهم لم يكن صحيحا”.


كانت تلك أيضا الفترة التي بدأ فيها يقترب من المسيحية وقرأ الانجيل. “أذكر أنني صادفت جملة “أحب أعداءك”، ما جعلني أفكر – هؤلاء أعدائي، الشاباك، والجنود الذين يحاولون فقط أداء عملهم. فكرت بيني وبين نفسي كيف تسلك حماس في وضع عكسي، هل كانوا يظهرون الرحمة لليهود؟ وفكرت في نفسي من الذي تهزأ به، أكانت حماس وفتح تسلكان مسلكا أكثر انسانية؟ ما عدت أستطيع تعريف من هو عدوي. صحيح، ارتكب الشاباك أخطاء وقتل أناسا غافلين لكن هدفه الرئيس وهدف إسرائيل كان الحفاظ على مبادئ دولة ديمقراطية. يوجد 1.2 مليون فلسطيني يعيشون في إسرائيل، داخل الخط الاخضر، ويتمتعون بحقوق وبنماء ورفاهة في إسرائيل أكثر مما في أي دولة عربية. ومع ذلك كله أخذ هؤلاء الجنود أبي أمام عيني، واطلقوا النار على اشخاص أمام عيني. وصدقني أنه لم يكن سهلا عليّ أن أعمل من أجل هؤلاء الأشخاص، كان هذا تحولا حقيقيا”.


* ماذا كانت أهدافك عندما وافقت على العمل من أجلهم؟


– “رأيت تعذيبا وقتلا وحربا على الأرض. أرى أن حياة الانسان وإنقاذه هو الشيء الأهم، أكثر من أي قطعة أرض أو عقار. أردت أن أنقذ وأنقذت حياة إسرائيليين وفلسطينيين. لم يكن ذلك لأن الشاباك ضغط عليّ أو من أجل  المال. فعلت ذلك لأنني فهمت ما هي حماس حقا وكان علي أن أقوم بتغيير من أجلي ومن أجل الآخرين. وقلت لنفسي إنهم حتى لو زعموا أنني خائن فليقولوا ما يشاؤون. لن يصدقني الناس وسيعتقدون أنني فعلت ذلك من أجل المال لكنهم لا يعلمون. كنت سعيدا، سعيدا جدا، عندما أوقفت مخربا انتحاريا”.


من خطط للانتفاضة؟


خلال المقابلة الصحافية يبرز استعمال مصعب يوسف لضمير المتكلم الجمعي، “نحن”، و”اعتقلنا”، حين يتناول عمل الشاباك. ولديه في كاليفورنيا قميص كتب عليه بالانجليزية “أنا أعمل عملاً سرياً لا أعلم ما هو – جهاز الأمن”. يقول ويضحك: “يوجد لدي أيضا قميص للجيش الإسرائيلي، بلون زيتي مع الشعار الذي أحبه جدا”.


في العام 1999 كان مصعب في قلب قيادة حماس في الضفة، وصحب أباه في كل مكان. وكما ينشر لأول مرة في الكتاب، فكر الشيخ حسن يوسف بتأسيس حماس في الضفة قبل أن تقام رسميا بسنة، ويقول مصعب في الكتاب إن أباه الشيخ حسن يوسف التقى الشيخ أحمد ياسين ومحمد جمال النتشة، ومحمد مصلح وآخرين في الخليل في العام 1986، وخططوا لإقامة المنظمة. وفي كانون الأول (ديسمبر) العام 1987 أعلنت حماس تأسيسها رسميا.


في أيلول (سبتمبر) العام 2000، عندما كان اريل شارون يوشك أن يزور جبل الهيكل، كان من الطبيعي أن يصحب مصعب يوسف أباه إلى اللقاءات. وفي 27 ايلول (سبتمبر)، قبل زيارة شارون بليلة، التقى الشيخ يوسف مروان البرغوثي، قائد تنظيم فتح في الضفة وعددا من قادة الفصائل الأخرى. “نقلته إلى اللقاء وعندما عدنا قال لي إنهم اتفقوا على أن يحركوا، بعد زيارة شارون للحرم، مظاهرات تؤدي إلى انتفاضة في آخر الأمر. كانت خططهم إثارة أحداث شغب تستمر أسبوعين أو ثلاثة”.


ويضيف: خططوا للانتفاضة ولا يقولون لك غير ذلك. لم تشأ قيادة حماس في الخليل وفي غزة المشاركة في أحداث الشغب، لأنها زعمت أن عرفات لا يستحق أن يساعدوه بعد أن طارد المنظمة على نحو شديد جدا. وفي الحقيقة لم تشارك حماس في غزة في المظاهرات في بدء الانتفاضة. لكن أبي كان مؤيدا لذلك”.


* ماذا يعني خططوا؟ هل طلب منهم عرفات فعل ذلك؟


– “لا استطيع أن أقول لك بيقين إنه اعطى أمرا. لكنه بارك النهج. أيها الرجل، ما الذي تعتقد – كان البرغوثي وحسين الشيخ، وكل اولئك الذين نظموا المظاهرات، يلتقون عرفات كل يوم. فما الذي تحدثوا فيه هناك آنذاك؟ لكن ليس هذا أسوأ شيء تبينته آنذاك عن عرفات. كنت أنا الذي كشفت عن أن الخلية الأولى من كتائب شهداء الأقصى كانت في واقع الأمر جماعة من أعضاء الحرس الرئاسي لعرفات، القوة 17، حصلت على أموال من مروان البرغوثي، حصل عليها من عرفات”.


* كيف نجحت في الكشف عنهم؟


– “في تلك الفترة بدأت العمليات الأولى على المحاور في أنحاء الضفة، في مواجهة المستوطنين وجنود الجيش الإسرائيلي. تلقيت مكاملة هاتفية من الكابتن لؤي وقال لي إن لديهم معلومات عن أن عددا من الأشخاص غير المعروفة هوياتهم زاروا ماهر عودة، وهو مسؤول كبير في الذراع العسكرية لحماس، ويجب أن أفحص من هم. كنت قد عرفت عودة في السجن عندما كان مسؤولا عن “مجد”، وهي الجهة الأمنية المسؤولة عن التعذيب. لقد تحرك بسرية كبيرة. استخدمت سيارة، في ذلك المساء، وأوقفتها مقابل بيته. بعد نحو نصف ساعة خرج عدد من المسلحين من مبناه ودخلوا سيارة شيفروليه خضراء ذات لوحات بالعبرية. بدأت أتابعهم وفقدتهم. غضبت على نفسي لأنني فقدتهم. في الصباح، وبسبب توتر الأعصاب، خرجت بسيارتي وتنقلت في المدينة كلها لأبحث عنهم. يئست في آخر الأمر ودخلت مرآبا لغسل السيارات.


فجأة رأيت الشيفروليه الخضراء تمر. قال صاحب المرآب الذي علم أنني ابن الشيخ، إنهم من أفراد القوة 17 وانهم يسكنون بيتونيا. لم يكن ذلك منطقيا. لماذا يسكن أعضاء القوة 17 خارج المقاطعة ويكونون مشاركين في العمليات؟ ذهبت إلى العنوان الذي اعطاني إياه صاحب المرآب وعثرت على سيارة الشيفروليه الخضراء. ومن ثم أسرعت إلى إبلاغ لؤي. لم يصدق قائده. فما الذي يجعل حرس عرفات الشخصي يفعلون ذلك؟ يجب أن نتذكر أنهم اعتقدوا حتى ذلك الحين أن كتائب شهداء الأقصى هي مجموعة من حماس، ولم يعلموا عنهم شيئا. قالوا لي لا يمكن أن أكون رأيت ذلك.


“اغضبني ذلك جدا”. سألني لؤي عما إذا كنت واثقاً من أنها شيفروليه لا بي أم دبليو. ذهبت مرة أخرى إلى البيت ورأيت في الموقف سيارة مغطاة بغطاء أبيض. تقدمت بهدوء إلى السيارة ورفعت الغطاء قليلا. تبينت بي أم دبليو طراز 82. اتصلت بلؤي وأخبرته بالسيارة. “مرحى! وجدناهم”، صرخ. وأوضح أن السيارة التي وجدتها قد استعملوها في جميع العمليات الأخيرة التي قتل فيها 12 شخصا.


“بعد مضي وقت قصير حاصرت قوات الجيش الإسرائيلي المبنى في بيتونيا لكن الجماعة لم تكن هناك. لقد أدركوا أنهم كشفوا وسارعوا إلى الاختباء في المقاطعة. كان هناك اثنان مركزيان: أحمد غندور ومهند أبو حلوة. قتل غندور بعد شهور كثيرة برصاصة من سلاحه. وأرسل أبو حلوة أشخاصاً آخرين بعد ذلك لتنفيذ عمليات. كان نموذجاً مريباً، اعتاد أن يتجول حاملا رشاشا ثقيلاً في وسط الشارع وأن يطلق النار في كل فرصة. أراد الشاباك اغتياله وأبلغت لؤي أنني موافق على المهمة حتى لو كان معنى ذلك أن يقتل. شعرت بأنه لا مناص وإلا فسيستمر مهند في قتل أبرياء.


“في الرابع من آب (أغسطس) العام 2001 انتظرت خارج مكتب مروان البرغوثي إلى أن شاهدت أبا حلوة يدخل عليه. بعد مضي بضع ساعات خرج ودخل سيارته الغولف المذهبة. أبلغت الشاباك أنه في السيارة وحده، كان من المهم لهم ألا يصاب مروان البرغوثي. انتظر الإسرائيليون قليلا حتى ابتعدت السيارة وأصبحت في منطقة مفتوحة ثم أطلقوا عليها صاروخا. يبدو أنه رأى الصاروخ يقترب وحاول أن يقفز خارجا، لكن الصاروخ أصاب الغولف وطار من السيارة. وأطلق صاروخ ثان أصاب الرصيف. أنا، وكنت أجلس في سيارة على بعد 100 متر من هناك، شعرت بقوة الارتداد. اشتعلت السيارة وكذلك مهند لكنه لم يقتل.


في ذلك المساء ذهبت مع أبي لزيارة مهند في المستشفى. كان وجهه محروقاً وصعب علي أن أنظر إليه. لكنه شفي وواصل رحلة قتله. وتم اغتياله بعد مضي بضعة أشهر فقط، فقد أطلقت مروحيتان عليه النار عندما خرج من مطعم في بيتونيا”.


مثل زعيم في حماس


عرف “الأمير الأخضر” كيف يستعمل اسم ابيه كي ينشئ لنفسه شبكة علاقات داخل المنظمة. وبعد اغتيال الشيخ جمال سليم وجمال منصور في نابلس، وهما اثنان من أصدقاء أبيه، في تموز (يوليو) العام 2001، قرر أن يعزل أباه وأن يخفيه كي ينقذه من الموت. أخرجه من بيت العائلة، وأسكنه فندقا وأقال حراسه، وأبلغ الشاباك آنذاك بمكانه لكنه اتفق مع مستخدميه على ألا يقترب أي إسرائيلي من أبيه.


يقول مصعب “بدأت في تلك الفترة أتصرف مثل زعيم في حماس. تجولت حاملا بندقية ام 16، وأكدت رابطة الدم مع الشيخ وتجولت مع أعضاء الذراع العسكرية في حماس، الذين كانوا على ثقة من أنني عالم بكل ما يحدث في قيادة المنظمة. وحدثوني عن مشكلاتهم واستقيت معلومات أكثر فأكثر”.


بل إن مصعب نجح في أن يقيم علاقة مباشرة برئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، في دمشق، وتحادثا بالهاتف مرة كل أسبوع، على الاقل. ويورد مصعب في كتابه كيف طلب الموساد مساعدة الشاباك للكشف عمن هو ذلك “الرجل الخطر” في رام الله، الذي يحادثه مشعل على نحو ثابت. ويكتب مصعب أن الشاباك اختار أن يحفط سره وأن يحجبه عن الموساد.


وهكذا جاء في كتابه عن تلك الفترة: “أصبحت في سن الثانية والعشرين مصدر الشاباك الوحيد داخل حماس، الذي كان قادرا على دخول الذراع العسكرية والسياسية والفصائل الأخرى أيضا. لكنني علمت أنني لا أتحمل هذه المسؤولية وحدي. كان واضحا عندي أن الله مكنني في هذا الوضع في قلب حماس والقيادة الفلسطينية، وفي اللقاءات مع ياسر عرفات وقوات الأمن الإسرائيلية. أصبحت في موقع متميز لفعل العمل واستطعت أن أشعر بأن الله كان معي”.


أُبعد عن العلاقة المباشرة بعرفات، كما قال، بسبب خطأ غير إرادي: “التقيت عرفات عدة مرات عندما صحبت أبي في اللقاءات التي أجراها معه. لم أحبه، لكنني لم أستطع إظهار ذلك. قبلني ذات مرة ومسحت الرطوبة على نحو غريزي. شعر بالإهانة وشعر أبي بالحرج ومنذ ذلك الحين لم يأخذني إلى لقاءات أخرى معه”.


كذلك لم يثر مروان البرغوثي تقديرا فيه. “إنه إرهابي على يديه دم إسرائيليين كثر. وبالرغم من أن الشاباك كان يبغضه، إلا أنه لم يشأ تصفيته كي لا يصبح قديسا أو بطلا. عرفت مروان عن طريق أبي. صحبته إلى لقاءات مع مروان في بدء الانتفاضة لكن في لقاءات أيضا بعد ذلك عندما اجتمع ممثلو الفصائل. أصبحت عند حماس وسيطا بين المنظمة والفصائل الأخرى، وبخاصة عندما نزل أبي تحت الأرض وتوجهوا إليّ من المنظمات الأخرى مرات كثيرة طالبين مواد متفجرة وسلاحا. وأعتقد كل واحد أن عندي ما اقترحه ووثق بي لأنني ابن الشيخ.


“هكذا أتاني أحمد “الفرنسي” البرغوثي، مساعد مروان المخلص، الذي أبلغني أنه محتاج إلى مواد متفجرة كثيرة من أجل عدد من المخربين الانتحاريين القادمين من جنين. قلت له أنني سأحاول أن أرتب له شيئا ما، لكنه في  تلك الليلة أرسل أحدهم لتنفيذ العملية في سي – فوود ماركت في تل أبيب. وفي الصباح اعتقلنا جميع الآخرين”.


القيادي في فتح مروان البرغوثي محاطا بجنود الاحتلال لدى اعتقاله في رام الله في نيسان (ابريل) العام 2002 وقد وزع الجيش الاسرائيلي الصورة بعد إخفاء وجوه جنوده - ( (mct


“الأمير الأخضر” ساعد الاستخبارات الإسرائيلية في اغتيال واعتقال عشرات المقاومين


مظلة حماية الشيخ


“لأبي الحبيب وعائلتي المصابة. لضحايا النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. لكل حياة الناس الذين أنقذهم إلهي. لعائلتي، أنا فخور بكم جدا. إن إلهي فقط يستطيع أن يرى ما الذي جرى عليكم. أدرك أن ما فعلته سبب جرحا عميقا آخر قد لا يندمل في هذه الحياة وربما تضطرون إلى معايشة هذا العار إلى الأبد… مع الحب، ابنكم”. (من مقدمة الكتاب).


في المقابلة الصحافية الحالية، كما في اللقاء السابق أيضا، عاد “الأمير” وأكد مبلغ حبه لأبيه. يقول لؤي أيضا إنه سمع منه كثيرا عن التربية على حب البشر التي تلقاها من أبيه. ومع ذلك كله كان هذا الابن هو المسؤول عن اعتقال أبيه ونقل المعلومات التي أفضت إلى اعتقاله. وإلى ذلك ولكي يغطي على حقيقة أنه مصدر المعلومات استعمل مصعب أمه: قال لها أين يختبئ أبوه كي تذهب للقائه. تم الاعتقال بعد دقائق من وصول الأم إلى الشيخ يوسف، وفي حماس – كما في الجيش الإسرائيلي أيضا – افترضوا أن متابعيها تبينوا على هذا النحو مكان اختبائه.


“الولد أنقذ أباه”، يدافع عنه الكابتن لؤي. “لو لم يكن هو لكان أبوه مات عشر مرات. أصبح في الحقيقة شبه مظلة حماية لأبيه، وقد فهم ذلك. ذات مرة، بعد العملية في بيت إسرائيل في القدس، أصدر اريل شارون أمرا بإطلاق النار على كل متحرك متنفس من حماس، تقريبا. طرح اسم أبيه للنقاش على أنه مرشح للاغتيال. وأكد مصعب أن أباه مهم له وأن حياة الناس عزيزة عليه عامة وهكذا منع اغتياله”.


بعد وقت قصير من اعتقال الأب في صيف العام 2002، دبر مصعب يوسف مع لؤي اعتقاله هو. واعتقل عدة أشهر في اعتقال اداري والتقى أباه في السجن مثل معتقلين تماما. وخرج مصعب من السجن في نيسان (ابريل) العام 2003.


في آذار (مارس) العام 2001، خرج صديق طفولة لمصعب، هو ضياء الطويل، ابن أخ مسؤول كبير في حماس، في عملية انتحارية في التل الفرنسي. ارتاب الشاباك بخمسة مسؤولين كبار في المنظمة قد يكونون مشاركين هم: محمد جمال النتشة، وصلاح تلاحمة، وابراهيم حامد، وسيد الشيخ قاسم وحسنين رمانة. عرف مصعب الخمسة كلهم من الفترة التي سبقت الانتفاضة، بل إنه أقل حامدا الى بيته عندما سرحتهم السلطة الفلسطينية من السجن في بدء الانتفاضة.


في صيف 2001، لم يكن المسؤولون في الشاباك وفي الجيش الإسرائيلي قد سمعوا بعبد الله البرغوثي. لكن العملية التفجيرية في “دولفيناريوم” في حزيران (يونيو)، وبعدها العملية في مطعم سبارو في القدس في آب (أغسطس)، تركتا الشاباك في حيرة، لأن أحدا لم يعرف من هو المهندس الذي أعد متفجرات بهذه القوة التي لم يسبق لها مثيل. يقول مصعب إن السي أي إيه ابلغت السلطة الفلسطينية بأنها تعلم أن عبدالله البرغوثي ينتج المتفجرات الفتاكة وأنه يسكن عند قريبه بلال البرغوثي. وقد اعتقله الأمن الوقائي، وعقب ضغط الادارة الاميركية على السلطة الفلسطينية لتعمل في وقف العمليات التفجيرية، طُلب من مروان البرغوثي أن “يهدئ” عبدالله وأن يفهم ما هي خططه.


لم يكن عبدالله البرغوثي مشايعا تماما لحماس فقد كان شبه “منتم حر”، عمل مع جميع المنظمات لكنه كان أكثر موالاة للمنظمة الإسلامية. لهذا عندما هب مروان البرغوثي لأداء المهمة التي ألقيت عليه، قرر أن يضم إليه الشيخ حسن يوسف. أقل مصعب أباه إلى قيادة الأمن الوقائي. “جلس عبدالله في غرفة كبيرة ودخن سيجارة. توجه إليه أبي الذي لم يعرفه وبين له أنه إذا حدثت عمليات  تفجيرية أخرى مثل عملية الدولفيناريوم أو سبارو، فإن إسرائيل ستغزو الضفة وتمس بالسلطة، وستحتجز في الفرصة نفسها عبدالله أيضا. لقد أراد أن يمنع أي عملية”.


“قال عبدالله إنه أرسل أربع شحنات ناسفة فتاكة إلى نابلس كي تركب هناك في سيارات ملغومة تفجر قرب سيارة وزير الخارجية آنذاك شمعون بيريز. وتحدث أيضا عن شحنات ناسفة أرسلها إلى الشمال من هناك، ترمي إلى المس بأعضاء كنيست يهود. لكن عبدالله بين أنه لا يعلم من هم الأشخاص وأن كل ما يملكه رقم هاتف. وافق على إجراء مكالمة هاتفية لإلغاء العملية. لم يشأ مروان أن نتصل من هاتفه الخلوي، ولم يوافق أبي أيضا على استعمال هاتفه لذلك. وتم الاتفاق على أن أذهب لشراء هاتف خلوي جديد وأن نتلفه بعد المكالمة الهاتفية. اشتريت هاتفا، وكنت، في تلك الأثناء، قد أبلغت الشاباك بالرقم الذي يتابعون التنصت عليه، وعدت إلى عبدالله واتصل بمن اتصل بهم. كان الشاباك يصغي إلى كل شيء. واستقر الرأي في ذلك اليوم على تعزيز حراسة أعضاء الكنيست الإسرائيليين كخطوة وقائية”.


تم حجز عبدالله البرغوثي عدة أشهر أخرى في موقع الأمن الوقائي ومن جملة أسباب ذلك الضغط الأميركي. لكن عندما طرأ تدهور آخر على الوضع، بعد اغتيال رائد الكرمي في طولكرم، أطلق سراحه. ويزعم مصعب يوسف أن الإطلاق تم على إثر ضغوط من مروان البرغوثي على جبريل الرجوب.


“في اليوم الذي أطلق فيه عبدالله التقاه مروان وأعطاه ألفي دولار وأمره بأن يختفي وأن يفعل ما يجب عليه فعله”.


نجح عبدالله البرغوثي في التهرب من مطارديه مرة بعد أخرى بل إنه سكن بيتا أقام الجيش موقعا عليه من دون أن يعلم من يوجد تحته. وفي آذار (مارس) 2003 فقط اعتقله الشاباك. وكان مصعب آنذاك في السجن الإسرائيلي محاولا أن يصرف عنه شبهة التعاون.


تمثيلية الشاباك


في احد أماسي آذار (مارس) العام 2002 سمع طرق على باب بيت العائلة. تقدم مصعب لفتح الباب ورأى شخصين على الباب. “نحن نبحث عن الشيخ حسن يوسف”. سألت “في أي أمر” وقالا انهما يمثلان خمسة انتحاريين أرسلوا لتنفيذ عمليات انتحارية. وقالا إنه تم اعتقال عنصر الارتباط ويحتاجان إلى مكان آمن يمكثان فيه. قلت لهما إنهما وصلا إلى المكان الصحيح. وقالا إن معهما سيارة مليئة بالمواد المتفجرة. طلبت أن يتركا السيارة، وأعطيتهما مالا وبينت لهما أين يختبئان. نقلت إلى لؤي المعلومات وتبين في غضون نصف ساعة أن شارون أجاز اغتيالهما.


“قلت إنهم إذا مسوا بهما فسأكف عن العمل مع الشاباك. “هل تهددنا؟” سألني لؤي وأجبت أنني لا أوافق على قتل الناس. الحديث عن خمسة شبان جاهلين لا يعلمون البتة ما الخير وما الشر. علمت أن محاولة اعتقالهم ستكون خطراً عظيما على الجنود وعليّ، لأنهم يعرفونني وسيشكون بأنني قدت إلى اعتقالهم. ومع ذلك تابعت الإصرار على عدم قتلهم.


“وافق الشاباك، الذي لم يشأ أن يخسرني آخر الأمر، لكن طلب أن يعلم ما الذي يحدث داخل الغرفة التي ينامون فيها. ذهبت إليهم مع قطعة أثاث أتيت بها في ظاهر الأمر إلى شقتهم، لكنهم لم يعلموا أنه قد ركب في داخلها أجهزة تنصت حساسة جدا. في 16 آذار (مارس) أحاطت قوات خاصة بالمبنى الذي سكنوه في مركز رام الله. وانتظرت القوات إلى أن علمنا بيقين انهم نائمون، وعندها تم تفجير الباب. واستطاع أحدهم ان يقفز من النافذة مع سلاح، وأطلقت عليه القوات الإسرائيلية النار فأردته قتيلا. آنذاك في اللحظة التي أجلسوا فيها الأربعة الباقين في سيارة الجيب، في الطريق إلى زنزانة الاعتقال، ذكر أحدهم إسمي. أصبحت على ثقة من أنني “محروق” ولم أعلم ما أفعل، إلى أن ابتدع لؤي فكرة. أطلق ذلك الذي ذكر اسمي، وهكذا اعتقد الآخرون أنه كان هو الذي دل عليهم. في التحقيق مع الثلاثة الباقين في المعتقل تبين أن أحدهم كان مكلفا بمهمة اغتيال الحاخام عوفاديا يوسف.


“لهذا أقول مرة أخرى: لو فعلت ذلك من أجل المال، هل كنت أصر على ألا يقتل خمسة انتحاريين؟ كنت أدعهم يموتون”.


يقول مصعب إنه كان واضحا للشاباك أنه يواجه خطر الانكشاف. “كان أمامنا خياران: إما إعادتي إلى السجن وإما “تمثيل تمثيلية”، كما قال لؤي – تمثيل محاولة اعتقال حقيقي، كبيرة مدهشة، لا تضلل حماس فقط بل الجيش أيضا. أعطى الشاباك قوة مستعربين معلومات استخبارية فحواها أنني مسلح خطر وأنني سآتي لزيارة قصيرة لبيت أمي. أمروني في تلك الاثناء بأن آتي إلى بيت أمي وأن انتظر في سيارة أمر الشاباك. عندما تلقيت مكالمة هاتفية من لؤي شغلت السيارة وخرجت سريعا إلى مكان مخبئي الجديد. في غضون دقيقة أتى المستعربون في عشر سيارات تحمل لوحات فلسطينية. أحاطوا بالبيت ودعوا سكانه جميعا الى الخروج. خرجت أمي وأخي وأخواتي خارجا.


“في تلك الأثناء، وللتحقق من أن عملية الدهم ستحظى بنشر واسع سربت إلى الجزيرة أنهم يحاولون اغتيال أبي، وأتى فريق تصويرهم إلى المكان. لكن الجنود طلبوا بمكبرات الصوت من مصعب حسن يوسف ان يخرج، لا حسن يوسف”. في تلك اللحظات ابتدأ عشرات من المسلحين الفلسطينيين يقتربون من المكان حيث أدركوا أن هناك عملية قرب بيت الشيخ، وأطلقت مروحيات سلاح الجو النار عليهم لوقفهم. في تلك المرحلة كنت أجلس أمام التلفاز في شقة مخبئي الجديد وشاهدت الدراما كلها ببث حي. بل إن الجيش أطلق صاروخا على الطابق الثاني من بيتنا ودمره تماما. واصبحت بين عشية وضحاها مطلوبا كبيراً وعرف العالم العربي كله بذلك.


انتقام الرجوب


في عملية “السور الواقي” تحرك مصعب في أنحاء المدينة، بالرغم من أن مستخدميه طلبوا أن يظل في الفندق الذي “اختبأ” فيه، وكذلك أقام أبوه في شقة مخبأ وعندما مشط الجيش البيوت، تجاوز الجنود على نحو عجيب عن البيت الذي اختبأ فيه الشيخ. قال لي أبي: “هذه معجزة. لقد بحثوا في جميع البيوت حولنا وتخلوا عن بيتنا فقط”.


وعندما دخل الجيش منطقة رام الله، كان أحد الاهداف الرئيسة التي دهمها قيادة الأمن الوقائي في بيتونيا. تمت في ذلك الموقع معركة إلى أن تلقى أعضاء الأمن الوقائي في المبنى أمراً من قائدهم جبريل الرجوب بالاستسلام. في ذلك الوقت أمر الجنود جميع الموجودين في المكان بخلع ملابسهم والخروج عراة. فعل الجميع ذلك، من أعضاء الأمن الوقائي وسجناء حماس الذين اعتقلوا في الموقع. وقد ألبس مئات الأشخاص أردية ونقلوا في الحافلات إلى معسكر عوفر.


آنذاك فقط أدرك الشاباك، كما يقول مصعب خطأه: كيف يستطيع أن يقرر من هو مطلوب ومن هو من الأمن الوقائي، في حين أن جميع بطاقات الهوية بقيت في القيادة المدمرة حتى الأساس؟ كان عوفر ديكل آنذاك قائد منطقة القدس في الشاباك. “كان مسؤولا عن العملية”، يقول مصعب. “قرر الاتصال بجبريل الرجوب وأن يطلب إليه أن يأتي ليتعرف على الأشخاص التابعين له. وافق الرجوب، وذهب إلى معسكر عوفر وتعرف على جميع المطلوبين باعتبارهم أعضاء في الأمن الوقائي. وحرر الشاباك جميع المطلوبين ما عدا بلال البرغوثي الذي عرفوه وبقي في المعتقل أعضاء في الأمن الوقائي. عندما تبينوا الخطأ غضب ديكل وسأل الرجوب لماذا فعل ذلك. أجاب الرجوب بصوت هادىء “دمرتم قيادتي”. كان ذلك محرجا جدا للشاباك، والشيء الوحيد الذي بقي ليفعله هو الانتقام. فنشر إشاعة بأن الرجوب سلم المطلوبين إلى الشاباك في إطار صفقة كبيرة مع السي آي إيه”.


وفي حديث إلى صحيفة “هآرتس” ينكر الرجوب أنه كان هناك. ويقول نائبه آنذاك، جبرين البكري، وهو اليوم حاكم نابلس أنه لم يكن في المنطقة وانه لا يعرف التفصيلات. “أعتقد أن عبد علون كان الشخص الذي فعل ذلك”. وقد رفض مستخدمو  مصعب يوسف في الشاباك التطرق الى هذه الحادثة.


أهم المطلوبين


في 31 تموز (يوليو) العام 2002 انفجرت شحنة ناسفة في الحرم الجامعي في هار هتسوفيم في القدس. وبعد الحادثة فقد مصعب يوسف الصلة التي أنشأها لمدة سنين برجل الذراع العسكري صلاح تلاحمة. يقول: “أصبحنا أصدقاء حقا، بل إنه ساعدني في دروس خاصة في الاقتصاد”. كذلك اختفى المحيطون بتلاحمة – النتشة ورمانة وحامد وقاسم. وقد أفضت التحقيقات في تلك العملية إلى خمسة من سكان قرية سلوان منهم محمد عرمان، الذي قال في التحقيق معه تحت التعذيب إن “الشيخ” مسؤول عن استخدامه، لكنه لم يعرف اسمه. عندما عرضوا عليه صورة ابراهيم حامد، عرفه على الفور.


بعد مضي سنة وأربعة أشهر فقط عثرت قوات الأمن الإسرائيلية على إحدى أشد الخلايا فتكا والتي عملت في الضفة. ومع انقضاء معركة استمرت الليل كله قتل تلاحمة وقاسم ورمانة الذين اختبأوا في مبنى سكني في رام الله. وأبلغ الكابتن لؤي مصعبا بأن صديقه الحميم التلاحمة قتل، وطلب إليه أن يذهب إلى المستشفى في رام الله للتعرف على الجثث. “عرفت صلاحا (تلاحمة) على الفور. كان قاسم مقطعا إرباً إرباً ولم أنجح في التعرف على رمانة. ومع عدم وجود نشطاء مركزيين آخرين من حماس، اضطررت إلى تنظيم جنازة صديقي صلاح والآخرين”.


لم يكن حامد في المبنى. ويقول مصعب “خبأ الشاباك أجهزة تنصت كثيرة في بيته، مؤملا أن يقول أحد أبناء العائلة شيئا ما لكنهم كانوا حذرين جدا. حامد اختفى ببساطة”. في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2004 أُطلق الشيخ حسن يوسف من السجن. أتى مئات الاشخاص إلى مكتبه في الأيام التي تلت ذلك وطلبوا مساعدة. كان الشيخ في نظرهم زعيم حماس في الضفة. لكن مصعبا يقول إن أباه لم يكن يملك مالا ولا قدرة على الوصول لمصادر المنظمة المالية. وخلص مصعب إلى استنتاج أن حقيقة أن المنظمة تستمر في العمل بعد أن قتل أو اعتقل أكثر قادتها المعروفين، تشهد بأن لها قيادة سوية تتصل مباشرة بقيادة حماس في دمشق وبالذراع العسكرية.


قبل ذلك ببضعة اشهر طلب لؤي من مصعب أن يذهب إلى مقهى انترنت في رام الله، فمن هناك يتصل شخص ما بالبريد الالكتروني لقيادة حماس في دمشق. لم يعرف الشاباك ذلك الشخص وطلب إلى “الأمير” أن يتشمم. عندما وصل المقهى كان هناك عشرون شخصا. بحث مصعب عن شخص ما ملتح، لكن جميع الموجودين كانوا حليقي الذقون. وبعد مضي بضعة أسابيع طرح مصعب للبيع بيتا في رام الله. اتصل شخص بالهاتف وجاء لفحص المكان. عرفه مصعب كواحد من العشرين شخصا الذين كانوا في مقهى الانترنت. عرض الشخص نفسه على أنه عزيز كايد وقال إنه يدير مركزا للدراسات الإسلامية يسمى “البراق”، لكنه أثار انطباعا بأنه شخص من الحي.


بعد اطلاق أبيه من السجن، ذهب مصعب معه إلى نابلس للقاء مسؤولي حماس الكبار في المدينة. نبه أحدهم إلى أن  الشيخ يجب أن يكون على اتصال مع “عزيز كايد من مركز البراق”. وطلب مصعب إلى الشاباك فحص ماضي كايد وتبين أنه كان في فترة دراسته في الجامعة نشيطا مركزيا من حماس في اتحاد طلاب الجامعات، لكن قبل عشر سنين كف عن ممارسة  أي نشاط سياسي، وعاش حياة عادية بل سافر إلى الخارج بلا عائق. وتذكر مصعب عدة شبان آخرين عرفهم في الماضي وكفوا عن أي نشاط في حماس. وبين الفحص انهم جميعا كانوا على صلة ببعضهم وعملوا في “البراق”.


أفضت متابعة الشاباك لهم إلى نتائج حاسمة: فقد تبين أن أبناء الثلاثين فأكثر كانوا هم الذين أداروا نشاط حماس الاقتصادي في الضفة ومولوا النشطاء العسكريين. ويقول مصعب “في أحد الأيام تعقبنا ناجي مهدي من شقته في شمال رام الله إلى مرآب في منطقة تجارية، قريب جداً من بيت في حي البالوع. ولحظنا فجأة أنه يرفع باب المرآب ويدخل ويغلق الباب خلفه. راقبنا المكان مدة أسبوعين إلى أن فتح باب المرآب من الداخل في أحد الأيام وانكشف لنا ابراهيم حامد. بل إن الشاباك مكنه من العودة إلى الداخل ثم أحاط بالمبنى”.


لم يحارب حامد ولم يحاول المقاومة. خرج بأمر الجنود عاريا واعتقل.


ويقول مصعب “إن العثور على حامد واعتقاله وقيادة حماس السرية كان أهم عمل قمت به في سني عملي كلها مع الشاباك. كان حامد مسؤولا عن مقتل ثمانين إسرائيليا. كانت تلك مهمتي الأخيرة في الشاباك”.


في أيلول (سبتمبر) العام 2005 أبلغ الشاباك مصعبا، أنه تقرر على إثر التصعيد في غزة اعتقال أبيه مرة أخرى. وافق مصعب على اعتقاله مدركا أنه بذلك فقط يستطيع انقاذ أبيه. وبقي الشيخ حسن يوسف وهو بلا شك أحد أكثر الأشخاص اعتدالا في حماس، معتقلا في السجن الإسرائيلي إلى اليوم. وقد سمع هذا الأسبوع لأول مرة أن ابنه عمل مدة سنين في خدمة الشاباك.

‫4 تعليقات

  1. فإن لم تستح فافعل ما شئت …
    مصعب يطبق هذه المقولة 100%، فإن لم تستح فافعل ما شئت، فانظروا كيف يبرر عمالته وخيانته لشعبه وناسه بأنه تأكد بأنهم يقتلون الناس بدون سبب فمجرد الشك يفرض عليه أن ينتمي إلى أجهزة المخابرات الاسرائيلية… فالعذر أكبر من الذنب نفسه…
    أعانك الله يا شيخ حسن يوسف على مصابك، ولكنني متأكد بأنك سوف تحتسبه إلى الله.
    وأرجو من الجميع اعادة قراءة مقدمة كتابه التي ظهرت بعد صورة اعتقال البرغوثي لتعرفوا بأن كل ما يقوله عن أن ما قام به لم يكن بسبب المال، بل بسبب قناعاته الشخصية ما هو إلا هراء، فلم الاعتذار من الأهل إن كنت مؤمناً بما يقوم به…
    أراحنا الله منه ومن أمثاله…
    إن لم تستح فافعل ما شئت…
    ودمتم سالمين…

  2. فإن لم تستح فافعل ما شئت …
    مصعب يطبق هذه المقولة 100%، فإن لم تستح فافعل ما شئت، فانظروا كيف يبرر عمالته وخيانته لشعبه وناسه بأنه تأكد بأنهم يقتلون الناس بدون سبب فمجرد الشك يفرض عليه أن ينتمي إلى أجهزة المخابرات الاسرائيلية… فالعذر أكبر من الذنب نفسه…
    أعانك الله يا شيخ حسن يوسف على مصابك، ولكنني متأكد بأنك سوف تحتسبه إلى الله.
    وأرجو من الجميع اعادة قراءة مقدمة كتابه التي ظهرت بعد صورة اعتقال البرغوثي لتعرفوا بأن كل ما يقوله عن أن ما قام به لم يكن بسبب المال، بل بسبب قناعاته الشخصية ما هو إلا هراء، فلم الاعتذار من الأهل إن كنت مؤمناً بما يقوم به…
    أراحنا الله منه ومن أمثاله…
    إن لم تستح فافعل ما شئت…
    ودمتم سالمين…

  3. دود المش منه فيه
    حذرنا رب العباد ان من اعدائنا ابنائنا وازواجنافالنحذرهم ومع انهم علموا ارتداده عن الاسلام واعتناقه المسيحية ولكنهم خبأوا رؤوسهم فى الرمال كالنعام لمجرد انه ابن الشيخ حسن يوسف اولم يدركوا ان من خان الله ورسوله لم يكن من الصعب عليه خيانة الوطن والعشيرة بحجج واهية وهو ايمانه الشديد بهم وبعقيدتهم وليس من اجل المال فقط انه كله هراء وخيبة امل من القادة الذين لايرون اكثر من موضع اقدامهم…الم يقرأ هؤلاء الاسلاميون ومدعى الاسلام القرأن ولم يتعلموا من قصص الانبياء ان ابناء بعض الانبياء كانوا اعداء لهم أيقص الله علينا هذه القصص للاعتبار بها ويلحظوا التغييرات التى تطرأ على ابنائهم بل انهم وصلهم الخبراليقين عن ارتداده فلماذا غضوا البصرعن هذا الحدث الذى هو كفيل بمفرده افتضاح امر مثل هذا المرتد…كفاكم عبثا ياقادة وانظروا للأمور نظرة شاملة من جميع الجوانب حتى تتبينوا امركم…فدود المش منه فيه مقولة مصريةتبين ان الفساد يأتى من بيننا وليس من خارجنا

  4. دود المش منه فيه
    حذرنا رب العباد ان من اعدائنا ابنائنا وازواجنافالنحذرهم ومع انهم علموا ارتداده عن الاسلام واعتناقه المسيحية ولكنهم خبأوا رؤوسهم فى الرمال كالنعام لمجرد انه ابن الشيخ حسن يوسف اولم يدركوا ان من خان الله ورسوله لم يكن من الصعب عليه خيانة الوطن والعشيرة بحجج واهية وهو ايمانه الشديد بهم وبعقيدتهم وليس من اجل المال فقط انه كله هراء وخيبة امل من القادة الذين لايرون اكثر من موضع اقدامهم…الم يقرأ هؤلاء الاسلاميون ومدعى الاسلام القرأن ولم يتعلموا من قصص الانبياء ان ابناء بعض الانبياء كانوا اعداء لهم أيقص الله علينا هذه القصص للاعتبار بها ويلحظوا التغييرات التى تطرأ على ابنائهم بل انهم وصلهم الخبراليقين عن ارتداده فلماذا غضوا البصرعن هذا الحدث الذى هو كفيل بمفرده افتضاح امر مثل هذا المرتد…كفاكم عبثا ياقادة وانظروا للأمور نظرة شاملة من جميع الجوانب حتى تتبينوا امركم…فدود المش منه فيه مقولة مصريةتبين ان الفساد يأتى من بيننا وليس من خارجنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock